No Image
الاقتصادية

لماذا تتوقف الشركات الطلابية عند حدود منصات التتويج؟

27 سبتمبر 2025
27 سبتمبر 2025

كتب - أسيد بن أحمد البلوشي 

في مقاعد الدراسة، وفي كل عام ترى الكثير من المشروعات الطلابية النور نتيجة للتفاعل المستمر بين الأفكار الشابة والبيئات التي توفرها المؤسسات الأكاديمية التي تشجع الطلبة على التفكير والابتكار. ومن الملاحظ أن معظم تلك المشروعات المبتكرة واعدة، حيث تنطلق من احتياجات الناس، إلا أنها رغم أهميتها وقيمتها، تفتقر أحيانًا إلى الخبرة أو التوجيه الصحيح، ما يجعلها عرضة للتلاشي تدريجيًا أمام التحديات الأولى التي تواجه أي مشروع ناشئ. وهنا تبرز أسئلة جوهرية: كيف تُهدر هذه الطاقات الشبابية؟ ولماذا تكتفي هذه العقول المبتكرة بالمنصات المؤقتة؟ وكيف يمكن تحويلها إلى رافد حقيقي يثري الاقتصاد الوطني ويسهم في تحريك السوق؟

وفي استطلاع اجرته " عمان" يسلط الضوء على ظاهرة النجاحات اللحظية لعدد من المشروعات الطلابية، دون الالتفات إلى المستقبل أو مرحلة ما بعد النجاح، ومن خلال حوارنا مع نخبة من الشباب المهتمين بهذا المجال، سعينا للحصول على إجابات قد تشكل خطوة أولى نحو استثمار هذه المشروعات والاستفادة منها على المدى الطويل.

نواة أم مجرد تجربة؟

في البداية، أشار علي بن نجف العجمي اختصاصي تطوير الأعمال بشركة إنجاز عُمان، إلى ما يميز الشركات الطلابية قائلًا: قبل الحديث عن هذه الشركات من المهم فهم دور مؤسسة إنجاز عُمان وبرنامج ومسابقة الشركة، فهذا البرنامج يعد من أبرز برامج المؤسسة، وهو برنامج تعليمي تطبيقي يمتد عامًا كاملًا، يمر خلاله الطلبة بعدة مراحل متدرجة تجمع بين التعلم والممارسة العملية. الميزة الأساسية أنه لا يقتصر على الجانب النظري، بل يُمكّن الطالب من خوض تجربة حقيقية لتأسيس شركة ناشئة، بدءًا من وضع الفكرة وتشكيل الفريق، وصولًا إلى التطبيق الفعلي في السوق. إنه مختبر عملي يختبر فيه الطلبة مهاراتهم في بيئة آمنة لكنها واقعية.

وأضاف: من هنا يمكن القول إن الشركات الطلابية ليست مجرد تجربة تعليمية عابرة، بل هي نواة حقيقية لقطاع ريادة الأعمال في سلطنة عمان؛ فالمخرجات لا تنحصر في تأسيس الشركات المشاركة فقط، بل في تأهيل الأفراد ليصبحوا موظفين أكثر تميزًا، أو رواد أعمال قادرين على إطلاق شركات خاصة بهم بعد التجربة. وقد أثبتت السنوات الماضية أن هناك نماذج ناجحة انطلقت من هذه المرحلة ووصلت إلى نجاحات كبيرة محليًا وخارجيًا.

ثقافة الاستمرارية

وحول الاستمرارية وكيفية غرسها في المشاركين، أوضح العجمي أن البرنامج يسعى منذ اليوم الأول إلى غرس هذه الثقافة لدى الطلبة عبر توضيح الهدف الجوهري من المشاركة: تأسيس شركة ناشئة قادرة على دخول السوق والتميز في المنافسة. وقال:

البرنامج يحث المشاركين على حل مشكلة أو تحدٍّ واقعي يواجه فئة مستهدفة، من خلال فكرة مبتكرة تحمل قيمة مضافة واضحة. خلال عام كامل يعيش الطلبة تجربة متكاملة تُحاكي رحلة تأسيس الشركات الحقيقية: يبدأون بتطوير نموذج أولي للمنتج ثم يُطلب منهم تحسينه وصولًا إلى الشكل النهائي. هذه المراحل العملية تجعل الطالب يدرك أن الاستمرارية ليست خيارًا جانبيًا، بل شرط أساسي للنمو.

ويستطرد قائلًا: يعمل الطلبة على ملفات محورية مثل الخطة التسويقية، ونموذج العمل التجاري، وتحليل SWOT، والخطة المستقبلية، والجدوى الاقتصادية. كما يلتزمون بحضور 12 جلسة مع متطوعين يليها رفع تقارير عبر منصة البرنامج، مما يضمن تقدمهم التدريجي وفهمهم العميق لشركاتهم. هذه الآلية تجعل الطالب يعي أن العمل المتواصل والبحث المستمر هما أساس نجاح أي مشروع.

وأكد العجمي أن الاستمرارية تُغرس في عقل الطالب من خلال رحلة واقعية متكاملة تعكس مراحل بناء الشركات الناشئة، وتشجعه على التفكير طويل المدى بدلًا من التركيز على الفوز الآني فقط.

احتياجات المنظومة الجامعية

وفيما يتعلق بدور المؤسسات الأكاديمية في بناء العقلية التنافسية لدى الطلبة، قال العجمي: ما تحتاجه المنظومة الجامعية هو وجود بيئة عملية متكاملة تمكّن الطالب من تحويل فكرته إلى مشروع واقعي قادر على المنافسة. هذه البيئة يجب أن توفر له منذ البداية مساحة للعمل والتجربة، وأدوات لتطوير النماذج الأولية، ودعمًا يعكس طبيعة السوق الحقيقي، إلى جانب إكسابه المعرفة العملية في مجال ريادة الأعمال والشركات الناشئة.

وسلط الضوء على زاوية مهمة تمكّن المؤسسات من تحقيق ذلك بقوله: العنصر الأهم يتمثل في تحقيق التكاملية بين مختلف الجهات المؤثرة في المشهد الريادي، بحيث لا تنتهي رحلة الطالب مع مشروعه بمجرد انتهاء البرنامج أو التخرج، بل ينبغي أن تستمر هذه التكاملية حتى بعد التخرج، عبر شراكات ومبادرات مدروسة تعالج التحديات وتوفر للخريجين حلولًا عملية تعزز فرص الاستمرار.

رسالة للطلبة

ووجّه العجمي رسالة للطلبة المنخرطين في النشاط الريادي قائلًا: رسالتي لأي طالب يفكر في تأسيس شركة أن يتذكر ثلاثة مبادئ أساسية، أولًا: الواقعية مع الطموح؛ فالأحلام الكبيرة لا تتحقق إلا بخطط عملية واضحة تبدأ من فهم الفئة المستهدفة وحل مشكلة حقيقية لها. ثانيًا: الاستمرارية والتعلم المستمر؛ فالتحديات في البداية أمر طبيعي، لكن الفارق بين من ينجح ومن يتوقف هو القدرة على تطوير الفكرة والتعلم من الأخطاء وعدم الاستسلام عند أول عائق. ثالثًا: بناء الفريق والالتزام الشخصي؛ فالمشروع لا يقوم على الفكرة وحدها، بل على الأشخاص الذين يقودونه. قوة الفريق وشخصية رائد الأعمال هما الأساس.

من واقع الشركات الطلابية

من جانبه، تحدث أنور البيماني الرئيس التنفيذي لشركة قشور الطلابية الفائزة بجائزة أفضل شركة طلابية، عن فكرة تأسيس الشركة قائلًا: انطلق المشروع من مشكلة بيئية واقتصادية في آن واحد، وهي تكدّس قشور الكائنات البحرية المهدرة التي عادة ما يتم التخلص منها دون استفادة. من هنا ولدت فكرتنا بتحويل هذه القشور إلى مادة حيوية قيّمة تُعرف بالكيتوزان. هذه المادة متعددة الاستخدامات وتدخل في أكثر من 60 قطاعًا مثل الزراعة، والمجال الطبي، ومعالجة المياه، والصناعات الغذائية والتجميل. هدفنا أن نحوّل ما يُعد مخلفات إلى مورد اقتصادي مستدام يخدم عُمان ويقلل الاعتماد على الاستيراد.

وحول الاستمرارية بعد انتهاء المسابقات قال البيماني: الذي يمنح مشروع قشور القدرة على الاستمرار هو قوة الفكرة نفسها وحاجتها الملحة في السوق. نحن لا نقدم منتجًا ثانويًا أو كماليًا، بل مادة تدخل في مجالات أساسية. هذا التنوع في الاستخدامات يفتح أمامنا أبوابًا لأسواق متعددة، وبالتالي يجعل المشروع مرتبطًا بالطلب الحقيقي لا بالجوائز فقط.

وأكد أن الشركة تطمح خلال السنوات المقبلة إلى أن تكون أول شركة عُمانية رائدة في إنتاج الكيتوزان على مستوى المنطقة، مضيفًا: ما يجعلنا مؤمنين بقدرتنا على الاستمرار هو أننا لا نعتمد فقط على الحماس الشبابي، بل على أساس علمي مدعوم بالتجارب والفحوصات المخبرية، والحاجة العالمية لحلول صديقة للبيئة تمنحنا أفقًا واسعًا للنمو، وإيماننا راسخ بأن "قشور" يمكن أن تكون قصة نجاح عُمانية تلهم مشاريع طلابية أخرى.

الاستزراع السمكي والاستدامة

أما محمد الجابري من شركة" SQD"، فتحدث عن مشروع "لُجَاج" للأعلاف السمكية قائلًا: استلهمنا الفكرة من "رؤية عُمان 2040" واهتمام سلطنة عمان بتنمية الاقتصاد الأزرق، مع إيماننا العميق بأهمية الاستدامة البيئية. ومن هنا انطلق مشروع "لُجَاج" كأعلاف سمكية خاصة للروبيان، طبيعية وعضوية 100%، ليكون حلًا يقلل الاعتماد على الاستيراد ويعزز الأمن الغذائي؛ فالأعلاف الموجودة في السوق مستوردة، وبطبيعة الحال تتأثر بعوامل سياسية أو اقتصادية أو حتى صحية، مما يسبب تحديات في التكلفة والاستدامة.

وأضاف الجابري: استمرارية الشركات لا تُبنى على المسابقات أو الجوائز، وإنما على جذور الفكرة في أرض الواقع. ما يجعلنا مستمرين هو إيماننا برسالتنا نحو الاستدامة البيئية، والأهم قوة فريقنا، فشغفنا هو رأس مالنا الأول. نحن لا نرى مشروعنا مجرد شركة ناشئة، بل بذرة تتحول إلى شجرة راسخة في قطاع الاستزراع السمكي. نسعى لأن تكون SQD علامة محلية رائدة ثم اسمًا معروفًا في الأعلاف المستدامة، حيث يصبح "لُجَاج" الخيار الأول لمزارع الروبيان محليًا وعالميًا.

حلول جيولوجية مبتكرة

وفي قطاع الجيولوجيا، برزت تجربة شركة سربال الفائزة بجائزة أفضل منتج مبتكر. وقال فخر بن فاضل المريخي الرئيس التنفيذي للشركة: بدأ المشروع بتوظيف تخصص الجيولوجيا لحل مشكلة التآكل التي تكلف العالم سنويًا نحو 2.5 تريليون دولار. وبعد جلسات العصف الذهني والبحوث العلمية على الصخور العمانية، اكتشفنا أن أنواعًا معينة من الصخور تمتلك خصائص فريدة يمكن استغلالها في صناعة طلاء مبتكر واقٍ من التآكل. وهكذا وُلد مشروع سربال، وهو طلاء مبتكر يعتمد على الصخور العمانية بنسبة 70-80% لحماية الحديد من التآكل بمعدل عالٍ، مع مقاومة للحرارة وعزل للكهرباء.

وأوضح المريخي أن استمرار الشركة مرتبط بحاجة السوق قائلًا: التآكل يتسبب بخسائر باهظة خصوصًا مع امتداد السواحل العمانية لأكثر من 3000 كيلومتر. نحن نقدم منتجًا محليًا مستدامًا بتكلفة أقل وفعالية عالية، قادرًا على منافسة المنتجات العالمية. إيماننا بقدرتنا على الاستمرار مبني على مورد محلي وفير، ونتائج مخبرية قوية أثبتت فعالية المنتج، ورؤية واضحة مدعومة بفريق شغوف ومثابر.

التحول الرقمي في الصحة

أما القطاع الطبي، فقد شهد حضور شركة ميدلينك، التي تميّزت بفكرتها المنطلقة من التحديات التي يواجهها المرضى في حجز المواعيد لدى العيادات والمراكز الطبية الخاصة. ويقدّم التطبيق منصة رقمية تتيح للمستخدمين الاطلاع على المواعيد المتاحة وحجزها مباشرة، بما يقلل أوقات الانتظار ويحسّن تجربة المريض.

وتشير أسماء الرواحية من مؤسسي الشركة، إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في الانتقال من إطار المشروع الطلابي إلى شركة ناشئة تخدم السوق بفعالية. وقالت: نواجه صعوبات في بناء شراكات مع العيادات والمستشفيات الخاصة وتطوير الجانب التقني للتطبيق. كما أن التوفيق بين التزاماتنا الأكاديمية والعمل على المشروع يتطلب توازنًا دقيقًا وجهودًا مضاعفة.

وحول الاستمرارية، تؤكد الرواحية أن مستقبل الشركة يرتكز على حاجة حقيقية في القطاع الصحي لحلول رقمية تسهّل الحجز وتزيد الكفاءة. وأضافت: وجود فريق ملتزم برؤيته وقادر على تطوير خدماته باستمرار يعزز فرص النجاح. بالنسبة لنا، إيماننا بالمشروع وارتباطه المباشر بتحسين تجربة المرضى، إلى جانب القدرة على التكيف مع التحديات، هي عوامل تدفعنا للاستمرار.

وختمت بالقول: ميدلينك منصة رائدة في تنظيم وحجز خدمات الرعاية الصحية الخاصة في سلطنة عمان، مع إمكانية التوسع مستقبلًا إقليميًا. ثقتنا بالاستمرار نابعة من وضوح المشكلة التي نحلها وحاجة القطاع الخاص لحلول رقمية متقدمة. وعلى الرغم من محدودية التمويل أو الجوائز، فإن شغف الفريق والتزامه يظلان الدافع الأقوى لتحقيق النجاح والنمو المستدام.