56546
56546
الثقافة

جامعة نزوى تلقي الضوء على شخصية الأديب عبدالله الطائي في يوم اللغة العربية

17 ديسمبر 2020
17 ديسمبر 2020

بنقاشات حملت بين طياتها ذكريات وبصمات وأحداثا اعترضت حياته -

كتبت: خلود الفزارية -

انطلقت أمس الأول أعمال الجلسة النقاشية «مظاهر الريادة في إبداع عبدالله الطائي (1924-1973) التي نظمتها جامعة نزوى احتفاء باليوم العالمي للغة العربية بمشاركة عدد من الباحثين والأكاديميين والمكرمين أعضاء مجلس الدولة والطلبة والمهتمين عبر الفضاء الرقمي.

وألقى الأستاذ الدكتور أحمد الرواحي رئيس جامعة نزوى كلمة أشار فيها إلى أن الفعالية تأتي احتفاء باللغة العربية واعتزازا بمكانتها في العالم، وإبرازا لتاريخها الممتد لخدمة البشرية من خلال المعارف والعلوم، مناشدا بأهمية التعاطي باللغة العربية في جميع مناحي الحياة، ومثمنا دور الجامعة باختيار علم عماني من أعلام اللغة العربية في القرن العشرين، المعروف بعطائه الوفير، داعيا بأن يكون قدوة لمحبي اللغة العربية على وجه الأرض.

كما ألقى الدكتور مسعود الحديدي رئيس قسم اللغة العربية في الجامعة كلمة أوضح فيها أن لقاء اليوم هو تعبير لحب اللغة العربية، واحتفاء بيومها العالمي الذي يصادف 18 من ديسمبر حيث اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اللغة العربية لغة رسمية في عام 1973، فكان عنوان احتفائية هذا العام «المجامع اللغوية.. ضرورة أم ترف». مشيرا إلى أن اللغة العربية جذبت الكثير من المستشرقين وأقروا لها منصفين لعظمتها. وقد ارتأى قسم اللغة العربية بكلية العلوم والآداب في جامعة نزوى أن يحتفي بهذا اليوم بطابع متفرد بالوقوف على مظاهر الريادة في إبداع الشخصية العمانية الأدبية عبدالله بن محمد الطائي.

ذكريات ورسائل

وجاءت الجلسة الأولى تحت عنوان شهادات من تجربة عبدالله الطائي الإبداعية وأدارها الدكتور يعقوب آل ثاني. وفي الورقة الأولى التي قدمتها الدكتورة عزيزة الطائية ابنة الأديب عبدالله الطائي أوضحت أن بداياته كانت بين أروقة المدرسة السعيدية كمعلم نشط فيها من خلال سعيه إلى تعميق غراس اللغة الأم في نفوس أبناء عمان بالدرس أو التمثيل في فترة كانت عمان تعاني من متغيرات عدة، ثم أزهرت قطاف عمله كمعلم فاعل في الدول المجاورة حتى تمكن من تعزيز فكره بتحرير قلمه بين صحفها ووسائلها الإعلامية.

والبداية من البيت حيث كان مؤمن بتعليم المرأة فزوجته كانت خاتمة للقرآن إلا أنه أحضر لها كتب المناهج والصحف ليراها قارئة منفتحة على ما حولها، مبينة أنها لم تعرف عن والدها سوى من روايات أمها حيث عايشت اليتم في مرحلة مبكرة من حياتها، والذكريات بين الترحال والتطواف، إلى أن قرأت منجزه المخطوط بدعم من أخوتها، وبعد قراءة المذكرات واليوميات والرسائل استطاعت أن تكون فكرة عن هذه الشخصية التي تعد علامة تاريخية. فوجدت في الرسائل والمذكرات التي تعهدت بأنها سترى النور قريبا، كيف أنه يؤمن بقضية الوطن، حيث ينطلق من الوطن الصغير إلى الوطن الكبير، وكيف تغلغلت في نفسه العروبة الوطنية من خلال تلك اليوميات.

مضيفة أن هناك شهادات تحدثت عن عبدالله الطائي من تلامذته وزملائه، ويذكرون خصاله وإسهاماته، كما كان يعين غير الناطقين باللغة العربية من خلال هجرته إلى باكستان وترجمته بعض المقالات إلى اللغة الأوردية.

الإسهامات الثقافية

وانتقلت الدكتورة سعيدة خاطر إلى الحديث عن دور الطائي في الحفاظ على اللغة العربية، موضحة أن اللغة العربية محفوظة وقد قيض الله عز وجل من عباده لإحيائها وتدارسها، وكان الطائي من هؤلاء المهتمين والمحافظين على اللغة العربية، وانتشرت جهوده حول أكثر من دولة وقطر، ويعتبر الطائي حدا فاصلا بين مرحلة ومرحلة في الشعر والأدب العماني، وانتقالة كبرى بين كلاسيكية حادة منغلقة على ذاتها وبين رومانسية منفتحة يمكن أن نصنف أدب الطائي فيها، إذ يعد الطائي من تلك الكوكبة الغراء من أبناء الخليج المتنازع عليهم، مجسدين وحدة الخليج العربي، فهو مولود في عمان، ودرّس في البحرين، وأقام نهضة أدبية كبرى في الكويت، وأسس بدايات الإعلام والتعليم التربوي في الإمارات، ثم الإسهام في العمل السياسي في عمان، وتخرج على يديه من أبناء قطر والسعودية والبحرين والكويت وعمان الكثير. لقد كان للطائي دور كبير في إرساء أسس الامتداد الثقافي في الخليج العربي عامة مع أصدقائه من الرعيل الأول في البحرين والكويت.

ولو نظرنا إلى مراحله الحياتية التي مر بها وفقا لسيرته الذاتية، حيث أنهى دراسته الابتدائية في المدرسة السعيدية بمسقط، ثم ابتعث مع قلة من المتفوقين إلى بغداد التي كانت تتسم بقوة اللغة العربية وسلامتها ومكانتها، عاد الطائي بعدها إلى عمان ليعمل مدرسا في نفس المدرسة التي تخرج منها، وامتازت حياة الطائي بعدم الاستقرار والقلق والتنقل المستمر، فذهب في المرحلة التالية إلى باكستان حيث عمل معلما للغة العربية والفقه الإسلامي، كما عمل مذيعا في القسم العربي في الإذاعة الباكستانية، ووجد الطائي في باكستان العديد من المهاجرين العمانيين أمثال جواد الخابوري معلم اللغة العربية هناك. وكانت المرحلة الثالثة هجرته إلى البحرين حيث عمل مدرسا للغة العربية والتاريخ، ودائرة الإعلام، وأسهم في تحرير مجلة صوت البحرين، وشارك مع صديقه إبراهيم العريض في عدة أنشطة أدبية وثقافية، وكان من الأدباء الذين استنهضوا الأمة وأهل الخليج لمقاومة المستعمر البريطاني في المنطقة، واضطر أن يترك البحرين نتيجة للوضع السياسي وبضغط من الإنجليز وانتقل إلى الكويت في المرحلة الرابعة من حياته، وكانت الكويت آنذاك تسمى بباريس الخليج نتيجة للحرية التي شعر بها جميع من عاش فيها، ومع انتشار البترول والاستقرار السياسي كونها مركزا قوميا تتلقى الهجرات من كافة الدول خاصة العراق وفلسطين ومصر واليمن وعمان، وهناك عمل الطائي في وزارة الإرشاد والأنباء التي كانت تمثل مركز ثقل الكويت الثقافي، وعمل الطائي مع نخبة من الأسماء المميزة وأصبح في رئاسة المطبوعات والنشر، وأصبح رئيسا لتحرير مجلة الكويت، ونائبا لتحرير مجلة العربي، وأسهم في تأسيس رابطة الأدباء في الكويت ومجلتها البيان، وكان يقدم برنامجا أسبوعيا ثقافيا في القسم الأدبي بالإذاعة، وخصص الطائي حلقات من هذا البرنامج للحديث عن عمان وتاريخها وأدبها وإعلامها. وجاءت بعدها مرحلة الإمارات ولم يطل به الأمد حتى عاد إلى السلطنة بعد استدعائه مؤلفا «صوت للنهضة نادى..»، وكان يتحدث الفصحى حتى في حياته اليومية كما أفاد معاصروه.

بين التأسيس والتطور

بعدها بين الدكتور محمود الرحبي أن عبدالله الطائي هو الكاتب الحر، هو من أسس فن الرواية محليا في الخمسينات، وهو أول من كتب في فن القصة القصيرة، وأول من كتب في المسرحية الشعرية، وأما ما يتعلق في الأنواع التي قام بتطويرها فنجده في الشعر وترك فيه بصمته الخاصة، وكتابة الذاكرة ما يتعلق بالتاريخ السياسي، كما أن لديه إسهامات جديدة في فن المقال، وبالنسبة للشعر فشعره يمكن أن يمثل وثيقة فيما كان يدور في تلك المرحلة، حيث نقف في شعره على مجموعة من المواضيع القومية والوطنية، ونجد لديه شعورا قوميا بشكل واضح عن فلسطين ونجد حضورا قويا لها في شعره، وعن قضايا عربية أخرى، كما وثق مرحلة قوية لم تعد دارجة مع الشعراء والكتاب، ونجد لديه ثقافة في الشعر وثقافة في الأحداث، ويكتب التاريخ انطلاقا من الحاضر، ولديه ذاكرة كبيرة يستند من خلالها إلى بعض القصص والمحكيات في كتابة الذاكرة السياسية. ولديه إنجاز مهم فيما يتعلق بالمقال، وهي الأغراض التي ترك بصمته فيها.

ملخصا ورقته بقوله: نحن أمام قامة أدبية فكرية، لديها مشروع تنويري في مساق التنويريين الكبار الذين استخدموا كل القوالب الموجودة كالقصة وغيرها من أجل التعبير، وحث الأمة على الوحدة والانتماء.

واختتمت الجلسة الأولى بالمناقشات التي تناولت سيرة وجهود الأديب عبدالله الطائي في إثراء اللغة العربية.

الرواية السياسية

واستهلت الجلسة الثانية التي حملت عنوان مظاهر الريادة في الكتابة السردية لعبدالله الطائي بورقة الدكتورة عائشة الدرمكية التي بينت أن عبدالله الطائي له فضل التأسيس في مجالات متنوعة، ومن إسهاماته الريادة في الرواية، وللطائي روايتان، ملائكة الجبل الأخضر التي نشرت في عام 1963، والشراع الكبير التي نشرت في عام 1971، وقد صنفتا بأنهما روايتان تاريخيتان، وهناك من صنفها بأنها روايات سياسية. حيث انطلق من منطلق تاريخي لموضوع سياسي، وأحداث عايشها في ستينات القرن المنصرم. وامتزجت الأيديولوجيا التي تعبر عن قوميته وغالبا ما ينطلق منها في كتابته وفي الرواية، وأنتج الصراع الذي اشتغل عليه على المستوى الفني في الشخصيات، وتصاعد السرد، والصراع على مستوى الفكرة والموضوع السياسي المتصاعد الذي يربط بين الداخل والخارج.

وعن روايته ملائكة الجبل الأخضر ترد في خطاب روائي قائم على السرد الذاتي يعتمد من رؤيا داخلية، وتستند إلى ضمير المتكلم والمعرفة المتساوية، ومن جهة أخرى تقترب هذه الرواية من جنس التحقيق الصحفي، والتغطية الإخبارية في بعض الفصول. والرواية قائمة على أحداث حدثت في عمان من الناحية التاريخية، يرتكز فيها على شخصية ديناميكية أساسية هي شخصية خالد في نقل وربط الأيديولوجيا التي تشتغل عليها هذه الرواية. وهي تتحدث عن ثورة الجبل التي اندلعت في عمان، ما بين عامي 1954 و1958، والتجليات والأحداث تروى في بذور هذه الثورة وتصاعدها وتداعياتها داخل عمان وخارجها. وقد ربط الطائي بين أحداث الثورة، وأحداث مشابهة في تلك الحقبة في العراق ومصر. وتتمثل الأحداث عبر شخصيات عمانية هاجرت من عمان كما في شخصية الذات أو الفاعل خالد، طلبا للعلم أو العمل، وشخصيات أخرى بقيت في عمان وبعدها بدأت بذور التمرد وتأسيس هذه الثورة، وهناك شخصيات أخرى عربية مساندة وفاعلة داخل النص وفي تنامي هذه الأحداث ومنها شخصية وداد وأسرتها، ليجمع بين القواسم الوطنية والقواسم القومية في قالب من البناء السردي. والرمز في هذه الرواية هو رمز الحب في هذا النص الشائق، الذي يولد بين شخصية خالد وشخصية وداد، وتنطلق وداد في سرد حكايتها وقد شاركت في مظاهرات ببغداد ضد الفساد وتتداعى بعدها الأحداث.

مظاهر الريادة في الرواية

وألقى الأستاذ الدكتور عبدالمجيد بنجلالي ورقته التي أشار فيها أن مسألة الريادة لا ترتبط بعصر دون آخر وإنما ترتبط بالإبداع واكتشاف طرائق جديدة، وهنا يأتي التساؤل، كيف استطاع الطائي أن يكون رائدا في أكثر من مجال؟!

واللافت للانتباه أن الطائي حمل معه ريادته وتميزه، وتفرده في مجال الإبداع السردي، وأقام له صرحا في كل الدول التي حل بها. ففي مثل هذا الظهور المتفرد للطائي عبر منصات يكاد يكون الولوج إلى بعضها مغامرة في المجهول. ونذكر من أبرز المحطات الضبط التاريخي، فقد نشأ الطائي في منطقة نائية عن الكتابات الروائية، فضلا عن الاضطرابات السياسية التي عايشها في زمانه، ومن مظاهر الإبداع لدى الطائي ركوبه مركبا صعبا، بأنه تجاوز منطقته إلى مناطق بعيدة كبغداد ومصر وغيرها، بالإضافة إلى عنوان الشراع الكبير الذي حمل اسمه معنى واسعا، حيث شملت الرواية زمانا يشمل قرنا ونصف، ليعانق أمكنة تنطلق من عمان، وتمتد إلى أماكن أخرى مما يقود إلى تأويلات كثيرة وتساؤلات لا متناهية، ومن يغوص في سراديب الرواية الطائية، سيجد أن فلسفة الريادة تأسس بنيانها على البؤرة والمجال المحيط بها، أي أن كل رواية لها مكان أو أمكنة محددة في عمان ثم يخلق لها فضاءات متجانسة عن طريق الامتداد الفعلي كما هو الحال في رواية الشراع الكبير، وإما عن طريق التعانق الفكري كما في ملائكة الجبل الأخضر.

قراءة في مضمون المقالات

وقدم الأستاذ الدكتور عبدالرحمن زايد قيوش مداخلته بالحديث عن مقالاته مشيرا إلى ان المتصفح لمقالات عبدالله الطائي يجد أنه كتب أكثر من 281 مقالة، وقال أكثر من 2092 بيتا شعريا، كل هذا يدل على ثراء الرجل، وغناه الثقافي والفكري، مع العلم أن هذه المقالات متعددة القوالب والجوانب الثقافية والاجتماعية والفكرية والدينية والسياسية والتاريخية، وقد تم نشرها في العديد من الصحف الخليجية.

وهناك عوامل عديدة أسهمت في كتابته للمقال ونجاحه فيه، أهمها حب المعرفة، والرغبة في الاطلاع، وتوجهاته الإعلامية، وحماسه وموهبته، وتجربته الحياتية الشاقة التي أثرت تجاربه الإبداعية، وقد أسهمت توجهاته الإعلامية وعمله الصحفي في توجيه مقالاته وجهة إصلاحية تنويرية نهضوية لوطنه ولدول الخليج. وتناولت مقالاته العديد من القضايا كمكانة الأدب العماني ضمن خارطة الأدب العربي، والوفاء بجهود رواد الصحافة العمانية والخليجية، والوعي القومي العربي والإنساني، ومكانة الشعر عند العرب، وقضية القدس ومكانتها في نفوس الشعراء العرب، وقضية المثل والأخلاق العليا، وقضايا المرأة العمانية والخليجية، وقضية الأندية ودورها في الثقافة، وقضية المستقبل والأخذ بأسباب النهضة.

واختتمت الجلسة النقاشية بالإجابة عن استفسارات المشاركين.