الرياضية

«ألعاب القوى العُمانية بين واقع متواضــع .. وطموحات كبيرة نحــو العالمية»

02 أكتوبر 2025
كتب - فهد الزهيمي
02 أكتوبر 2025

بين التحديات والرهانات .. ألعاب القوى تبحث عن طريق التطوير

هل تصنع البرامج التدريبية قفزة في ألعاب القوى؟

البطولات المحلية والمشاركات الدولية ترسخ حضور اللعبة

المطلوب استثمار استراتيجي طويل الأمد في البنية الأساسية

تمثل ألعاب القوى في سلطنة عُمان إحدى أهم الركائز الأساسية في المشهد الرياضي، غير أن الواقع الحالي يكشف عن تواضع واضح في مستوى التأهيل الفني والقدرة التنافسية على المستويين الإقليمي والدولي. وبينما يظل الطموح قائما لوضع سلطنة عُمان في مصاف الدول الرائدة في هذه الرياضة، فإن الجهود المبذولة من قِبل الاتحاد العُماني لألعاب القوى تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العمل الممنهج، تقوم على زيادة عدد البطولات المحلية، والمشاركة الموسعة والمنتظمة في الملتقيات الدولية، إلى جانب تبني برامج تدريبية متخصصة بالتعاون مع مدربين وخبراء محليين ودوليين، ورغم أن الطريق ما زال طويلاً، فإن الأمل يظل معقودا على أن تتحول هذه الجهود إلى منظومة متكاملة قادرة على صناعة أبطال، وتأسيس قاعدة قوية من المواهب الشابة، بما يرسخ مكانة عُمان كوجهة رياضية منافسة في ألعاب القوى على مستوى المنطقة والعالم.

وتعيش ألعاب القوى العُمانية مرحلة مفصلية بين واقعٍ يتطلب مضاعفة الجهود، وتطلعاتٍ تتجه نحو وضع سلطنة عُمان في موقع متقدم على المستويين الإقليمي والدولي، ورغم التحديات المرتبطة بضعف التأهيل الفني المتقدم، يسعى الاتحاد العُماني لألعاب القوى إلى تعزيز خارطة التطوير عبر زيادة البطولات المحلية، وتوسيع المشاركة في الملتقيات الدولية، إلى جانب إطلاق برامج تدريبية متخصصة بالتعاون مع خبراء ومدربين محليين ودوليين.

وتُعد ألعاب القوى مرآةً حقيقية لمدى تطور البنية الرياضية في أي دولة، وفي سلطنة عُمان يبرز هذا التحدي بوضوح بين ما هو قائم وما هو مأمول، وبينما لا يزال التأهيل الفني المتقدم محدودًا، يعمل الاتحاد العُماني لألعاب القوى على إرساء خطوات عملية للتطوير، تشمل تنظيم المزيد من البطولات الداخلية، والانخراط المنتظم في المشاركات الخارجية، وتبني برامج تدريبية حديثة، على أمل أن تتحول هذه الجهود إلى منظومة متكاملة تقود سلطنة عُمان نحو الريادة الإقليمية والعالمية.

ومع تعدد المبادرات والجهود الحالية، يبقى التحدي الأكبر في تحويل الخطط إلى واقع ملموس يعكس طموحات الوسط الرياضي العُماني، كما أن تحقيق النقلة النوعية في ألعاب القوى يتطلب تكامل الأدوار بين الاتحاد والأندية واللاعبين، مدعومًا بالدعم المؤسسي والاهتمام الإعلامي، لتكون عُمان حاضرة بقوة على منصات التتويج القارية والدولية.

ورغم التواضع في الإمكانيات الفنية المتقدمة، فإن خطوات الاتحاد العُماني لألعاب القوى تحمل مؤشرات أمل نحو مستقبل أفضل، فكل بطولة محلية تُقام، وكل مشاركة خارجية تُسجل، وكل برنامج تدريبي يُنفذ، يشكل لبنة في مشروع بناء منظومة متكاملة، ويبقى الأمل معقودًا على أن تقود هذه الجهود المتراكمة إلى مرحلة جديدة، تضع ألعاب القوى العُمانية في موقع ريادي بين دول المنطقة والعالم.

وتحتل ألعاب القوى مكانة محورية في المشهد الرياضي العالمي، إذ تُعرف بأنها «أم الألعاب» لكونها تجمع بين مختلف المهارات البدنية التي تمثل الأساس لكل أنواع الرياضة كالسرعة، والقوة، والتحمل، والقفز، والرمي، وعلى امتداد العقود الأخيرة سعت سلطنة عُمان إلى تطوير هذه الرياضة بما يتناسب مع إمكانياتها الجغرافية والبشرية، لتصبح جزءًا أصيلًا من هُويتها الرياضية الحديثة، وتعود بدايات الاهتمام بألعاب القوى في سلطنة عُمان إلى مرحلة ما بعد النهضة المباركة في سبعينيات القرن العشرين، حين بدأت وزارة الشؤون الرياضية آنذاك (وزارة الثقافة والرياضة والشباب حاليًا) بإنشاء المرافق الرياضية وصقل المواهب المحلية، ومع مرور الوقت، تأسس الاتحاد العُماني لألعاب القوى ليكون الجهة المسؤولة عن تنظيم المسابقات المحلية، والإشراف على المنتخبات الوطنية، والمشاركة في المحافل الإقليمية والدولي،. كما شهدت سلطنة عُمان على مر السنين بروز عدد من الأسماء التي حملت الراية العُمانية في البطولات القارية والعالمية، ومن أبرزها: محمد المالكي ومحمد الهوتي وحمود الدلهمي وبركات الحارثي وعلي البلوشي الذين كتبوا أسماءهم في سجل الأرقام القياسية الوطنية، وألهموا أجيالًا من الشباب لممارسة هذه الرياضة، كما كان لسلطنة عُمان حضور في بطولات الخليج، والبطولات العربية، وبطولات غرب آسيا، إضافة إلى مشاركاتها في الألعاب الآسيوية والأولمبية.

تنوع جغرافي

وما يميز واقع ألعاب القوى العُمانية هو التنوع الجغرافي والبيئي لسلطنة عُمان، من السهول الساحلية إلى الجبال والهضاب والصحاري، وهو ما يوفر بيئات تدريبية طبيعية يمكن استثمارها لصالح الرياضيين في مختلف تخصصات اللعبة، إلا أن هذا الواقع، رغم ثرائه، لا يزال يواجه تحديات في مجالات البنية التحتية، والتمويل المستدام، والتأهيل الفني المتقدم، وهي عناصر ضرورية لتحويل المواهب الفردية إلى أبطال على مستوى العالم، إلا أنه في السنوات الأخيرة، اتخذ الاتحاد العُماني لألعاب القوى خطوات ملحوظة نحو التطوير، شملت زيادة عدد البطولات المحلية، والمشاركة الموسعة والمنتظمة في الملتقيات الدولية، وتبني برامج تدريبية متخصصة بالتعاون مع مدربين وخبراء محليين ودوليين، كذلك بدأت سلطنة عُمان بدمج البعد الاجتماعي والبيئي في نشاطاتها، ما يعكس رؤية شاملة تتجاوز المنافسة إلى المسؤولية المجتمعية.

وتأتي المرحلة الحالية للاتحاد العماني لألعاب القوى كفرصة تاريخية للرياضة العُمانية؛ إذ تتزامن مع استضافة سلطنة عُمان لمناسبات رياضية متنوعة سواء خليجية أو عربية وآسيوية، ووجود نمو اقتصادي واستقرار مالي يتيح الاستثمار في البنية التحتية والبرامج الفنية، وبينما تواصل سلطنة عُمان المشاركة في البطولات الكبرى، يبقى الأمل معقودًا أن تتحول الجهود الحالية إلى منظومة متكاملة تضع عُمان في مصاف الدول الرائدة في ألعاب القوى على مستوى المنطقة والعالم.

البنية الأساسية بين المنشآت الرياضية المركزية والحاجة لمواكبة الطموح

تُعد البنية الأساسية حجر الزاوية في أي عملية تطوير رياضي؛ فهي التي تحدد جودة الإعداد الفني للرياضيين وقدرتهم على المنافسة في أعلى المستويات، وفي سلطنة عُمان وبالرغم من وجود منشآت رياضية مركزية مهمة، فإن واقع البنية الأساسية لألعاب القوى لا يزال بحاجة إلى توسعة نوعية وجغرافية تواكب حجم الطموح. وحاليًا، يبرز مجمع السلطان قابوس الرياضي ببوشر كأحد أهم المراكز الوطنية، حيث يضم مضامير معتمدة، ومناطق للقفز والرمي، ومرافق تدريبية مساندة، كما توجد ملاعب ومضامير في بعض المحافظات، إلا أن معظمها يحتاج إلى تحديثات فنية لتلبية متطلبات الاتحاد الدولي لألعاب القوى، سواء في جودة أرضيات المضامير، أو أنظمة التوقيت الإلكتروني، أو تجهيزات مسابقات الميدان مثل القفز بالزانة ورمي القرص. أما على مستوى التوزيع الجغرافي، فإن معظم البنية الأساسية تتركز في العاصمة مسقط وعدد محدود من المدن الكبرى مثل صلالة وصحار، مما يوجد فجوة في الوصول بالنسبة لرياضيي المحافظات البعيدة كمسندم والوسطى والداخلية والبريمي والظاهرة. هذه الفجوة تؤثر سلبًا على اكتشاف المواهب وتطويرها، إذ قد يضطر الرياضيون للسفر مسافات طويلة للتدريب أو المشاركة في البطولات، ما يرهقهم ماديًا ومعنويًا ويؤثر على انتظامهم التدريبي.

جانب آخر لا يقل أهمية هو المرافق الداخلية المغطاة، وهي شبه غائبة في سلطنة عُمان، هذه المنشآت ضرورية لضمان استمرار التدريبات في أوقات الظروف المناخية القاسية، خاصة في فصل الصيف أو أثناء الأمطار، إضافة إلى دورها في استضافة البطولات الشتوية أو المعسكرات التدريبية المغلقة، كما أن البنية التكنولوجية المساندة لألعاب القوى في السلطنة بحاجة إلى تطوير شامل، فالتدريب الحديث يعتمد على أدوات قياس الأداء، وأنظمة التحليل بالفيديو، وأجهزة الاستشعار، ومعامل القوة البدنية.

هذه التقنيات، إذا توفرت في مراكز التدريب، يمكنها تحسين جودة الإعداد، وتحديد نقاط القوة والضعف لكل لاعب، وتجنب الإصابات عبر برامج تدريبية مصممة بدقة. أما على الصعيد المقارن، فيمكن الاستفادة من تجارب دول خليجية مجاورة استثمرت في إنشاء مراكز تدريب إقليمية متعددة، مجهزة بأحدث التقنيات، مرتبطة ببرامج تطوير مدرسية وأكاديمية، وهو ما مكّنها من صناعة أبطال على مستوى آسيا والعالم.

وفي سلطنة عُمان يمكن أن يتحقق هذا عبر خطة وطنية شاملة لتوزيع المرافق على جميع المحافظات، وتحديث المنشآت القائمة، وربطها ببرامج مراكز أو أكاديميات لألعاب القوى التي يشرف عليها الاتحاد العماني لألعاب القوى بالتعاون مع وزارة الثقافة والرياضة والشباب.

في المحصلة، فإن ما هو متوفر حاليًا يمثل قاعدة جيدة للانطلاق، لكنه غير كافٍ لتحقيق قفزة نوعية في الأداء والمنافسة الدولية. والمطلوب للوصول إلى الأهداف المرجوة هو استثمار استراتيجي طويل الأمد في البنية الأساسية بحيث يشمل إنشاء مرافق جديدة في كافة المحافظات، وتحديث المضامير والمرافق القائمة وفق المعايير الدولية، وإدخال المنشآت المغطاة والمراكز المتخصصة للأداء العالي في خطة الوزارة، وكذلك توفير التقنيات الحديثة من أجل دمج التكنولوجيا الحديثة في التدريب والتحليل. وبهذه الخطوات يمكن للاتحاد العماني لألعاب القوى أن يبني قاعدة رياضية صلبة تتيح اكتشاف المواهب وصقلها بشكل احترافي، وتوفر للرياضيين بيئة تدريبية تضاهي ما هو موجود في الدول المتقدمة رياضيًا.

تعزيز التمويل وعقود الرعاية والتسويق للبطولات تدفع نحو نهضة رياضية

يُعد التمويل الركيزة الأساسية لأي نهضة رياضية، إذ لا يمكن تطوير البنية الأساسية أو إعداد الكوادر أو اكتشاف المواهب دون موارد مالية مستدامة. وفي سلطنة عُمان، ورغم الجهود المبذولة من الحكومة والاتحاد العماني لألعاب القوى، فإن حجم الدعم المالي لا يزال دون مستوى الطموح إذا ما قورن بالاحتياجات الفعلية لمشروع وطني متكامل للنهوض باللعبة.

حاليًا، يعتمد تمويل أنشطة ألعاب القوى بشكل رئيسي على المخصصات الحكومية السنوية التي تُمنح عبر وزارة الثقافة والرياضة والشباب، بالإضافة إلى بعض المساهمات المحدودة من الرعاة المحليين. وهذه المخصصات تغطي أساسيات المشاركات الخارجية، وتنظيم بعض البطولات المحلية، وتكاليف المعسكرات التدريبية، لكنها غالبًا ما تكون غير كافية لتأمين برامج طويلة الأمد أو الاستثمار في مشاريع تطوير شاملة، مثل الأكاديميات الرياضية أو مراكز التدريب الإقليمية.

في المقابل، تتطلب النهضة الرياضية الحقيقية تنويع مصادر التمويل عبر الشراكات مع القطاع الخاص، وإبرام عقود رعاية مع شركات وطنية وعالمية، وإطلاق مبادرات تسويق لبطولات ألعاب القوى باعتبارها منتجًا رياضيًا جاذبًا للجماهير والمستثمرين. هذا النموذج معمول به في عدد من الدول، حيث تمكّنت اتحادات ألعاب القوى من تغطية معظم نفقاتها من عقود البث التلفزيوني، والرعايات، وتنظيم الفعاليات الكبرى التي تدر عائدات مالية.

أما فيما يتعلق بالفرص الاحترافية، فإن الوضع الحالي يفتقر إلى وجود مسارات مهنية واضحة للرياضيين بعد تجاوزهم المستوى المدرسي أو الجامعي. وفي معظم الحالات، يضطر اللاعب الموهوب إلى الجمع بين العمل أو الدراسة والتدريب، ما يحد من فرصة للوصول إلى قمة مستواه الفني. ولتجاوز هذه الإشكالية، يمكن تطبيق نموذج «الرياضي المحترف بدوام كامل»، بحيث يتلقى اللاعب دعمًا ماليًا ثابتًا مقابل التفرغ للتدريب والمشاركة في البطولات، مع توفير برامج تعليمية ومهنية موازية.

من جانب آخر، يسعى الاتحاد العماني لألعاب القوى إلى تسويق اللاعبين الموهوبين في الخارج، خاصة في دول تمتلك دوريات أو بطولات محلية قوية في ألعاب القوى. هذا الأمر سيوفر لهم بيئة تنافسية عالية المستوى، ويزيد من خبراتهم، ويهيئهم لتمثيل سلطنة عُمان بشكل أفضل في المحافل الدولية.

كما أن الجوائز المالية للبطولات المحلية تحتاج إلى مراجعة وزيادة، بحيث تشكّل حافزًا إضافيًا للرياضيين للاستمرار في المنافسة وتطوير مستواهم. فالتجارب الدولية أثبتت أن الجوائز المعتبرة ترفع من مستوى المنافسة، وتجذب مواهب جديدة إلى اللعبة. إضافة إلى ذلك، يجب التفكير في برامج المنح الدراسية الرياضية التي تربط المواهب الشابة بفرص تعليمية داخل وخارج سلطنة عُمان، مع منحهم التسهيلات الأكاديمية التي تمكّنهم من التدريب والمشاركة في البطولات دون الإخلال بمسارهم التعليمي.

كما أن الجمع بين التمويل المستدام، وتوسيع قاعدة الرعاة، وتوفير مسارات احترافية واضحة، سيمثل نقلة نوعية لألعاب القوى في سلطنة عُمان. فالرياضة الحديثة لم تعد مجرد هواية أو نشاطًا بدنيًا، بل أصبحت صناعة قائمة بذاتها تتطلب استثمارًا ماليًا وإداريًا ذكيًا قادرًا على تحويل المواهب إلى أبطال، وتحويل البطولات إلى منصات جذب جماهيري واقتصادي .

المسابقات الإقليمية والدولية.. منصة لصقل الخبرات ورفع مستوى التنافسية

تمثل المشاركة في المسابقات الإقليمية والدولية حجر الزاوية في تطوير ألعاب القوى، حيث تتيح للاعبين العمانيين الاحتكاك بمستويات عالية من الأداء، ومقارنة قدراتهم مع أبطال من مختلف الدول. فالنتائج العالية في البطولات المحلية، مهما كانت مهمة، لا تكفي وحدها لصناعة بطل قادر على المنافسة خارج الحدود؛ إذ إن البطولات الخارجية تمنح اللاعبين خبرة عملية في إدارة السباقات، والتحكم في الضغط النفسي، والتأقلم مع ظروف مناخية وملاعب مختلفة.

ومنذ سبتمبر 2024 وحتى أغسطس 2025، شارك الاتحاد العماني لألعاب القوى في عدد من الاستحقاقات البارزة، شملت البطولات الخليجية والعربية والآسيوية، إضافةً إلى بعض اللقاءات الدولية الودية. فقد مثّل اللاعبون العمانيون سلطنة عُمان في البطولة الخليجية الشاطئية، وحققوا فيها نتائج عالية المستوى، كما كانت المشاركة في البطولات العربية محطات مهمة، إذ وفرت بيئة تنافسية قوية أسهمت في رفع ثقة اللاعبين الشباب.

على الصعيد الآسيوي، شهدت هذه الفترة مشاركة سلطنة عُمان في بطولة آسيا لألعاب القوى التي أقيمت في تايلاند، وهي من أقوى المحافل التي يشارك فيها أبطال عالميون وأولمبيون. ورغم أن المنافسة كانت شديدة، إلا أن المشاركة أظهرت تطورًا في الأرقام الشخصية لبعض العدائين العمانيين، ما يعكس تقدم البرامج التدريبية التي يشرف عليها الاتحاد.

إضافةً إلى ذلك، كان هناك حضور عماني في بعض الملتقيات الدولية المفتوحة، مثل لقاء الدوحة الدولي وملتقى شنجهاي، اللذين يعدان ضمن سلسلة الدوري الماسي لألعاب القوى. وإن كانت تلك المشاركات غالبًا بدعوات خاصة أو عبر لاعبين مؤهلين بمعايير الاتحاد الدولي، فإن هذه المشاركات لا تهدف فقط إلى تحقيق الميداليات، بل أيضًا إلى اكتساب الخبرة والتأقلم مع أسلوب اللعب ذات المستوى العالي.

من جانب آخر، يعمل الاتحاد خلال هذه الفترة على استضافة وتنظيم بطولات إقليمية على الأراضي العمانية، مما يسهم في تعزيز مكانة سلطنة عُمان باعتبارها محطة رياضية مهمة في المنطقة، ويتيح للاعبين فرصة المنافسة أمام جماهيرهم، وهو عامل نفسي إيجابي. كما إن تنويع المشاركة بين البطولات الخليجية والعربية والآسيوية والعالمية، بالإضافة إلى استضافة بعض الأحداث، يعد استراتيجية ضرورية لرفع تصنيف سلطنة عُمان في الاتحادين الآسيوي والدولي، وجذب المزيد من الدعم والرعاة، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على مستوى اللاعبين وتجهيزاتهم المستقبلية.  

القطاع المدرسي والشبابي العمود الفقري لأي نهضة رياضية حقيقية

يمثّل القطاع المدرسي والشبابي العمود الفقري لأي نهضة رياضية حقيقية، وألعاب القوى ليست استثناءً من هذه القاعدة، بل ربما تكون أكثر الألعاب اعتمادًا على مراحل الاكتشاف المبكر للمواهب، نظرًا لأن قدرات العداء أو القافز أو الرامي تتشكل في سن صغيرة وتحتاج إلى رعاية وتدريب منتظمين على مدى سنوات للوصول إلى المستويات العالمية.

وفي سلطنة عُمان، تقوم وزارة التربية والتعليم بدور مهم في إدخال ألعاب القوى ضمن المناهج والنشاطات المدرسية، من خلال المسابقات السنوية على مستوى المدارس، وتنظيم الأيام الرياضية التي تشمل منافسات الجري والقفز والرمي، غير أن هذا الدور -رغم أهميته- لا يزال بحاجة إلى تطوير نوعي يربط بين الأنشطة المدرسية وبرامج الاتحاد العماني لألعاب القوى، بحيث تتحول النتائج المدرسية إلى قاعدة بيانات لاكتشاف المواهب بدلًا من أن تنتهي بانتهاء العام الدراسي.

كما أن الفئة العمرية بين 12 و18 عامًا تمثل فترة ذهبية لاكتشاف القدرات البدنية وتطويرها، وهنا يأتي دور الأندية المحلية ومراكز التدريب الإقليمية في استقطاب هؤلاء الناشئين وتوفير برامج تدريبية احترافية لهم. للأسف، لا يزال عدد هذه المراكز في سلطنة عُمان محدودًا، وغالبًا ما تكون إمكانياتها متواضعة، مما يستدعي خطة وطنية لزيادة عدد الأكاديميات والمراكز المتخصصة في ألعاب القوى، وربطها إداريًا وفنيًا بالاتحاد.

إلى جانب ذلك، تلعب المعسكرات الصيفية والمخيمات التدريبية دورًا كبيرًا في صقل مهارات الشباب، حيث توفر بيئة تدريب مكثفة بعيدًا عن ضغوط الدراسة، ويمكن توسيع هذه المبادرات من خلال إقامة معسكرات داخلية وخارجية بالتعاون مع اتحادات دولية، مما يمنح اللاعبين الشباب فرصة الاحتكاك بمستويات أعلى من المنافسة.

تأهيل الكوادر الفنية المدرسية

ومن الجوانب المهمة أيضًا تأهيل الكوادر الفنية المدرسية؛ فالمعلم أو المدرب في المرحلة المدرسية ليس مجرد ناقل للمعلومة، بل هو مكتشف للمواهب وموجه لمسارهم الرياضي، وعليه، فإن إقامة دورات تدريبية للمعلمين والمدربين على أحدث طرق الإعداد البدني والفني والنفسي لألعاب القوى، سيساهم في تحسين جودة المواهب التي تصل إلى الأندية والمنتخبات. أما على مستوى الحوافز، فإن جوائز المنافسات المدرسية والشبابية ينبغي أن تكون أكثر جاذبية، ليس فقط على شكل ميداليات وشهادات، بل أيضًا منح فرص للمشاركة في بطولات خارجية، أو إدراج الفائزين في برامج إعداد طويلة المدى تحت إشراف الاتحاد، هذا النوع من الحوافز يخلق دافعية قوية لدى الشباب للاستمرار في ممارسة اللعبة، بدلًا من تركها عند الانتقال للمرحلة الجامعية أو سوق العمل.

كما أن تفعيل الدور المدرسي والشبابي بشكل متكامل مع الاتحاد والأندية سيؤدي إلى إنشاء هرم تطوير رياضي يبدأ من المدرسة، مرورًا بالأندية والمراكز المتخصصة، وصولًا إلى المنتخب الوطني، وبذلك، تتحول المواهب الصغيرة إلى أبطال يمثلون سلطنة عُمان في البطولات الخليجية والعربية والآسيوية، وربما العالمية، وهو الهدف الذي يسعى إليه الجميع في ظل الرؤية الوطنية لتطوير الرياضة العمانية .

التحديات الراهنة وأفق الحلول لتطوير ألعاب القوى في سلطنة عُمان

على الرغم من الإنجازات التي تحققت في ألعاب القوى العُمانية خلال السنوات الأخيرة، إلا أن هذه الرياضة تواجه عددًا من التحديات الجوهرية التي تعيق تطورها وتحدّ من إمكاناتها في المنافسة الإقليمية والدولية. تكمن هذه التحديات في عدة محاور رئيسية، لكل منها أثره الخاص، ويتطلب استراتيجيات واضحة وحلولًا عملية لتعزيز الأداء الرياضي ورفع مستوى ألعاب القوى في سلطنة عُمان.

أول تلك التحديات هو ضعف منظومة اكتشاف المواهب المبكرة، حيث تُعَدّ مرحلة الاكتشاف المبكر للمواهب من أهم الخطوات التي تضع أساسًا قويًا لتطور الألعاب الرياضية. وفي سلطنة عُمان، لا تزال هناك فجوات في النظام الذي يربط بين المدارس والأندية والاتحاد العُماني لألعاب القوى لاكتشاف ورعاية المواهب في سن مبكرة، وهذا يؤدي إلى ضياع عدد كبير من المواهب الواعدة التي قد لا تتلقى الرعاية المناسبة في مراحلها الأولى.

ومن الحلول المقترحة إنشاء قاعدة بيانات وطنية إلكترونية لتسجيل ومتابعة أداء الطلبة في مسابقات ألعاب القوى المدرسية، وتطوير برامج تدريبية وحلقات عمل للمعلمين والمدربين المدرسين لاكتشاف المواهب بشكل علمي. كما يجب ـ وبشكل عاجل وفوري ـ تعزيز الشراكة بين وزارة التربية والتعليم والاتحاد العُماني لألعاب القوى لتنظيم بطولات مدرسية مُحكَمة وتوسيع نطاقها جغرافيًا.

ومن التحديات التي تواجه منظومة ألعاب القوى كذلك نقص المدربين المؤهلين والمختصين، لذا فإن تأهيل الكوادر الفنية هو العامل الحاسم في نقل الخبرات الرياضية وتطوير الأداء، حيث إن سلطنة عمان تعاني من قلة عدد المدربين الحاصلين على شهادات دولية ومتخصصين في مختلف فروع ألعاب القوى، خاصة في مجالات القوة البدنية، والتحليل الفني، والطب الرياضي.

لذلك يجب إطلاق برامج تدريب وتأهيل محلية ودولية للمدربين بالتعاون مع الاتحادات الدولية ومنظمات الرياضة العالمية، واستقدام خبراء أجانب لتدريب المدربين المحليين ورفع كفاءتهم بشكل مستمر، وكذلك تشجيع المدربين العُمانيين الشباب على استكمال تعليمهم العالي في مجال علوم الرياضة والتدريب.

ومن أبرز التحديات التي تواجه ألعاب القوى كذلك محدودية التمويل؛ إذ يعتمد التمويل الحالي على مخصصات حكومية غير كافية ودعم موسمي، مما يعرقل استمرار البرامج طويلة الأمد مثل المعسكرات التدريبية، والبطولات، واستقطاب الخبرات.

ومن الحلول المقترحة لذلك تنويع مصادر التمويل عبر جذب رعاة من القطاع الخاص وتفعيل الشراكات مع الشركات المحلية والعالمية، وتطوير نموذج تجاري لبطولات ألعاب القوى يكون قادرًا على توليد إيرادات من البث التلفزيوني، والتذاكر، والمنتجات الترويجية، وكذلك إنشاء صندوق وطني لدعم المواهب الرياضية يضمن استدامة الدعم المالي للأبطال الموهوبين.

ومن العقبات كذلك قلة البطولات المحلية القوية والمنظمة، إذ إن عدد البطولات المحلية لا يزال غير كافٍ لتوفير تجربة تنافسية مستمرة للرياضيين، وذلك بسبب محدودية الموارد المالية، خاصة في المراحل المتقدمة من الفئات العمرية، وهو ما يؤثر سلبًا على تطور مهاراتهم وقدرتهم على المنافسة الدولية.

لذا يجب زيادة المخصصات المالية بما يدعم توفير عدد أكبر من البطولات المحلية وتوزيعها على مدار العام بشكل منظم ومنسق مع جدول المشاركات الخارجية، وكذلك إنشاء بطولات محلية تعتمد على نظام التصنيف لتشجيع المنافسة بين الأندية والمنتخبات الإقليمية، فضلًا عن استضافة بطولات دولية ودية على الأراضي العُمانية لرفع مستوى الاحتكاك والتفاعل مع لاعبين من مختلف الدول.

مشاركة نسائية

في جانب المشاركة النسائية، ورغم وجود تقدم في مشاركة النساء في الرياضة، إلا أن هناك عراقيل ثقافية واجتماعية تقيّد مشاركة الفتيات في ألعاب القوى، خصوصًا في بعض المناطق والمحافظات. ولمواجهة هذا التحدي، نقترح إطلاق حملات توعية مجتمعية تثقيفية لدعم وتشجيع مشاركة الفتيات في الألعاب الرياضية المختلفة، وتنظيم بطولات وفعاليات خاصة بالفتيات لتوفير بيئة آمنة ومشجعة للتمرين والمنافسة، وكذلك توفير مدرّبات متخصصات ودورات تدريبية للفتيات، مع مراعاة الخصوصيات الثقافية والاجتماعية.

وخلاصة القول، تتطلب مواجهة هذه التحديات خطة وطنية شاملة تعتمد على التنسيق بين جميع الجهات المعنية: وزارة الثقافة والرياضة والشباب، ووزارة التربية والتعليم، والاتحاد العُماني لألعاب القوى، والقطاع الخاص. حيث إن الاستثمار في تطوير منظومة شاملة للمواهب، وتأهيل المدربين، والتمويل المستدام، وتوسيع المنافسات، وتعزيز المشاركة النسائية سيؤسس لمرحلة جديدة من التفوق والتميز لألعاب القوى في سلطنة عُمان على المدى البعيد.

إن تضافر الجهود وتوفير الموارد اللازمة في الوقت المناسب لن يمنح سلطنة عمان فقط موقعًا رياضيًا مرموقًا في المنطقة، بل سيعزز من مكانتها على الساحة الدولية، ويحقق طموحات الشباب العُماني في أن يصبحوا أبطالًا عالميين.

في الختام، تمتلك ألعاب القوى في سلطنة عُمان كل المقومات البشرية والطموح، لكن التحدي يكمن في تحويل هذه العناصر إلى منظومة مستدامة.

وفي ظل نمو الاقتصاد الوطني، وانخفاض التضخم، وزيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 16% حتى الربع الثالث من 2024، فإن البيئة المالية والاستثمارية مواتية لتمويل نهضة حقيقية في ألعاب القوى، وذلك إذا ما تم استثمار هذه الظروف بذكاء، ما يمكن أن يجعل سلطنة عُمان لاعبًا رئيسيًا في خريطة ألعاب القوى الإقليمية خلال العقد القادم.