No Image
العرب والعالم

المشهد الميداني في قطاع غزة يسير في اتجاه معاكس لوعود «الهدوء المستدام»

16 يناير 2026
16 يناير 2026

غزة- «عُمان»- بهاء طباسي: بعد ساعات من الإعلان الرسمي عن إطلاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب على غزة، بدا المشهد الميداني في القطاع وكأنه يسير في اتجاه معاكس تمامًا لما يُسوَّق سياسيًا من وعود «الهدوء المستدام». أصوات الانفجارات، وأعمدة الدخان المتصاعدة من الأحياء الشرقية، وعمليات النسف المتواصلة، أعادت إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا حول جدوى أي مسار سياسي لا يترجم فورًا إلى وقف فعلي للنار.

من شمال القطاع إلى جنوبه، لم تمرّ ساعات نهار أمس الخميس بهدوء. عمليات عسكرية متزامنة، وقصف مدفعي وجوي، وإطلاق نار من الآليات والزوارق الحربية، رسمت صورة ميدانية قاتمة في وقت يُفترض فيه أن تكون غزة على أعتاب مرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة الإعمار.

التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني لم يعد تفصيلًا ثانويًا، بل تحوّل إلى عنصر ضاغط على الشارع الفلسطيني، الذي يراقب الإعلانات الدولية بينما يعيش تفاصيل يومية من القتل، والهدم، والخوف، وانعدام اليقين.

وسط هذا المشهد، تتكثف الأسئلة حول مستقبل المرحلة الثانية، وقدرتها على الصمود أمام وقائع ميدانية توحي بأن الاحتلال ما زال يتعامل مع الاتفاق كإطار قابل للاختراق، لا كالتزام ملزم يغيّر قواعد الاشتباك على الأرض.

نيران مفتوحة

مع ساعات الصباح الأولى، شرعت قوات الاحتلال في عمليات نسف جديدة للمنازل المتبقية في حي الزيتون شرقي مدينة غزة، في مشهد أعاد إلى الذاكرة مشاهد التدمير الواسع التي رافقت ذروة العدوان. عمليات النسف لم تكن معزولة، بل جاءت ضمن تحركات عسكرية أوسع شملت فتح نيران الآليات الإسرائيلية باتجاه المناطق الشرقية للمدينة.

القصف المدفعي طال مساحات واسعة من الأحياء الشرقية لمدينة غزة، محدثًا دمارًا إضافيًا في مناطق سبق أن أُنهكت بفعل القصف المتكرر. أصوات المدفعية لم تتوقف، فيما شوهدت أعمدة الدخان تتصاعد من أكثر من موقع، في ظل حالة من الذعر بين السكان الذين لم يتمكن كثير منهم من مغادرة مناطق الاستهداف.

وفي وسط القطاع، تعرّض شمال شرقي مخيم البريج لقصف مدفعي مكثف، ما أدى إلى أضرار في الممتلكات وبث حالة من الخوف بين العائلات، في وقت تعاني فيه المخيمات أصلًا من اكتظاظ شديد ونقص حاد في مقومات الحياة الأساسية.

أما في حي التفاح شرقي مدينة غزة، فقد شنّت طائرات الاحتلال الحربية غارة جوية استهدفت منطقة مأهولة، بالتزامن مع عمليات عسكرية أخرى في شمال القطاع، حيث نفّذ الجيش الإسرائيلي عمليات نسف لمبانٍ سكنية شرقي مخيم جباليا.

شهداء جُدد

التصعيد الميداني خلّف شهداء في مناطق متفرقة من القطاع. ففي مخيم حلاوة غربي جباليا شمالي غزة، أُصيبت طفلة برصاص آليات الاحتلال، في حادثة أعادت إلى الواجهة استهداف المدنيين، لا سيما الأطفال، في سياق العمليات العسكرية المتواصلة.

وفي جنوب القطاع، أفادت مصادر محلية وطبية لـ«عُمان» باستشهاد مواطن برصاص قوات الاحتلال في منطقة دوار بني سهيلا شرق مدينة خانيونس، في مؤشر على اتساع رقعة الاستهداف لتشمل مناطق مختلفة في التوقيت ذاته.

كما أُصيب أحد أفراد طاقم الدفاع المدني أثناء محاولته إزالة خطر في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، بعدما انهار الطابق الثالث من أحد المباني عليهم، في حادثة تعكس حجم المخاطر التي تواجه طواقم الإنقاذ في ظل تضرر آلاف المباني وعدم استقرارها الإنشائي.

ولم يقتصر التصعيد على البر، إذ أطلقت زوارق حربية تابعة للاحتلال النار باتجاه ساحل مدينة غزة، ما زاد من حالة التوتر لدى الصيادين والسكان القاطنين قرب الساحل، في وقت يُفترض فيه أن يشهد القطاع تخفيفًا للقيود العسكرية.

تدمير ممنهج

صحيفة «نيويورك تايمز» كشفت، استنادًا إلى تحليل صور أقمار صناعية وتقييمات خبراء عسكريين، أن قوات الاحتلال دمّرت منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار أكثر من 2,500 مبنى في قطاع غزة، بينها عشرات المباني الواقعة خارج ما يُعرف بـ«المنطقة الصفراء» المحددة ضمن بنود الاتفاق.

وأظهرت تحليلات برنامج «يونوسات» التابع للأمم المتحدة حدوث تغيّر فعلي في حدود المناطق المقيّدة المفروضة بموجب الهدنة، ما يشير إلى توسيع عملي لنطاق العمليات العسكرية على الأرض، خلافًا لما هو متفق عليه رسميًا.

هذه المعطيات تعزّز الاتهامات الفلسطينية بأن الاحتلال يتعامل مع الهدنة كإطار هش، ويواصل فرض وقائع ميدانية جديدة عبر التدمير والنسف، بما يقوّض أي إمكانية حقيقية للانتقال إلى مرحلة «الهدوء المستدام».

خروقات الهدنة

المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أكد أنه مع الإعلان عن دخول المرحلة الثانية من الاتفاق، ارتكب الاحتلال الإسرائيلي 1,244 خرقًا خلال المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، ما أسفر عن سقوط 1,760 شهيدًا وجريحًا ومعتقلًا.

وأوضح المكتب أن الاحتلال واصل، منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025 وحتى صباح الخميس 15 يناير 2026، ولمدة 95 يومًا، ارتكاب خروقات جسيمة ومنهجية، تشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني وتقويضًا متعمدًا لبنود الاتفاق.

وبيّنت الإحصائيات أن الخروقات شملت 402 جريمة إطلاق نار مباشر ضد المدنيين، و66 عملية توغل للآليات العسكرية داخل المناطق السكنية، و581 جريمة قصف واستهداف لمواطنين عزل ومنازلهم، إضافة إلى 195 جريمة نسف وتدمير لمنازل ومؤسسات وبنايات مدنية.

وأسفرت هذه الانتهاكات عن استشهاد 449 مواطنًا ممن وصلوا إلى المستشفيات، وإصابة 1,246 آخرين، إلى جانب تنفيذ 50 حالة اعتقال غير قانوني.

حصيلة صحية

زاهر الوحيدي، مدير وحدة المعلومات الصحية في وزارة الصحة بغزة، قال لـ«عُمان» إن إجمالي ما وصل إلى مستشفيات القطاع خلال الـ24 ساعة الماضية بلغ 15 شهيدًا، بينهم شهيدان جديدان و13 شهيدًا جرى انتشالهم، مع تسجيل 5 إصابات.

وأضاف أن مواطنًا توفي وأُصيب آخر نتيجة انهيار مبنى، ما يرفع عدد ضحايا انهيار المباني منذ بداية فصل الشتاء إلى 25 حالة وفاة، في ظل تضرر آلاف المباني جزئيًا أو كليًا.

وأشار الوحيدي إلى أنه منذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر، بلغ إجمالي عدد الشهداء 449، والإصابات 1,246، وحالات الانتشال 710، فيما وصل العدد التراكمي للشهداء منذ بدء العدوان في 7 أكتوبر 2023 إلى 71,439 شهيدًا، والإصابات إلى 171,324.

وأكد أن عددًا من الضحايا لا يزال تحت الركام وفي الطرقات، في ظل عجز طواقم الدفاع المدني والإسعاف عن الوصول إليهم حتى اللحظة.

تحولات سياسية

على الصعيد السياسي، أعلن المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، الأربعاء 14 يناير 2026، إطلاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب المكوّنة من 20 نقطة لإنهاء الصراع في غزة. وتهدف هذه المرحلة إلى الانتقال نحو «هدوء مستدام» يشمل وقفًا كاملًا للعمليات العسكرية وانسحابًا إسرائيليًا شاملًا من القطاع، مقابل إطلاق سراح جميع الرهائن الأحياء المتبقين.

وتتزامن هذه الخطوات مع تولي «لجنة غزة الانتقالية»، المؤلفة من فريق تكنوقراط، إدارة الشؤون المدنية، إلى جانب نشر قوة استقرار دولية، وبدء عمليات إعادة الإعمار وفتح المعابر لضمان تدفق المساعدات وعودة النازحين.

مصادر فلسطينية موثوقة أفادت بأن تشكيل لجنة إدارة غزة قد اكتمل، برئاسة علي شعث، الذي سيتولى أيضًا ملفي الطاقة والنقل، إلى جانب توزيع الحقائب على شخصيات تكنوقراطية أخرى تشمل المالية، والتعليم، والصحة، والاقتصاد، والمياه، والقضاء، والشؤون الدينية، والأراضي، والزراعة، وشؤون العشائر، والداخلية.

وعقدت اللجنة اجتماعها الأول في مقر السفارة الأميركية بالقاهرة، بحضور نيكولاي ملادينوف، فيما واصلت مصر جهودها لتقريب وجهات النظر مع السلطة الفلسطينية والفصائل بشأن آليات تنفيذ المرحلة الثانية.

خطة إعمار

رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة، علي شعث، قال لـ«عُمان» إن أولوية اللجنة تتمثل في تأمين المسكن وظروف المعيشة الكريمة للفلسطينيين، بالتوازي مع إعادة تأهيل البنية التحتية ثم الشروع في إعادة الإعمار.

وأوضح أن التوجه يقوم على توفير مبانٍ مسبقة الصنع ومزودة بالخدمات الصحية، وتسكين الغزيين مرحليًا في مراكز إيواء محددة وفق دراسات ومساحات معروفة، بالتزامن مع إزالة الركام وإعادة تدويره خلال فترة لا تتجاوز ثلاث سنوات.

وبيّن أن خطة إعادة الإعمار أُعدّت بالتعاون بين البنك الدولي ووزارة التخطيط الفلسطينية ووزارة الأشغال، وتتضمن ثلاث مراحل تبدأ بالإغاثة الطارئة، ثم التعافي، وصولًا إلى إعادة البناء والتنمية المتزامنة، مؤكدًا أن اللجنة تعمل بتكامل مع السلطة الفلسطينية، ولا علاقة لها بالملفات السياسية أو العسكرية.

عقبات مرتقبة

رغم الإعلان الأمريكي، تشير المواقف الإسرائيلية إلى تشكيك واضح في جدوى المرحلة الثانية. فقد اعتبر مسؤولون إسرائيليون أن الانتقال إلى هذه المرحلة لا يتجاوز كونه خطوة شكلية، لا تحمل تغييرات ملموسة في المدى القريب.

رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو وصف الإعلان عن تشكيل حكومة تكنوقراط بأنه إجراء تصريحي، مؤكدًا في أحاديث داخلية أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من المناطق التي يسيطر عليها ضمن ما يُعرف بالخط الأصفر.

وتعكس تقارير عبرية إصرار المستوى السياسي الإسرائيلي على ربط أي تقدم في ملف إعادة الإعمار بنزع سلاح حماس، مع التلويح بإجراءات إضافية، من بينها تأخير فتح معبر رفح، ما يضع المرحلة الثانية أمام اختبارات صعبة بين النصوص السياسية وواقع الميدان المتفجر.