الاقتصادية

السفن المسافرة في مهرجان التراث البحري العماني عادت إلى أرض الوطن والأهالي يستقبلونها بالأهازيج

19 فبراير 2023
مستقطبا 72.2 ألف زائر خلال الأيام الثمانية الأخيرة
19 فبراير 2023

-جسد الرحلات البحرية التي كانت تجوب البلدان من وإلى ولاية صور.

-المهرجان يعزز السياحة الداخلية ويشجع الأسر المنتجة والحرفيين لتنشيط الاقتصاد الوطني.

طوى مهرجان التراث البحري العماني في ولاية صور أشرعته إيذانا بانتهاء فعالياته التي استمرت من 3 إلى 19 فبراير الحالي بتنظيم من وزارة التراث والسياحة، وبعد جدول حافل بالفعاليات المتنوعة التي استهدفت كافة فئات المجتمع في المجالات الترفيهية والفنية والرياضية والتثقيفية، حيث عمل المهرجان على إبراز الدور التاريخي للولاية قديما وحديثا، والترويج والتعريف بالتراث البحري والمقومات السياحية في محافظة جنوب الشرقية، مستقطبا بفعالياته العديد من الزوار، إذ استقطب نحو 72 ألفا و267 زائرا خلال الأيام الثمانية الأخيرة.

محاكاة الرحلات البحرية

استطاع القائمون على فعاليات مهرجان التراث البحري العُماني في ولاية صور استحضار مشاهد سفر وعودة السفن المسافرة نحو سواحل الهند وأفريقيا وغيرها من الدول التي كانت مصدر رزق العمانيين العاملين في البحر، حيث تم تنفيذ محاكاة للطقوس التي كانت تقام في تلك الحقبة من الزمن. وبدأت محاكاة السفر بوصول الجمال المحملة بالبضائع من الولايات المجاورة كالليمون المجفف والتمور المجففة والمسافرين؛ لتتم عملية التحميل مصحوبة بالأفراح والأهازيج والفنون التراثية، وعرض التحدي بين البحارة (سباق الماشوة). كما شهدت المحاكاة شرحا لمسارات السفن والبضائع التي كانت تنقل عبر كل مسار حسب متطلبات السوق قديما، مثل السفن المغادرة إلى موانئ الخليج العربي، والبصرة، وشط العرب، التي تكون محملة بأخشاب الجندل، والليمون، وطينة العيجة، أو تلك المتوجهة إلى القارة الهندية التي تكون محملة بالتمور المجففة، والأسماك المجففة، أو السفن التي كانت تبحر على خط السير إلى مرباط وموانئ اليمن، والصومال وممباسا وزنجبار المحملة بالتمور والأسماك المجففة والملح.

وشملت المحاكاة أيضا عودة السفينة من العراق محملة بأنواع من التمور والمسافرين وبعض الهدايا، إضافة إلى ممارسة قوارب الصيادين عملية الصيد في الخور. وقت انتشرت في ساحة المهرجان أجواء تراثية رسمت لتعريف الزائر والأجيال التي لم تعاصر تلك الفترة على تراث أجدادهم البحري، وتفاصيل الرحلات البحرية التي كنت تجوب بلدان العالم، بالإضافة إلى مشاهد الحياة اليومية، والألعاب التقليدية المعروفة في ذلك الوقت، وحركة الانتقال بواسطة العبارة من صور الساحل إلى العيجة قبل إنشاء الجسر البحري، كما تم تجسيد لحظة استقبال أهالي المكان للبحارة المسافرين والأهازيج المصاحبة التي يتغنى بها المسافرون.

وقال جمعة بن خميس العلوي (أبو صيّاح) مخرج عروض المحاكاة: بعد أن توجه البحارة بالقافلة التجارية ذاهبين إلى البصرة المحملة بالتمر والأسماك المجفف وطينة العيجة، ثم عرجت القافلة إلى أفريقيا والهند لتعود محملة بالأرز والسمن والسكر والأخشاب. وأضاف: خلال سفر البحارة نعرض الحياة اليومية القديمة لأهالي المكان من عادات يومية، مضيفا: وفي رحلة العودة يتم استقبال عودة البحارة من الأسفار، وعلى شاطئ البحر يكون الانتظار مع ممارسة الحياة اليومية، وعندما تظهر السفن بمقربة من الشاطئ تكون البشارة بقرب السفن، فيتقدم الأهالي نحو الشاطئ بالأهازيج والأغاني التقليدية، ويتم تجهيز الولائم بعد أيام في بيت النوخذة؛ احتفالا بعودة السفينة. ويضيف: جسدنا مشاهد الجمال وهي بالقرب من الميناء لتحميل البضائع من السفن، وحصرها وتحميلها عبر الجمال والحيوانات، ويتم توصيلها إلى عدد من المناطق مثل بدية والداخلية عبر الحيوانات.

واشتمل المهرجان على حفلات فنية طربية تمثلت إحداها في حفلة الفنان عوض حليس، وأخرى للفنانة العمانية نورة النظيرية وسط حضور جماهيري، وتواصلت الحفلات الفنية متمثلة في المقطوعات الموسيقية، ولوحات فلكلورية تقليدية من الفنون البحرية، بالإضافة إلى أمسية شعرية بعنوان: (سيرة عظيمة) قدمتها فرقة صور المسرحية على مسرح المهرجان بخور البطح.

القرية التراثية

كما ضم المهرجان قرية تراثية ضمت أركانا تثقيفية عن البحر والسفر وصناعة السفن والأدوات المستخدمة في الصيد، وأركان أخرى لدعم الأسر المنتجة بمختلف المجالات، إذ ضمت كرنفال المأكولات العُمانية التي تضمنت أصنافا مختلفة زادت من النشاطات التفاعلية، ما أتاح للزوار استكشاف أشهر الأطباق العُمانية والعالمية، مع التركيز على المأكولات البحرية الطازجة، بالإضافة إلى عروض تراثية، كفعاليات القرية التراثية البحرية التي يتعرف الزائر من خلالها على التراث البحري الذي تشتهر به ولاية صور المعروفة قديمًا بنشاطها البحري في مختلف المواقع بالمهرجان، إضافة إلى الركن المخصص للصناعات الحرفية المرتبطة بالتراث البحري، والجلسات التراثية الشعبية، والمقهى الشعبي، ومسرح الفعاليات والأنشطة الترفيهية والثقافية، والألعاب الشعبية، وعروض الفنون التراثية المتعلقة بالبحر.

ندوات وجلسات تاريخية

وقد نفذت الوزارة ممثلة بالمديرية العامة للآثار (إدارة التراث والسياحة بمحافظة جنوب الشرقية) ندوة التراث البحري العماني بالتعاون مع الجمعية العمانية للكتاب والأدباء ممثلة في لجنة الكتاب والأدباء في المحافظة، حيث سلطت الضوء على علاقة الإنسان بالبحر منذ القدم من خلال 8 أوراق عمل. واستعرضت الندوة علاقة الإنسان بالبحر عبر العصور، حيث أدرك أول من وقف على الشاطئ أن البحر هو المصير، وعليه أن يطوعه لمصلحته، وأن اختلفوا قليلاً أو اتفقوا كثيرا. وهدفت الندوة إلى إبراز التراث البحري وأثره على الإنسان، والتعريف بأجزاء السفينة، والتحديات التي يواجهها الصانع، والأساليب المتبعة لتحديد المسارات البحرية، ودور النواخذة على ظهر السفن، والتعريف بتاريخ قلهات الأثري من عيون الرحالة، وأهمية الاعتراف به كأحد مواقع التراث العالمي، والتعريف بالآثار المغمورة بالمياه، وجهود الوزارة في هذا الشأن، فيما صاحب الفعاليات جلسة حوارية حول دور الأفراد والمتاحف في حفظ التراث البحري.

عروض ترفيهية

كما صاحب المهرجان عروضا ترفيهية للأطفال، وعروض الشخصيات الكرتونية، وعروض الطيران الشراعي، وتجارب الإبحار الشراعي على شواطئ الولاية، وأركان خاصة بألعاب الأطفال؛ لتكون متنفسا لهم خلال فترة إجازة منتصف الفصل الدراسي الأول، بالإضافة إلى بطولات متنوعة مثل مسابقة «النواخذة» لصيد أسماك الجيذر نظَّمتها الجمعية العُمانية للصيادين، التي تهدف إلى دعم الصيادين وتشجيعهم، حيث شهدت مشاركة ١١٨متسابقًا يمثِّلون ٣١ قارب صيد «مسطح» و«فئة 25» قدمًا، واستمرت من الساعة الرابعة فجرًا إلى السابعة مساءً، وبلغت قيمة الجوائز ٥٨٠٠ ريال موزعة على ثلاثة مراكز للقوارب المسطحة، كما تم تنظيم مسابقة الإبحار الشراعي بمشاركة ٢٥ من البحارة الناشئين، والتزلج المظلي وتجربة التزلج على الألواح.

آراء المنظمين والحضور

وقال خميس بن راشد المسروري -عضو المجلس البلدي في المحافظة: إن أهمية إقامة المهرجان تكمن في ترسيخ مكانة ولاية صور في التاريخ البحري العماني، ومدى ارتباطها بالبحر منذ الأزل، وهذا المهرجان فرصة للأجيال المتعاقبة لإدراك مكانة صور عبر التاريخ، والدور المحوري الذي قامت به في الحركة التجارية عبر البحر. كما سلط الضوء على الفرص الاستثمارية والسياحية التي يمكن استغلالها في الوقت الراهن. وأضاف: إن المهرجان يعد إضافة رائعة لمنظومة الترفية لكل أبناء المحافظة، والاستمرار في إقامته سنويا سيؤدي حتماً إلى تطور المهرجان من نسخة إلى أخرى، كما سيكون فرصة لاكتساب أبناء المحافظة خبرات في تنظيم المهرجانات والملتقيات وبقية الفعاليات، كما أنه كان يُعد نافذة لروائد الأعمال والأسر المنتجة في القيام بأعمالهم وترويج منتجاتهم.

وقالت يسرى بنت عبدالله الغيلانية -عضوة اللجنة الرئيسية المنظمة لمهرجان التراث البحري والمشرفة العامة المنسقة لركن الأسر المنتجة والمشاريع الحرفية: إنه ومنذ أن عرضت علينا فكرة المهرجان سعينا جاهدين لنبرز التميز والحضارة العريقة والموروث البحري الذي اشتهرت به ولاية صور منذ خطت ذكرها في صحف التاريخ، لذلك كانت أبرز المهام هي إعادة إبراز ملامح الحياة البحرية التي عاشها سادة البحار في صور عن طريق عدة أساليب، منها المحاكاة لقصص الربابنة والبحارة، واستعراض المشاريع الحرفية المرتبطة بالموروث البحري ومنها ندوة التاريخ البحري، وسعينا لتغطية كل تلك الفعاليات والأحداث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبهذا حققنا الوصول إلى الهدف بأكثر من وسيلة ولكافة فئات المجتمع.

وأضافت: نستطيع القول إن المهرجان نجح في تحقيق إضافة نوعية، وغرس مكانة ولاية صور العريقة في أذهان الأجيال القادمة، في إطار متنوع من التشويق والمتعة والإثارة والثقافة لكل أفراد الأسرة، مشيرة إلى أن الفعاليات والأنشطة المحلية والمهرجانات لها أثر كبير في تعزيز السياحة الداخلية، وتشجيع الأسر المنتجة والحرفيين، مما يؤدي إلى تنشيط الاقتصاد الوطني ككل، وسنسعى إلى أن تكون النسخ القادمة أفضل.

وقالت انتصار بنت علي بهوان المخينية -نائبة المدير بغرفة تجارة وصناعة عمان في المحافظة: إن أيام المهرجان منذ انطلاقها كانت أياما جميلة ممزوجة بالبهجة والسعادة، حيث كانت العوائل من مختلف فئات المجتمع تحرص على المجيء لمتابعة الفعاليات المختلفة المقامة. وأضافت: إن المهرجان جسد الذكريات الخالدة والجميلة التي عاشها الأجداد والآباء، وما تتمتع به الولاية من إرث وكنوز عظيمة يجب أن تعلم للجيل الحاضر والأجيال القادمة، وأن يعوا بماهيته والمحافظة عليه. وأشارت إلى أن الجهود التي تقوم بها وزارة التراث والسياحة بارزة ويخفى على أحد، حيث شاهدنا الإقبال المتزايد، والتنوع في مختلف أرجاء المهرجان، ومن خلال الفعاليات والأنشطة المقامة في المهرجان، حيث كانت تحظى بإشادة من قبل الزائرين سواء من المواطنين أو المقيمين.

من جانبها، قالت يسرى بنت صالح الغيلانية - رئيسة جمعية المرأة العمانية بولاية صور: إن المهرجان شهد حضورا جماهيريا مميزا من مختلف الفئات العمرية، حيث تحول إلى حدث ثقافي تجاوز بُعده المحلي، ليحقق أهدافه على كل الأصعدة، لما يحتويه من فعاليات وأنشطة متنوعة تمزج بين تراثنا البحري الأصيل ومختلف مجالات الفنون، بالإضافة إلى إحيائه لرياضات بحرية تقليدية من خلال المسابقات المتنوعة التي تمَّ استلهامها من تراث الأجداد، وتعاملهم مع البحر في سبيل طلب الرزق.

وأضافت: من وجهة نظري المهرجان حقق تألقا لاحتواه على أنشطة ومسابقات تراثية وفعاليات فنية وثقافية، تبرز ثراء التراث البحري في الولاية، وتظهر ثقافة أهل البحر بصورتها الحقيقية ومعالمها الواقعية، كما رسخ المهرجان مكانته كوجهة بارزة للتراث والثقافة والسياحة، معززا دوره في صون التراث البحري الأصيل، والمحافظة على عادات وتقاليد الآباء والأجداد.

تنشيط الحركة السياحية والاقتصادية

كما عبر بدر بن مراد البلوشي عن شكره لوزارة التراث والسياحة على إقامة المهرجان الذي أسهم بشكل كبير في تنشيط الحركة السياحية والاقتصادية بالولاية من خلال توافد أعداد كبيرة من الزوار من داخل وخارج المحافظة. وأضاف: إن المهرجان كان فرصة للاطلاع على العادات والتقاليد التي كانت تمارس والفنون البحرية، وأوضح أنه تنوعت في أركان المهرجان العديد من الفعاليات والأنشطة التي تتميز بها المحافظة. وقال: نتمنى أن تستمر مثل هذه المهرجات، ويتم إقامتها سنويا، لما لها من أهمية كبيرة في جميع الجوانب، كما أنها تسهم في خلق الفرص للشباب من خلال عرض منتجاتهم.

وقال إبراهيم بن عبدالرحمن البلوشي: إن ولاية صور العريقة تنفرد بتراثها الحضاري والثقافي والاجتماعي، وهي غنية بالتراث الشعبي والحضارة العربية والإسلامية منذ القدم، وما هي إلا حلقة ضمن سلسلة طويلة تربطها بباقي ولايات سلطنة عمان، وبالعالم الخارجي. وما يميز الولاية موقعها الاستراتيجي الساحلي الجذاب، بالإضافة إلى أن أهلها لهم باع طويل بالتجارة البحرية، وأشار إلى أن البناء والتقدم للحضارة العمانية هو منذ القدم، والتعريف بالثقافة المتجذرة في الشعب العماني الأصيل واجب علينا جميعا.

وقال علي بن راشد الشهيمي -المسؤول عن فعاليات الإبحار الشراعي في المهرجان: إن المهرجان فرصة لتعزيز وتنشيط الحركة السياحية والترويج للمقومات السياحية، وإبراز الدور التاريخي العريق الذي لعبته ولاية صور قديماً في التجارة وصناعة السفن البحرية القديمة مع التعرّيف بقصص الرحلات البحرية التجارية. ويعد المهرجان متنفسا رائعاً للعوائل وزوار المنطقة، للتعرّف على الموروث البحري للولاية قديما وحديثاً، وتجربة بعض المناشط البحرية لا سيما تجارب الإبحار عبر أحد القوارب الشراعية التي توفرها مؤسسة عُمان للإبحار وغيرها من الفعاليات والمناشط.

وأضاف الشهيمي: إن دور عمان للإبحار تمثل في إقامة بطولة إبحار شراعي في أربعة من أيام المهرجان، بمشاركة ٢٥ من البحارة الناشئين في كل يوم، إلى جانب تقديم عدد من المناشط المتاحة للمجتمع، منها تجربة الإبحار الشراعي، وتجربة التزلج المظلي، وتجربة التزلج على الألواح. وصرح قائلا:" قدمنا أيضا الدعم اللوجستي في باقي فعاليات الوزارة من ناحية التحكيم والسلامة مثل مناشط السباحة والتجديف".