القوى العاملة السائبة .. خطر يهدد قطاع الصيد الحرفي وينذر بكوارث جسيمة
شركات تجميع مخلفات الأسماك تتجاوز أهدافها بشراء أسماك ذات جودة عالية
مناشدات بتكثيف الحملات التفتيشية وتغليظ العقوبة
أبدى صيادون استياءهم من تجاوزات شركات تجميع مخلفات الأسماك (الهرس) في شراء أسماك عالية الجودة من القوى العاملة السائبة التي تزاول أنشطة الصيد الحرفي رغم مخالفتها لقانون الصيد، مما أدى ذلك إلى هجرة الأسماك الكبيرة بحثا عن الغذاء، جراء انخفاض أسماك «السردين» من السواحل العمانية.
وأكدوا في استطلاع لـ«عمان الاقتصادي» أن القوى العاملة السائبة تشكل تهديدًا كبيرًا للقطاع السمكي وبالتحديد الصيد الحرفي، موضحين أن بعض المواطنين لهم ضلع في دخول هذه القوى العاملة إلى القطاع من خلال فتح أنشطة في القطاع وتوفير معدات الصيد لهم مقابل الربح السريع.
وقالوا: إن استمرار هذه الممارسات المخالفة يسبب أضرارا جسيمة على المواطنين والمجتمع والبيئة البحرية، حيث إن هذه الممارسات غير القانونية تتعدى قطاع الصيد إلى مخاطر أمنية كتهريب وغيرها، كما أنها تؤدي إلى ارتفاع الأسعار في السوق المحلي جراء التكاليف المتعقبة على الصيادين للبحث عن الأسماك في مسافات طويلة بعد هجرتها من البيئة المحيطة، مطالبين بتكثيف الحملات الرقابية وتغليظ العقوبة لكل من تسوّل له نفسه.
توظيف الباحثين
وقال أحمد بن عبدالله البلوشي، نائب رئيس الجمعية العمانية للصيادين: إن قطاع الثروة السمكية يُعد قطاعًا حيويًا، كما أنه يعتبر أحد الجوانب التي يعوّل عليها الأمن الغذائي في سلطنة عمان سواء كان على المستوى المحلي أو التصدير إلى الدول الأخرى، وأن الصيادين ينظرون لمهنة الصيد كموروث مستدام عاشت عليه الأجيال السابقة.
وأضاف: إن حيوية قطاع الصيد يدعم توجه الحكومة في توظيف الباحثين عن عمل وتعزيز السوق المحلي بخيرات الموروث البحري، منوها بوجود كفاءات في قطاع الثروة السمكية سواء كان صيادًا أو ناقلًا أو أصحاب مصانع، بالإضافة إلى بعض القطاعات من مهن مختصة في التوريد والتصدير، مشيرًا إلى أن وجود الصياد العماني في مهنة الصيد سيعمل على فتح باب رزق لإعانة عائلة وتعزيز السكان بشكل عام، حيث إن كل قارب يوجد به ما لا يقل عن 3 إلى 4 صيادين بمعنى إعانة 3 إلى 4 عائلات الذي يؤدي إلى بناء أسر.
تحديات
وأشار البلوشي إلى أن هذا القطاع يواجه تحديات ومضايقات جسيمة أهمها الطرق الخاطئة في الصيد، ووجود القوى العاملة السائبة غير المصرحة للعمل في قطاع الثروة السمكية أو الصيد الحرفي، بالإضافة إلى وجود السفن الجرافة، وأن هذه التحديات تحجب تطوير القطاع من تشجيع الصيادين العمانيين في المضي قدمًا ليعتمد عليها كمصدر دخل، مضيفًا إن الثروة السمكية تواجه تأثر مخزون الصيد الحرفي جراء وجود سفن الجر السطحي التي من المفترض أن تعمل فوق ٢٠٠ ميل بحري وأكثر، إلا أنها تقوم بالعمل دون ذلك مما دعا إلى تأثر شريحة كبيرة من الصيادين وخصوصا من فئة كبار السن الذين اعتادوا على صيد الأسماك القاعية بالخيط مثل الكوفر والعندق والشعري، كما أنها أنشأت خللا حقيقيا في مخزون الأسماك الذي يعتمد عليه الصياد الحرفي.
ولفت نائب رئيس الجمعية العمانية للصيادين إلى أن مصانع المسحوق السمكي التي استحثتها الوزارة في عام 2016 كان هدفها بيئيًا لتجميع مخلفات الأسماك من الأسواق ومحلات البيع، إلا أنها تجاوزت الهدف المرسوم الى تجميع كميات من الأسماك ذات الجودة العالية، وذلك جراء تعاملهم مع بعض من الصيادين الذين يستخدمون طرقا غير صحيحة في الصيد، الذي أدى إلى انخفاض مخزون أسماك السردين بوجه خاص التي تعتبر غذاء الأسماك الكبيرة، التي دعت إلى هجرة الأسماك الكبيرة للمناطق البعيدة منعكسة على ارتفاع تكلفة الصياد وعلى ارتفاع أسعار الأسماك.
معدات غير قانونية
وحول أثر القوى العاملة السائبة في القطاع يقول البلوشي: كان عدد القوى العاملة الوافدة بشكل عام في قطاع الصيد قبل 20 سنة قليلًا ولا يكاد يذكر، وكانت مهنهم مختصة في تقديم المساعدة ونظافة القوارب، إلا أننا في وقتنا الحاضر تضاعف عددهم مع وجودهم بطرق غير قانونية، موضحًا أن ارتفاع الأعداد يعود جراء التهاون من مختلف الشرائح في دعم هذه الفئة، مضيفًا إنها ظاهرة غير صحية ليست فقط في قطاع الثروة السمكية بل تتفاقم نحو ممارسات غير قانونية كالتهريب جراء استخدامهم قوارب غير مرخصة وفي أوقات غير مراقبة، حيث إن هذه الممارسات تسبب ضررًا ليس فقط على قطاع الثروة السمكية والصياد على وجه الخصوص وإنما تطال المجتمع والمواطن بشكل عام.
كما أشار إلى أنه تم تدمير البيئة البحرية عند السماح باستخدام طرق الصيد بالشباك القاعية تحديدا بشباك الغزل، إلا أن هناك الكثير من الصيادين في السفن الحرفية وبعض القوارب يستخدمون شباك العقرب المصنوعة من النايلون التي تعد من المعدات غير المشرعة قانونا حتى بدخولها سلطنة عمان، موضحًا أن هذه الشباك تسبب أضرارا جسيمة على البيئة البحرية والقاعية خصوصا ممثلة في الشعب المرجانية والطحالب والبيض وكل ما يعيش داخلها.
ويناشد البلوشي مجابهة هذه الظاهرة من خلال تغليظ العقوبة لكل من تسوّل له نفسه سواء كان من المواطنين الذين يدعمون هذه الممارسات أو من القوى العاملة السائبة ذاتها، وتشريع قوانين منع استخدام طرق الصيد بالشباك القاعية وتكثيف مراقبة الصيد في البحر تحديدا، بالإضافة إلى أنه لا بد من هيئة البيئة بمطالبة وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه بأن تمنع هذه الممارسات في البحر حيث إنه تمت ملاحظة مئات آلاف الأطنان من الشباك القاعية العالقة في قاع البحر التي تحتاج لسنوات عديدة لانتشالها وذلك عند قيام الجمعية بحملات التنظيف لقاع البحر، فحماية البيئة البحرية وخصوصا قاع البحر سيؤدي إلى استقبال آلاف الأطنان من الأسماك في السنوات القادمة والتي سيستفيد منها الأجيال القادمة وتكون رافدًا حقيقًا للأسواق المحلية، كما أنها ستساهم في خفض الأسعار جراء وفرتها المستقبلية بما يتناسب مع جميع شرائح المجتمع، وسيشجع الباحثين عن عمل في الانخراط في مهنة الصيد في ظل المتابعة وحمايتهم من طرق المنافسة غير الشرعية، ويرى أن نقل ملف المراقبة إلى إدارة خفر السواحل من بين الحلول لضبط التجاوزات الموجودة في البحر.
مصانع الهرس
من جانبه قال سلمان بن حمد الفارسي، أمين سر الجمعية العمانية للصيادين: إن سلطنة عمان تتميز بثلاثة بحار كبحر العرب وبحر عمان والخليج العربي، لذلك تعتبر الثروة السمكية قطاعًا واعدًا لتواجد كميات كبيرة من أنواع الأسماك، كما أن صغار الصيادين يعتمدون بشكل جذري على صيد هذه الأسماك كمصدر دخل لهم.
ويذكر الفارسي أنه قبل 10 سنوات بدأ ظهور ممارسات سلبية على هذا القطاع، وذلك جراء ممارسة قوى عاملة وافدة مهنة الصيد بالطرق الحرفية مخالفة للقوانين والأنظمة في سلطنة عمان، وتركز وجودها على متن سفن الصيد الساحلي والحرفي، وتضاعفت مع بداية تشغيل مصانع زيوت الأسماك (الهرس)، معتبرًا إياها المسبب الأول لوجود القوى العاملة الوافدة على متن القوارب.
وحول حماية البيئة البحرية والموروث البحري قال الفارسي: إذا تمت استدامة المصائد والقطاع بشكل عام فسوف تكون هناك بيئة عمل ممتازة تغطي الكثير من الباحثين عن عمل، بالإضافة إلى تحديد موسم للأسماك حتى تستطيع المصايد استعادة عافيتها، كما لا بد من تفعيل الدور الرقابي وتكثيفه بزيادة الكادر سواء من صيادين متطوعين أو توظيف مباشر.
التحايل على قانون العمل
وقال الصياد حميد بن شطيط الوهيبي من ولاية محوت: العمالة السائبة والغير قانونية اصبحت مزاحمة للصياد العماني ومؤثرة اقتصاديًا واجتماعيًا، حيث إننا نعاني كثيرا من مزاولتهم مهنة الصيد بطرق غير مشرعة واستخدامهم وسائل صيد غير مصرحة قانونًا ودوليًا جراء استخدامهم شباك الضغوة والكوفة وشباك الجرف الممنوعة، بالإضافة إلى تعاونهم المباشر مع شركات الهرس الأجنبية وبيعهم اسماك السردين بآلاف الأطنان مما يؤدي إلى خفض المخزون السمكي ومهاجرة الأسماك الكبيرة إلى مناطق بعيدة، والذي يسبب ضررًا مباشرًا على الصيادين بدفع مصاريف أكثر كلفة بحثا عن الصيد في المناطق التي هاجرت إليها الأسماك الكبيرة.
وأضاف الوهيبي: هناك شركات تجميد عمانية أنشئت بمبالغ تقدر بنحو 2.5 مليون ريال عماني معتمدة لشراء سمك السردين والأسماك الصغيرة من الصيادين، إلا أن هذه القوى العاملة تقوم بصيد سمك السردين عن طريق الصيد الجائر بآلاف الأطنان مما دعت إلى هجرة الأسماك الكبيرة جراء انخفاض البيئة المحيطة من أسماك السردين المصدر الغذائي لها وتعاملها المباشر مع شركات الهرس، كما أدى إلى تضرر أصحاب هذه الشركات بمطالبات مادية كبيرة، مشيدا بتعاون بعض من المواطنين لوجود القوى العاملة الوافدة في مهنة الصيد، وذلك من خلال التحايل على قانون العمل وطلب تأشيرات عمل لمهن مصرحة، حيث يقومون بجلب هذه القوى العاملة للعمل في مهنة الصيد بشكل مخالف عن تأشيرات العمل الممنوحة، وعند قيام الجهات المعنية بحملات التفتيش يتم تنويه القوى العاملة غير المصرحة بعدم النزول للصيد، مؤكدًا أن هذه القوى العاملة تواجد بمحافظة الوسطى تحديدا بقرية صراب وخلوف وسدرة والدقم وشنه ورأس الرويس، بالإضافة إلى جزيرة مصيرة، مناشدًا الجهات المعنية بتكثيف الحملات التفتيشية وتشكيل فرق من الصيادين كمتطوعين لمجابهة هذه القوى العاملة والمتعاونين معها.
مصدر دخل
أما الصياد أبوبكر بن سالم الشحري من ولاية مرباط فيقول: الصيد هو مهنة نعتمد عليها مثل ما اعتمد عليها الكثير من الصيادين في رعاية أسرهم واعتمادها كمصدر دخل، في حين أن القوى العاملة الوافدة أثرت بشكل غير طبيعي في القطاع السمكي من خلال منافسة الصيادين العمانيين ومضايقتهم باستخدام أساليب غير صحيحة، حيث إنهم يستخدمون شباك الصيد الطويلة، بالإضافة إلى أنهم لم يكتفوا بالصيد فقط وإنما الهيمنة على تسويق الأسماك جراء سيطرتهم في بيع الأسماك بأنواعها، إلا أن الهيمنة تعدت نحو تحديد الأسعار والتلاعب بها بعيدا عن أنظار الجهات المعنية، لافتًا إلى أنه آن الأوان للحد من هذه الممارسات وفرض عقوبات رادعة لكل من يدعمها.
ويرى أنه لا بد من تكثيف الندوات والمحاضرات التي تستهدف الصيادين والممتهنين للصيد لحماية للموروث البحري، كذلك يجب تعزيز حملات التنظيف سواء على الشواطئ أو في البحر لحماية البيئة الفطرية.
ويذكر أن فرق الرقابية السمكية تمكنت من ضبط قاربين للصيد عليهما عدد من القوى العاملة الوافدة تمارس الصيد باستخدام شباك التحويط بدون ترخيص في جزيرة مصيرة بنهاية الشهر الماضي، كما تمكنت من ضبط مجموعة من المخالفات بمحافظة ظفار من بينها قوى عاملة وافدة قامت بصيد الشارخة خارج الموسم بولاية مرباط واستخدام شباك التحويط داخل حوض ميناء الصيادين، وتم في نوفمبر من العام الماضي ضبط 46 عاملًا وافدًا مخالفًا يمارسون مهنة الصيد البحري التقليدي على قوارب صيد.
