تجمع الإبل في وادي دربات
تجمع الإبل في وادي دربات
الاقتصادية

"خطلة الإبل" تتناغم مع حنين النوق بوادي دربات لتمر على ضفاف شلالات جعفر

08 أكتوبر 2022
حضور كبير من الأهالي لمرافقتها حتى تصل إلى وسط الوادي
08 أكتوبر 2022

  • يرافق "الخطلة" تقديم العديد من الفنون والأكلات الشعبية والتجمعات بين الأهالي

مع بداية شهر أكتوبر الجاري تتوافد قطعان الإبل من معظم الولايات الساحلية بمحافظة ظفار في "خطلتها" لهذا العام، ومن ولاية طاقة تحديدا انطلقت أعداد كبيرة من الإبل من السهل متجهة إلى وادي دربات. وقد جرت العادة أن يتشاور أصحاب الإبل في كيفية توزيع تلك القطعان وتحديد اتجاهات معينة ولمدد محددة لكل قطيع وكذلك الاتفاق على ساعة صفر بدء "الخطلة". وتعد خطلة الإبل موروثا تعارف عليه أهالي الجنوب منذ سنوات طويلة، وتراعى في جلسات الخطلة عدة عناصر مهمة هي التي بموجبها يتم وضع البرنامج المختار من الحضور، وأهم تلك العناصر التأكد أولا من أن الأرض لم تعد رطبة بحيث تعيق سير الإبل أو تضر بالعشب والتربة معا، وكذلك معرفة حجم تحمّل المراعي أعداد الإبل المتوافدة للمرعى خلال المدة المحددة، وأيضا تجنب الرعي فوق النباتات والحشائش الصغيرة، وهذه العناصر وغيرها من شأنها التخفيف من الآثار السلبية الناتجة عن الرعي الجائر والذي بدوره يسهم بشكلٍ كبير في التصحر.

وأصدرت وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه هذه السنة تعليمات خاصة بـ"الخطلة" ومنها السماح لأصحاب الإبل بالشروع في الخطلة اعتبارا من الأول من أكتوبر 2022، ومع هذا ما زالت بعض المناطق مصرة على التريث حفاظا على النباتات والتربة أو ما يُسمى بالغطاء النباتي المتهالك، ولا شك أن مثل هذه الإجراءات السابقة منها واللاحقة تعبّر عن وعي وتقدير عظيمين من قبل مربي الإبل.

ويعد وادي دربات بولاية طاقة أفضل الأودية في ظفار سعةً في المساحة وخصوبةً في المرعى ووفرةً في المياه وذلك على مدار العام. وقد تناغمت حنين النوق في خطلتها في وادي دربات لتعزف للمربين والمعجبين من المرافقين سيمفونية جميلة على ضفاف شلالات جعفر التي ما زالت تتدفق بغزارة إلى بحر العرب، ولسان حاله يقول للرعاة وإبلهم: أبشروا بالمأكل المتنوع الكثير والمشرب العذب الوفير.

90 عاما وما زال يشارك في خطلة الإبل

وخلال هذا العام شارك فريق جريدة "عمان" ملاك الإبل في خطلة وادي دربات، والتقى مع الشيخ أحمد بن علي المعشني الملقب (أحمد شبري) وهو أحد ملاك الإبل في وادي دربات منذ نعومة أظافره ويبلغ من العمر ٩٠ عاما وما زال يتمتع بصحة جيدة وذاكرة قوية ويشارك سنويا في خطلة الإبل إلى الوادي ويعد من الرجالات المعروفة على مستوى محافظة ظفار بقوة ذاكرته وحفظه للأنساب، وتحدث ليروي عن تجاربه في مثل هذه الفعالية المتجذرة والمتجددة (خطلة الإبل) وخصوصا إلى وادي دربات، وذلك قبل عهد النهضة المباركة وإلى الآن، وقد أسهب في الحديث إلا أن المجال لا يتسع لسرد تلك القصص والروايات التي تعبر عن ماضٍ تليد ومستقبل سعيد إن شاء الله. ونختصر أبرز ما قاله بأن حمد الله على طول العمر وعلى ما منحه الله من صحة وعافية ويسر له أن شارك في خطلة الإبل هذه السنة لتضاف إلى سنوات كثيرة سابقة. ثم استرسل قائلا: إن من مظاهر الخطلة أن يلبس المربون عموما والرعاة خصوصا ملابس تقليدية كالصبيغة وتسمى بالمحلية الخرقة (رداء نيللي اللون يتأزر بنصفه ويردف بالنصف الآخر على باقي الجسد) ويلف الرأس وشعره بجلد أشبه بالحبل ويطلق عليه محليا بـ"المحفيف" ويتحزمون بالخناجر حاملين بنادقهم وعصيهم والبعض يكتفي بالسيف عوضا عن البندقية ومردفين بالضروري من أمتعتهم. وهم بهذا يوحون للمشاهدين والمتتبعين أنه وكما أن الأرض اكتست اللون الأخضر وأبرزت محاسنها فهم كذلك يرتدون من اللباس ما يليق بالمناسبة ويتلاءم مع الحدث. وتشارك المرأة كذلك في فعاليات أخرى وتخصص كذلك ملابس خاصة بالمناسبة وهي شبيه لتلك التي يلبسها الرجال من حيث نوعية القماش ولونه وتختلف فقط في شكل الخياطة والتطريز اللذين يحملان الطابع الأنثوي من حيث الستر والبهاء ويطلق على الثوب المخيط محليا "طقت".

الوجهة الرئيسية

وأضاف أحمد المعشني: إن الوجهة الرئيسية لخطلة الإبل في ولاية طاقة تكون إلى وادي دربات وتستمر في الوادي لمدة أسبوع وبعدها يتم تقسيم الإبل من قبل ملاكها إلى ثلاثة أودية وهي بولاية طاقة وهي إضافة إلى وادي دربات وادي غيضت الذي يقع شمال وادي دربات ووادي جنين بالاتجاه الغربي. والتقسيم يأتي لتخفيف الحمل على تلك الوديان التي تبدأ تضيق وتنحصر حتى تصل إلى منتهاها.

وأردف قائلا: إنه وقبل عصر النهضة المباركة لم تكن هناك مدارس أو كليات أو حتى وظائف مما يجعل الأسرة كلها ترافق الخطلة على مدى شهرين أو أكثر في الأودية والجبال، وكان يقام العديد من الفنون المصاحبة للخطلة مثل الهبوت والمشعير وفن النانا وغيرها من الفنون الشعبية التي تتميز بها محافظة ظفار وتم ذكرها في تقارير سابقة. وأضاف أن مما يميز وادي دربات عن غيره من الوديان في محافظة ظفار وفرة المياه فيه على مر الفصول بالإضافة إلى زراعة العديد من المحاصيل مثل الفندال والفافاي والموز والنارجيل وجميع أنواع الحمضيات وهذا يؤمّن لسكان الوادي الماء والغذاء على مدار العام.

وقال الشيخ أحمد المعشني في ختام حديثه إن من المبشرات شغف الكثير من الجيل الجديد في اقتناء الإبل والاستعداد لتربيتها والاستمرار في ترسيخ العادات والتقاليد التي نأمل أن تساعد في الحفاظ على هذا الموروث الحضاري الممزوج بالشفقة على الحيوان من ناحية وصون الطبيعة الخلابة من ناحية أخرى، وبهذا تبددت مخاوفنا من المجهول الذي قد تمليه الثقافات الأخرى التي عمت نواحي المعمورة ولتبقى الإبل مصدرا مهما واستراتيجيا من مصادر الاقتصاد المحلي لا سيما في وقت الأزمات والكوارث -لا سمح الله.

المشاهدات

وأضاف المعشني: ما شد انتباهنا في هذه الخطلة هو محبون كثر من الجمهور الذين يحضرون في أغلب الأحيان لمشاهدة المبارزات القتالية التي تقع بين الجِمال. فمعروف أن الجِمال لها حالات توصف بالهيجان وعندما تتقابل تتعارك ويكون عراكها شديدا قد يؤدي إلى وفاة أحد المتعاركين أو تفضي إلى إصابات بليغة لكليهما وأفضل الحالات أن يشعر الضعيف بقوة خصمه فينسحب ويهرب تاركا أرض النزال ليعلن صاحب الجمل المنتصر فوزه، وهذه الحالات ممقوتة شرعا ولا تجوز إلا أنها تحدث تلقائيا ودون سابق ترتيب وفي أي تجمع للإبل التي يحوي أكثر من جمل، بل نجد أنه من الصعوبة بمكان تفريق الجِمال الهائجة أو صدها عن الصدام مع نظيراتها. وتلك المشاهد على الرغم مما تحمله من عنف فإن الحاضر يجد نفسه مشدودة لمتابعتها بل وقد يحلو للبعض الحرص على حضورها والاستمتاع برؤيتها.

ومن اللافت أيضا حضور كبير من المواطنين وبعض المشاهير من دول الخليج ومرافقتهم للخطلة حتى تصل الإبل إلى وسط الوادي، والبعض منهم من مشاهير "اليوتيوبرز" كما يطلق عليهم، والذين ينتهزون الفرص لنقل الجديد والمفيد والغريب كذلك ليثروا به الساحة الاجتماعية وتبرزهم كهواة مغامرين همهم أن يكونوا على رأس كل حدث.