استطلاع - حمدان بن هاشل الشرقي
أكد خبراء اقتصاديون وأصحاب مكاتب سياحية لـ«عمان» أن القطاع السياحي يمر بمرحلة تراجع في ظل التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة؛ حيث انعكست هذه التطورات بشكل واضح على حركة السفر والطلب السياحي. المشاركون في الاستطلاع رأوا أن المشهد السياحي يشهد حالة من التباين في المؤشرات؛ إذ لا يزال يحتفظ بقدر محدود من النشاط مدعوم بعوامل الاستقرار النسبي التي تتمتع بها سلطنة عمان في مقابل حالة ميدانية تشير إلى انكماش واضح في بعض جوانب السوق. وخلصت الآراء إلى أن المرحلة تمثل اختبارا حقيقيا لمرونة القطاع وقدرته على التكيف سواء من خلال تعزيز السياحة الداخلية، أو إعادة توجيه الجهود التسويقية نحو أسواق بديلة في وقت يبقى فيه العامل الحاسم لاستعادة الزخم السياحي مرتبطا باستقرار الأوضاع الإقليمية، واستعادة ثقة المسافرين خلال الفترة المقبلة.
في البداية قال الدكتور يعقوب البوسعيدي خبير واستشاري السياحة والتراث: إن هذه التأثيرات ليست جديدة على قطاع السياحة، بل تعد من السمات المتكررة التي تواجه الصناعة السياحية عالميا في أوقات الأزمات، وأن القطاع السياحي بطبيعته يعد من أكثر القطاعات تأثرا بالتقلبات السياسية والأمنية.
التأثير الاقتصادي
وأوضح أن التأثير الاقتصادي للتوترات يمتد عبر سلسلة متكاملة تشمل مختلف مكونات المنظومة السياحية بدءًا من شركات السفر والسياحة وقطاع النقل الجوي والبحري، ليصل التأثير إلى قطاع الضيافة والفنادق والخدمات المرتبطة مثل: الإرشاد السياحي والنقل السياحي. كما تمتد هذه التأثيرات إلى قطاعات أخرى بشكل غير مباشر، مثل: سلاسل الإمداد الغذائي، والنقل، والتجارة، حتى الصناعات الصغيرة المرتبطة بالسياحة كالهدايا التذكارية، ما يعكس حجم الترابط بين السياحة وبقية الأنشطة الاقتصادية.
وأشار البوسعيدي إلى أن حالة عدم الاستقرار في المنطقة تؤثر بشكل مباشر على قرارات الدول المصدرة للسياحة، مثل: الدول الأوروبية والآسيوية، التي تضع اعتبارات السلامة والأمن في مقدمة أولوياتها عند توجيه السياح، كما تلعب التحذيرات الصادرة عن بعض الجهات الرسمية والسفارات دورا إضافيا في التأثير على حركة السفر، سواء عبر تقييد السفر أو الدعوة إلى تجنبه، وهو ما ينعكس بدوره على حجم التدفقات السياحية إلى المنطقة.
وفيما يتعلق بإمكانية إعادة توزيع التدفقات السياحية داخل المنطقة يرى أن هذا الأمر يظل مرهونا بدرجة الاستقرار الفعلي والتوقعات المستقبلية مؤكدا أن قطاع السياحة يعتمد بشكل كبير على الثقة بالمؤشرات الحالية والمستقبلية، وأضاف: إن حالة عدم اليقين تجعل من الصعب التنبؤ بشكل دقيق باتجاهات السوق؛ حيث يتردد السياح وشركات السفر في اتخاذ قرارات الحجز المسبق قبل التأكد من استقرار الأوضاع.
سياسات مرنة
وسلط الدكتور الضوء على المخاطر الاقتصادية المتوقعة في حال استمرار التوترات قد يقود إلى سيناريوهات مشابهة لأزمات سابقة مثل جائحة كورونا من حيث التأثير على الطلب السياحي وتعطل حركة السفر مشددا على أهمية إدارة الأزمات في هذه المرحلة، ويؤكد أن الجهات المعنية مطالبة بتبني سياسات مرنة تركز على تنشيط السياحة الداخلية التي أثبتت في فترات سابقة قدرتها على تعويض جزء من التراجع في السياحة الخارجية إلى جانب تطوير برامج سياحية مبتكرة وتعزيز الجهود التسويقية.
كما شدد على أهمية الاستفادة من التجارب الدولية في التعامل مع الأزمات، سواء من حيث آليات الترويج أو إدارة الطلب السياحي، ومن خلال بناء منظومة سياحية مرنة بالإضافة إلى الاستثمار في التدريب والتأهيل، وتطوير المنتجات السياحية بما يتناسب مع المتغيرات.
وأكد البوسعيدي أن الاستقرار النسبي الذي تتمتع به سلطنة عمان يعد عنصرا إيجابيا، لكنه لا يشكل العامل الوحيد في جذب السياح؛ نظرا لتأثر حركة السفر بعوامل أخرى خارجية أبرزها ارتفاع تكاليف الوقود والطاقة الذي ينعكس مباشرة على أسعار تذاكر الطيران وتكاليف التشغيل في مختلف القطاعات المرتبطة بالسياحة، وأضاف أن هذا الارتفاع يحد من قدرة بعض الأسواق البعيدة -خصوصا الأوروبية- على السفر في حين قد تبقى الحركة السياحية أكثر نشاطا ضمن النطاق الإقليمي والخليجي.
وأشار إلى أن تكاليف السفر لا تقتصر على النقل الجوي فقط، بل تشمل مختلف وسائل النقل والخدمات المرتبطة ما يجعل القطاع السياحي عرضة لتأثيرات مضاعفة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر عبر سلاسل الإنتاج والخدمات.
وأكد أن القطاع السياحي يظل من القطاعات الحساسة التي تتأثر بجملة من المتغيرات تشمل العوامل السياسية والاقتصادية والمناخية والصحية مشيرا إلى أن مستقبل القطاع سيظل مرتبط بمدى استقرار الأوضاع الإقليمية واستعادة ثقة الأسواق معربا في الوقت ذاته عن تفاؤله بإمكانية تحسن الظروف خلال الفترة المقبلة.
من جانبه أوضح أمير بن يوسف البلوشي صاحب شركة بوابة السلام للسفر والسياحة أن القطاع لا يزال يحافظ على قدر من الاستمرارية رغم التحديات التي فرضتها التوترات الإقليمية، إلا أن ملامح الحذر باتت واضحة في سلوك المسافرين وأنماط الحجز خلال الفترة الأخيرة.
وأشار إلى أن حركة الحجوزات السياحية لم تتوقف، لكنها تشهد تباطؤا نسبيا مقارنة بالفترات الطبيعية موضحا أن الحجوزات الخاصة به ما زالت قائمة، ولكن بوتيرة تتسم بحذر واضح؛ حيث يفضل كثير من المسافرين في الوقت الحالي تأجيل قرار الحجز إلى فترات قريبة من موعد السفر بعكس ما كان سائدا في السابق من التخطيط المبكر للرحلات. ويعكس هذا التوجه حالة الترقب التي تسيطر على شريحة من السياح في ظل التطورات الإقليمية، والتي تدفعهم إلى تجنب الالتزام المبكر بخطط السفر.
وفيما يتعلق بسلوك الطلب السياحي بيّن البلوشي وجود تغيرات واضحة؛ حيث شهدت بعض البرامج السياحية حالات إلغاء امتدت إلى حجوزات كانت مقررة حتى شهر فبراير الماضي، ما يعكس حجم التأثر النفسي للسوق السياحي بالتطورات الجيوسياسية، حتى وإن لم تكن هناك تأثيرات مباشرة على الوجهة نفسها، إلا أن هذه الإلغاءات لا تعني تراجع كامل في الطلب بقدر ما تعكس حالة من إعادة ترتيب الأولويات لدى المسافرين من وجهة نظره.
السوق الأوروبي
وعلى مستوى الأسواق السياحية يرى البلوشي أن السوق الأوروبي لا يزال يشكل النسبة الأكبر لحركة السياحة الوافدة إلى سلطنة عمان إلى جانب الأسواق الخليجية التي تحافظ على حضورها، خصوصًا في فترات الإجازات القصيرة والمواسم، وأن السياح الخليجيين يبدون مرونة أكبر في اتخاذ قرار السفر؛ نظرًا لقرب المسافة وسهولة التنقل، ليشكلوا حسب توقعه العنصر الأساسي في دعم استقرار الطلب خلال الفترات المتقلبة.
أما فيما يتعلق بالتحديات التشغيلية فبين أن مكاتب السفر تواجه حاليا جملة من الصعوبات أبرزها تذبذب الحجوزات، وعدم استقرار الطلب بالإضافة التغيرات المفاجئة في خطط السفر لدى العملاء. كما أن التعديلات التي تطرأ على جداول الرحلات الجوية سواء من حيث تغيير المسارات أو إلغاء بعض الرحلات تفرض ضغوطًا إضافية على شركات السياحة التي تجد نفسها مطالبة بإعادة ترتيب البرامج بشكل مستمر وبمرونة عالية لتلبية احتياجات العملاء.
مواجهة التحديات
ولمواجهة هذه التحديات أوضح أن مكاتب السفر تتجه إلى تبني استراتيجيات أكثر مرونة من خلال تصميم برامج سياحية قابلة للتعديل، وتقديم خيارات متعددة تتناسب مع الظروف المتغيرة. كما يشير إلى تزايد الاهتمام بالسياحة الداخلية باعتبارها أحد الحلول الفعالة لتعويض جزء من التراجع في الطلب الخارجي؛ حيث تعمل الشركات على تطوير برامج جديدة تستهدف المقيمين والمواطنين مع التركيز على تنويع التجارب السياحية داخل سلطنة عمان.
وبشأن التوقعات المستقبلية قال البلوشي عن تفاؤله الحذر متوقعًا أن تشهد الحركة السياحية تحسنا تدريجيا خلال الأشهر القادمة، خاصة مع دخول موسم الصيف، واستعداد السياح لزيارة سلطنة عمان. ويؤكد أن القطاع يمتلك مقومات قوية تمكنه من التعافي، إلا أن ذلك يبقى مرتبطا بمدى استقرار الأوضاع الإقليمية، واستعادة ثقة المسافرين بشكل كامل.
وأضاف: إن المرحلة تتطلب قدرا من المرونة والتكيف من قبل العاملين في القطاع السياحي، وأهمية الاستعداد المبكر للمواسم القادمة من خلال تطوير العروض السياحية، وتعزيز جاهزية السوق لاستقبال الطلب المتوقع بما يسهم في الحفاظ على استدامة النشاط السياحي، وتعزيز مكانة سلطنة عمان كوجهة مفضلة في المنطقة
وفي السياق ذاته قال يوسف بن عبدالله المعمري، صاحب مكتب تلال جبرين للسفر والسياحة: إن القطاع يمر بمرحلة وصفها بـ«الصعبة» مع تراجع حاد في الطلب يكاد يصل إلى حد التوقف الكامل في بعض الجوانب.
وأشار إلى أن حركة الحجوزات السياحية خلال الفترة الأخيرة شهدت تراجعا كثيرا؛ حيث إن النشاط الحالي يقتصر على الحالات الاضطرارية فقط، مثل: سفر العمالة المنزلية بسبب انتهاء الإقامة، وهو ما يعكس غياب الطلب السياحي الترفيهي، ويضيف: إن هذا التراجع لا يقتصر على فئة معينة، بل يشمل مختلف شرائح العملاء في ظل حالة من الترقب والقلق المرتبط بالأوضاع الإقليمية.
وفيما يتعلق بسلوك المسافرين يوضح أن الطلب من قبل المواطنين العمانيين يكاد يكون محدودًا، ويقتصر في بعض الحالات على السفر لأغراض العمل، وليس للسياحة أو الترفيه مشيرا إلى أن السفر لم يعد خيارا مفضلا لدى كثيرين في ظل الظروف الحالية. كما يلفت إلى أن الطلب من قبل المقيمين أو الأجانب يتركز في الغالب على السفر إلى بلدانهم الأصلية سواء لزيارة الأهل، أو بسبب انتهاء فترة الإقامة، وهو ما يؤكد تراجع الحركة السياحية بمفهومها التقليدي.
تكاليف السفر
وبين أن سبب هذا التراجع يعود إلى عدة عوامل مثل ارتفاع تكاليف السفر وارتفاع أسعار تذاكر الطيران والفنادق وتكاليف المعيشة في الوجهات السياحية إلى جانب التأثيرات الاقتصادية العامة المرتبطة بالتطورات الإقليمية بما في ذلك تداعيات إغلاق مضيق هرمز، كما نبه إلى أن عامل الأمان يلعب دورا رئيسا في قرارات السفر؛ حيث يفضل كثير من الأفراد تجنب السفر في ظل المخاوف المرتبطة بالاستقرار في بعض المناطق.
ووصف المعمري وضع السوق السياحي خلال الفترة القادمة بأنه «ضعيف» خاصة عند مقارنته بالفترة نفسها من العام الماضي التي كانت تشهد إغلاق حجوزات موسم الصيف في وقت مبكر، وأضاف: إن غياب الحجوزات في هذه المرحلة من العام يعد مؤشرا واضحا على حجم التحديات التي يواجهها القطاع حاليا، وأن استمرار هذه الظروف دون تحسن ملموس قد يفاقم من الضغوط على مكاتب السفر والسياحة مؤكدا على ضرورة البحث عن حلول تدعم القطاع، وتساعده على تجاوز هذه المرحلة الصعبة. أما محمد أولاد ثاني صاحب شركة «سن شاين» للسفر والسياحة فقد أوضح أن القطاع يواجه واحدة من أصعب مراحله في ظل تراجع حاد في الطلب وانعكاسات مباشرة للتوترات الإقليمية على حركة السياحة.
ويشير إلى أن الأشهر الماضية خاصة فبراير شهدت تراجع شبه كامل في الحجوزات رغم أن المؤشرات كانت إيجابية قبل ذلك موضحا أن الشركة كانت تمتلك عدد كبير من الحجوزات المؤكدة، إلا أن معظمها ألغيت، ولم يتبق سوى نسبة محدودة لا تتجاوز 2 إلى 3% من إجمالي الرحلات. ويعكس هذا التراجع حجم التأثير المباشر للأوضاع الإقليمية على قرارات السفر، حتى بالنسبة للحجوزات التي كانت مؤكدة مسبقا.
وأضاف: إن هذا التراجع انعكس كذلك على القوى العاملة في القطاع؛ حيث تقلص النشاط بشكل كبير لدرجة أن عدد المرشدين السياحيين النشطين انخفض بشكل حاد في ظل غياب الطلب الفعلي على البرامج السياحية.
حركة السياح
وفيما يتعلق بحركة السياح أكد أيضا أن أعداد الزوار القادمين إلى سلطنة عمان خلال هذه الفترة محدودة للغاية، وأن قرارات السفر ظلت في حالة قلق مستمر قبل الوصول؛ حيث يتواصل بشكل متكرر مع شركات السياحة للاطمئنان على الأوضاع في المنطقة، وأكد أن هذا القلق يتلاشى بمجرد وصولهم؛ حيث يكتشفون مستوى الأمن والاستقرار الذي تتمتع به سلطنة عمان، ويعبرون عن رضاهم عن التجربة السياحية، إلا أن التحدي يكمن في تجاوز حاجز القلق الأولي الذي يمنع الكثيرين من اتخاذ قرار السفر من الأساس.
وعلى صعيد التسويق يرى أن الجهود الحالية خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي لم تحقق النتائج المرجوة؛ نظرا لأن غالبية السياح المستهدفين هم من الخارج، وهم بدورهم يتجنبون السفر إلى المنطقة في ظل الظروف الراهنة، ويؤكد أن السياحة ترتبط بشكل مباشر بعوامل الأمن والاستقرار، وأن عودة النشاط السياحي تعتمد بشكل أساسي على تحسن الأوضاع الإقليمية، واستعادة الثقة لدى المسافرين.
ولفت إلى أن الوضع يشهد تحولا في أنماط الحجز؛ حيث يفضل السياح حاليا تأجيل رحلاتهم إلى فترات لاحقة مشيرا إلى أن الطلب بدأ يتركز على موسم نهاية العام، وتحديدا أشهر أكتوبر ونوفمبر وديسمبر في حين يُتوقع أن تشهد الفترة الممتدة من مارس حتى سبتمبر ضعفا في الحركة السياحية نتيجة استمرار حالة الترقب.