الدولة اللبنانية تتمسك "بحصرية التفاوض".. وضغوط لشمول بيروت باتفاق وقف إطلاق النار
عواصم "وكالات ": دعت أطراف دولية اليوم الخميس الى أن يُشمل لبنان بالهدنة المعلنة في الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، غداة غارات دامية على بيروت ومناطق اخرى أسفرت عن سقوط أكثر من 200قتيل، وأثارت مخاوف من عدم ثبات وقف إطلاق النار المعلن في الشرق الأوسط.
وأثارت الهجمات على لبنان موجة إدانات. وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إن حجم القتل في الضربات "مروّع"، داعيا المجتمع الدولي إلى المساعدة في إنهاء "الكابوس" المتفاقم.
واتخذت الولايات المتحدة موقفا مماثلا لحليفتها إسرائيل، عبر القول إن لبنان لم يكن مشمولا باتفاق الهدنة.
وقال نائب الرئيس الأمريكي حاي دي فانس "إذا أرادت إيران أن تدع هذه المفاوضات تنهار... بسبب لبنان الذي لا علاقة له بها والذي لم تقل الولايات المتحدة يوما إنه جزء من وقف إطلاق النار، فهذا في النهاية خيارها".
ومن المتوقع أن يلتقي ممثلون عن واشنطن وطهران في إسلام آباد للتفاوض على تسوية تتجاوز هدنة الأسبوعين التي تم إقرارها قبيل انتهاء مهلة الإنذار التي حدّدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيران قبل استهداف بنيتها التحتية ومنشآت الطاقة.
من جهتها، أدانت المفوضية الأوروبية بشدة الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، وقال المتحدث باسم المفوضية في بروكسل اليوم الخميس " ندين بشدة الهجمات الأخيرة التي شنتها إسرائيل على لبنان، التي تسببت في وقوع عدد كبير من الخسائر البشرية من بين المدنيين وتدمير ضخم للبنية التحتية المدنية".
وأضاف المتحدث " مثل هذه الأعمال تمثل تصعيدا خطيرا للغاية و تهديدا غير مقبول لأرواح المدنيين والاستقرار الإقليمي. لذلك نؤكد على الحاجة للاحترام الكامل للقانون الدولي والقانون الانساني، الذي ينص على حماية المدنيين".
وأعلنت الحكومة اللبنانية الحداد الوطني اليوم "على شهداء وجرحى الاعتداءات الإسرائيلية التي طالت مئات المدنيين الآمنين العُزل، كما أعلن إقفال الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات وتنكيس الأعلام عليها".
وقال المتحدث " في يوم الحداد، اسمحوا لي أن أعرب عن خالص تضامنا بالنيابة عن الاتحاد الأوروبي مع شعب لبنان". وأضاف" قلوبنا مع الضحايا وأسرهم والذين تضرروا من هذا المستوى الخطير من العنف بالإضافة إلى النازحين داخليا الذين يعانون في أنحاء البلاد".
وأضاف المتحدث أن الاتحاد الأوروبي " سيستمر في التواصل مع شركائنا لدعم خفض التصعيد ووقف دائم للأعمال العدائية".
من جهتها، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إنّ "الأعمال الإسرائيلية تُعرّض وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لضغط شديد. يجب أن يشمل وقف إطلاق النار مع إيران لبنان".
كما رأى وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو أن الضربات الإسرائيلية على لبنان "غير مقبولة".
بدورها، قالت وزيرة الخارجية إيفيت كوبر "نرغب في وقف لإطلاق النار يمدّد إلى لبنان. وأنا أشعر بقلق بالغ إزاء الهجمات المتصاعدة لإسرائيل التي شهدناها بالأمس في لبنان".
ولمّحت فرنسا اليوم الى أن إعادة طرح مسألة تعليق الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل ممكنة بعد الضربات "غير المتناسية" التي تنفذها في لبنان وانتهاكات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية باسكال كونفافرو "نظرا لخطورة ما حدث اليوم وبالإضافة إلى ذلك، وبالنظر إلى الوضع في الضفة الغربية، لا يمكن استبعاد أن يُعاد فتح النقاش حول تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، إضافة للعقوبات الوطنية" التي قد تفرضها فرنسا.
وأضاف "لإسرائيل بالطبع الحق في الدفاع عن نفسها، لكن أفعالها ليست غير مقبولة فحسب، بل هي أيضا غير متناسبة وتقود بحكم الأمر الواقع إلى طريق مسدود".
ورغم ذلك، شدد رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو اليوم على أن إسرائيل ستواصل ضرب حزب الله "حيثما لزم الامر".
وقال "نحن نواصل ضرب حزب الله بقوة ودقة وتصميم. رسالتنا واضحة: أي شخص يتحرك ضد المدنيين الإسرائيليين، سنضربه. سنواصل استهداف حزب الله حيثما لزم الأمر، حتى نعيد الأمن بشكل كامل إلى سكان الشمال" في إسرائيل.
وفي السياق ذاته ، انتقد المستشار الألماني فريدريش ميرتس اليوم الخميس الطريقة التي تدير بها إسرائيل الحرب في لبنان، مشيرا إلى أنه يتابع الوضع في المنطقة بأسرها بقلق بالغ، وخص بالذكر الوضع في جنوب لبنان.
وأكد رئيس الحزب المسيحي الديمقراطي الألماني أن "القسوة التي تشن بها إسرائيل الحرب هناك قد تؤدي إلى فشل عملية السلام برمتها، وهذا ما لا ينبغي السماح بحدوثه. لهذا السبب، طالبت الحكومة الإسرائيلية اليوم، بالاشتراك مع رؤساء دول وحكومات آخرين، بوقف هجماتها التي اشتدت حدتها مجددا."
وكانت باكستان التي قادت جهود الوساطة بين واشنطن وطهران، قد اعلنت ليل الثلاثاء الى الأربعاء التوصل الى وقف لإطلاق النار مدته أسبوعان، ترافقه مباحثات في إسلام آباد، يؤمل بأن تضع حدا للحرب التي بدأت في 28 فبراير. وفي حين أكدت الدولة الوسيطة أن الاتفاق يشمل وقف القتال في لبنان حيث تدور حرب بين إسرائيل وحزب الله منذ الثاني من مارس، نفت الدولة العبرية وواشنطن ذلك.
ونفذت إسرائيل الأربعاء غارات واسعة قالت إنها الأعنف على لبنان منذ بدء الحرب، وأنها تستهدف حزب الله. وأسفرت الضربات عن هدم مبانٍ سكنية كبيرة.
وقال وزير الصحة راكان ناصر الدين "حصيلة الشهداء 203 وأكثر من 1000 جريح في العدوان على لبنان الأربعاء".
في غضون، استكمل عمال الانقاذ اليوم الخميس البحث عن ضحايا وناجين محتملين تحت الأنقاض في مواقع عدة في بيروت، بحسب ما أفاد مراسلون لوكالة فرانس برس.
بيزشكيان:اعتداء الاسرائيلي مؤشر خطير على الخداع
وحذّرت طهران من أن عدم شمول لبنان بالهدنة يهدد وقف إطلاق النار، وقال الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان اليوم الخميس من أن تواصل الغارات الإسرائيلية على لبنان سيجعل المفاوضات المرتقبة مع الولايات المتحدة "بلا معنى"، بعدما أبرم الطرفان اتفاقا موقتا لوقف إطلاق النار.
وقال الرئيس الإيراني في منشور بالعربية على منصة إكس "إنّ اعتداء الكيان الصهيوني المتكرر على لبنان هو انتهاك صارخ لاتفاق وقف إطلاق النار الأولي ومؤشر خطير على الخداع وعدم الالتزام بالاتفاقات المحتملة".
وحذّر من أن "مواصلة هذه الاعتداءات سيجعل التفاوض بلا معنى؛ أيدينا ستبقى على الزناد، ولن تتخلّى إيران عن إخوتها وأخواتها اللبنانيين قطّ".
الى ذلك، شدد رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف اليوم الخميس على أن لبنان "جزء لا يتجزأ" من اتفاق وقف إطلاق النار بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة، مؤكدا أن أيّ انتهاك للاتفاق سيواجَه بـ"ردود قوية".
وفي منشور له على إكس، كتب قاليباف إن "لبنان وكل محور المقاومة، جزء لا يتجزأ من اتفاق وقف إطلاق النار باعتبارهم حلفاء لنا"، مشددا على رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الذي قادت بلاده الوساطة بين طهران وواشنطن "شدّد علنا وبوضوح على قضيّة لبنان، بحيث لا يوجد مجال للإنكار أو التراجع عن القرار الذي اتُّخذ".
وحذّر قاليباف من أنه يترتّب على "انتهاك بنود وقف إطلاق النار تكاليف عالية، وردود قوية. أخمدوا الحرائق الآن".
عون: لبنان لديه القدرة والإمكانيات على التفاوض
من جانبه، قال الرئيس اللبناني جوزف عون اليوم الخميس "إننا دولة لها كيانها وموجودة ولا نقبل بأن يفاوض أي أحد عنا".
ونقلت "الوكالة الوطنية للاعلام" عن عون قوله، في مستهل جلسة مجلس الوزراء اليوم "تعبنا من عبارات الاستنكار، وكلنا كنا نتطلع إلى أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان، لكنكم سمعتم للأسف التصريحات الصادرة بهذا الخصوص".
وأضاف " إن الاتصالات التي نقوم بها مع عدد من أصدقاء لبنان في العالم، نطالب فيها بإعطاء فرصة كما أعطيت للولايات المتحدة الأمريكية وإيران لوقف إطلاق النار والذهاب إلى المفاوضات، والضغط في إتجاه أن يكون لبنان جزءا من اتفاق وقف إطلاق النار لكي ننطلق في المفاوضات".
وأشار إلى أن "النقطة الأساسية الثانية هي أننا دولة لها كيانها وموجودة، والدولة هي التي تفاوض، ولا نقبل بأن يفاوض أي احد سوانا. فنحن لنا القدرة والإمكانيات للتفاوض، وتاليا لا نريد أن يفاوض أي احد عنا. هذا امر لا نقبل به".
وختم الرئيس عون قائلا: "على أثر العدوان الإسرائيلي ، لا يمكننا إلا أن نثمن عاليا تضامن مختلف الوزارات وعملها المشترك في احتواء نتيجة هذا العدوان، وهو عمل جبار للتخفيف من معاناة أبناء شعبنا في أي مجال سواء في الطبابة أو الإخلاء أو الإسعاف أو رفع الأنقاض وغيرها من الأمور الملحة".
في الاثناء، طلب مجلس الوزراء اللبناني اليوم الخميس من الجيش والأجهزة الأمنية المباشرة بتعزيز بسط سيطرة الدولة في محافظة بيروت وحصر السلاح فيها بيد القوى الشرعية، وذلك غداة الغارات الإسرائيلية الدامية على العاصمة ومناطق أخرى.
وقال رئيس الحكومة نواف سلام في ختام اجتماع لمجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية جوزاف عون "حفاظا على سلامة المواطنين وأمنهم وممتلكاتهم، يُطلب الى الجيش والقوى الأمنية المباشرة فورا بتعزيز بسط سيطرة الدولة الكاملة على محافظة بيروت وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية وحدها".
ولقي القرار اليوم الخميس اعتراض وزيري الصحة والعمل المحسوبين على حزب الله، وفق ما أعلن وزير الإعلام بول مرقص الذي قال بان المطلوب "تعزيز وجود الدولة واحتكارها للسلاح في بيروت"، موضحا أن القرار "جزء لا يتجزأ من القرارات الحكومية" السابقة التي غالبا ما يصعب تطبيقها في ظل سطوة حزب الله ورفضه التخلي عن سلاحه وسط انقسامات سياسية حادة.
ويأتي القرار بعدما كانت الدولة حظرت مطلع مارس أنشطة حزب الله العسكرية والأمنية على خلفية شنه هجوما ضد اسرائيل، أشعل حربا جديدة بين الطرفين، أسفرت عن مقتل أكثر من 1700 شخص في لبنان، وفق السلطات.
وعلى خلفية الضربات الاسرائيلية، قرر مجلس الوزراء، وفق ما أعلن سلام، تقديم "شكوى عاجلة إلى مجلس الأمن الدولي، عن تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وتوسعها"، منددا بـ"التصعيد الخطير بمواجهة كل المساعي الإقليمية والدولية لوقف الحرب في المنطقة".
وبعد المواجهة التي خاضها حزب الله واسرائيل بين العامين 2023 و2024، قررت الحكومة في أغسطس الماضي تجريد الحزب من سلاحه، وباشر الجيش تنفيذ خطة لحصر السلاح. وعلى رغم ذلك، واتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ نوفمبر 2024، واصلت إسرائيل شنّ غارات وأبقت قواتها في خمس نقاط في جنوب لبنان، وصولا الى الحرب الحالية.
وفي تصريح وصف باللافت ، اكدت منظمة الصحة العالمية اليوم الخميس إن بعض المستشفيات في لبنان قد تنفد لديها مستلزمات الإسعافات الأولية المنقذة للحياة خلال أيام وذلك نتيجة لنقص الإمدادات بعد الخسائر البشرية الكبيرة التي خلفتها الغارات الإسرائيلية واسعة النطاق خلال اليوم السابق.
وقال عبد الناصر أبوبكر ممثل منظمة الصحة العالمية في لبنان لرويترز "هناك نقص في بعض مستلزمات علاج الإصابات، وقد تنفد خلال أيام قليلة".
وأضاف أن مستلزمات الإسعافات الأولية المنقذة للحياة تشمل الضمادات والمضادات الحيوية والمسكنات لعلاج المصابين بجروح ناجمة عن الحرب.
حزب الله يخوض اشتباكات مع قوة اسرائيلية
وفي سياق الاعمال الميدانية، أعلن حزب الله اليوم الخميس خوضه اشتباكات "من مسافة صفر" مع قوات اسرائيلية في مدينة بنت جبيل القريبة من الحدود، والتي خاض فيها الطرفان اشتباكات ضارية خلال جولات الحروب السابقة بينهما.
وأورد الحزب الذي عاود فجر اليوم الخميس تبني هجمات ضد اسرائيل بعد غاراتها الدامية على لبنان "يخوض مجاهدو المقاومة اشتباكات بطوليّة من مسافة صفر بالأسلحة الخفيفة والمتوسّطة والقذائف الصاروخيّة مع قوّة إسرائيليّة مؤلّلة حاولت التقدّم باتجاه سوق مدينة بنت جبيل"، مشيرا في الوقت ذاته الى استهداف آليات وجنود في موقع آخر داخل المدينة "بصليات صاروخيّة ورمايات مدفعيّة".
وتبعد بنت جبيل خمسة كيلومترات من الحدود، وتحظى برمزية خاصة لدى حزب الله، الذي ألقى أمينه العام السابق حسن نصرالله من ملعبها عام 2000 خطاب "التحرير" إثر انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان بعد 22 عاما من احتلاله.
من جهته، اصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي اليوم إنذارا جديدا لسكان الضاحية الجنوبية لبيروت لإخلائها، متوعدا بشنّ ضربات إضافية يقول إنها تستهدف حزب الله، غداة سلسلة غارات في العاصمة ومناطق أخرى.
ونشر المتحدث باسم الجيش منشور خريطة على منصة إكس مرفقة بانذار "عاجل" لسكان ثمانية أحياء، متوعدا بأنه سيواصل "مهاجمة البنى التحتية العسكرية التابعة لحزب الله في مختلف أنحاء الضاحية الجنوبية".
