ارتفاع معدل النمو ينعكس إيجابا على تحسن الوضع المالي في سلطنة عمان
تأكيد مستمر للقدرة على سداد الالتزامات في موعدها.. وحرص متزايد على الشفافية في ملف الدين ووتيرة السداد -
الاعتماد على عائدات النفط لم يعد خيارا واردا وهناك سعي حثيث لتعزيز الروافد غير النفطية وتوجه ثابت نحو حسن استغلال العوائد الإضافية -
نجاح خطط التحفيز في وضع الاقتصاد على طريق النمو متخطيا تبعات أزمة تراجع النفط والجائحة -
تشير بيانات وزارة المالية إلى أن حجم الدين العام شهد تراجعا جيدا منذ بداية العام، وبلغ إجمالي الدين العام بنهاية أغسطس 2022 نحو 18،4 مليار ريال عماني، بينما سجل حجم خدمة الدين حتى منتصف هذا العام 521 مليون ريال وتم سداد عدد من القروض الخارجية حتى نهاية يوليو الماضي، وسداد قرض محلي- أي سندات وصكوك حكومية- بقيمة 102 مليون ريال، مع تمويل الميزانية بنحو 938 مليون ريال من الاحتياطي العام للدولة، وترصد هذه الإحصائيات تواصل التقدم في ملف إدارة الدين العام مع عديد من التطورات الإيجابية المهمة التي تعكس نجاح سلطنة عمان في تأكيد قدرتها على سداد التزاماتها المالية في موعدها والحرص المتزايد على الشفافية في إعلان كافة البيانات الخاصة بحجم الدين، ووتيرة السداد والالتزام باتباع استراتيجية واضحة لإدارة ملف الاقتراض والدين، وهو ما يعزز ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية في الوضع المالي، وواصلت سلطنة عمان إدارة المحفظة الإقراضية بما يسهم في خفض الدين بعد أن سجل أعلى مستوياته خلال العامين الأخيرين، وضمن ذلك أعيد شراء بعض السندات الحكومية السيادية بأقل من قيمة إصدارها وذلك قبل حلول موعد استحقاقها بقيمة 269 مليون ريال، وسداد قروض عالية التكلفة ومنها قرض بقيمة 512 مليون ريال خلال يوليو الماضي، وإصدار صكوك محلية للتداول في بورصة مسقط بكلفة منخفضة نسبيا، حيث أُصدر من الصكوك السيادية هذا العام بقيمة 150 مليون ريال، ومن بين عدد من النتائج الإيجابية التي حصدتها سلطنة عمان في ظل تحسن الأوضاع المالية، وكان من أهم الثمار تحسن الجدارة الائتمانية لسلطنة عمان، وقيام وكالات التصنيف العالمية برفع التصنيف الائتماني، وآخرها وكالة ستاندرد آند بورز التي رفعت تصنيفها الائتماني لسلطنة عُمان مع منحها نظرة مستقبلية مستقرة لأول مرة منذ عام 2015، نتيجة تحسن مؤشرات المالية العامة للدولة وانخفاض مخاطر الدين العام، وذكرت الوكالة أن هذا التحسن جاء بدعم الإجراءات المالية التي اتخذتها الحكومة في إطار الخطة المالية متوسطة المدى، وارتفاع متوسط سعر بيع النفط ومعدل الإنتاج النفطي، ورجحت أن تحقق سلطنة عُمان فائضا ماليا بنسبة 5.7 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام بدلا من العجز المالي الذي كان مقدرًا في بداية العام بنحو 4.6 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي بداية العام، كانت توقعات وزارة المالية تشير إلى حدوث انخفاض سنوي في نسبة الاحتياجات التمويلية الحكومية إلى الناتج المحلي الإجمالي من 22 بالمائة في 2020 إلى 10 بالمائة فقط خلال أعوام 2021 و2022 و2023، وفي ظل ارتفاع أسعار النفط سجلت الميزانية العامة لسلطنة عمان مؤخرا فائضا للمرة الأولى منذ عدة سنوات، كما توقع صندوق النقد الدولي أن تحقق الموازنة العامة فائضا على أساس سنوي خلال العام المقبل بدعم من إجراءات الهيكلة المالية التي تتم وفق خطة التوازن المالي إضافة إلى المستويات المواتية لأسعار النفط.
وحسب خطة التوازن المالي متوسطة المدى، كانت سلطنة عمان تستهدف خفض معدل الدين العام للناتج المحلي الإجمالي من 80 بالمائة في 2020 إلى 60 بالمائة في 2024، ومع تقدم تنفيذ هذه الخطة وأسعار النفط المواتية وجملة الإجراءات المالية التي تم تبنيها ضمن خطة تقليص الدين العام، يتجاوز التنفيذ الفعلي هذه الأهداف التي سبق الإعلان عنها.
من جانب آخر، يحرز الوضع الاقتصادي تقدما مماثلا وهو ما يمهد لمزيد من الانعكاسات الإيجابية على الوضع المالي، ووفق بيانات نمو الناتج المحلي الإجمالي سجل الناتج بالأسعار الثابتة في سلطنة عمان 34،6 مليار ريال عماني بنهاية عام 2021، و33 مليار ريال بالأسعار الجارية بعد تراجع كبير في عام الجائحة، وبلغ 8،8 مليار ريال عماني بنهاية الربع الأول من العام الجاري بنسبة نمو حقيقي 2،1 بالمائة وبنسبة نمو بالأسعار الجارية 25،7 بالمائة، كما أُعلنت مؤخرًا بيانات نمو الناتج المحلي الإجمالي للنصف الأول من هذه العام، وحقق الناتج زيادة ملموسة مقارنة مع النصف الأول من العام الماضي بنسبة 3،9 بالمائة، وارتفع حجم الناتج في النصف الأول من 2022 متجاوزا 20 مليار ريال عماني مقارنة مع نحو 15 مليار ريال عماني خلال الفترة نفسها من عام 2021 ، ما يؤكد نجاح خطط التحفيز في وضع الاقتصاد على طريق النمو متخطيا تبعات أزمة تراجع النفط وتبعات الجائحة.
وحسب معدل النمو الحالي لاقتصاد سلطنة عمان من المتوقع أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي نحو 40 مليار ريال عماني بنهاية العام الجاري، ما يدفع معدل الدين العام إلى الناتج المحلي للانخفاض إلى ما يقرب من 46 بالمائة، ومع الوضع في الاعتبار عوامل إضافية مثل استمرار ارتفاع معدل النمو وتواصل سداد جانب من القروض خلال الفترة الباقية من العام، يتجه معدل الدين للناتج المحلي نحو مزيد من الانخفاض خاصة في ظل استمرار السعي الجاد نحو الإدارة الناجحة لملف الدين وخفض أعبائه المستقبلية، وقد تم بالفعل هذا العام سداد نحو 2،4 مليار ريال من القروض وخفض الأعباء المستقبلية بنحو 127 مليون ريال عبر خطة السداد المبكر والاستبدال بالديون الأعلى كلفة، أخرى أقل كلفة، ومن المقرر تخصيص 200 مليون ريال عماني لبند السداد خلال عام 2022، وقد تم بالفعل حتى الآن تخصيص 100 مليون ريال عماني لهذا البند في الميزانية العامة للدولة وفق بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات نقلا عن وزارة المالية.
من جانب آخر، لم يعد الاعتماد على عائدات النفط خيارا واردا، بل تسعى سلطنة عمان إلى تعزيز روافد العائدات من المصادر غير النفطية، والالتزام في الوقت ذاته بتوجه ثابت نحو حسن استغلال العوائد الناتجة عن ارتفاع النفط حيث يتم توجيه الفوائض المالية المحققة نحو تعزيز التعافي الاقتصادي بزيادة الإنفاق على المشروعات الإنمائية ذات الأولوية وخفض مستوى المديونية العامة للدولة، وتخفيف الأعباء المعيشية للمواطنين الناتجة عن إجراءات الإصلاح المالي وغيرها من المتغيرات العالمية التي أدت لارتفاع الأسعار خلال العام الجاري.
ويحقق الوضع المالي في سلطنة عمان نقلة كبيرة بعد سنوات من ارتفاع الدين إلى معدلات غير آمنة في ظل الحاجة لتوفيـر التمويـل اللازم لسـد عجز الموازنة خلال أزمة تراجع النفط، وقد تم الاعتماد بشـكل كبير على الاقتـراض لا سـيما مـن الأسـواق الخارجيـة إضافـة إلـى السـحب مـن الاحتياطيـات، ما أدى إلـى ارتفـاع إجمالـي الديـن العـام وكلفـة خدمتـه إلـى مسـتويات غيـر مسـبوقة. وإضافة إلى هذه التحديـات، جاءت جائحـة كوفيـد -19 ومـا صاحبها مـن تأثيـرات اجتماعية واقتصاديـة وتدهـور فـي أسـعار النفـط لتؤدي إلـى تفاقـم الوضـع المالـي وتراجع إضافـي فـي العديـد مـن المؤشـرات الماليـة للدولـة، مـا أسهم فـي زيـادة مخاطـر الائتمـان لينخفض التصنيـف الائتمانـي الذي كان سيسـتمر فـي الانخفـاض فـي حـال لم يتـم اتخـاذ تدابير وإجـراءات مالية مناسـبة، وفـي ضـوء هـذه التحديـات الماليـة، ونظرا لعـدم اليقيـن بشـأن أسـعار النفـط، جرى إعـداد خطـة التـوازن المالـي متوسـطة المـدى بهـدف الوصـول بالوضـع المالـي إلـى مسـتويات الاسـتدامة. وتزامن تنفيـذ هـذه الخطـة مـع مجموعـة مـن البرامـج والإجـراءات الاقتصاديـة التـي استهدفت تحسـين بيئـة الأعمـال وتحفيز الاسـتثمارات، إضافـة إلـى إطلاق منظومة الحمايـة الاجتماعية لتخفيـف آثار هذه الإجـراءات الماليـة علـى بعـض فئـات المجتمـع المسـتهدفة، وشهد العامان الماضيان توسعا متواصلا في هذه المنظومة.
وضمن جهود تحقيق الاستدامة، أخذت سـلطنة عمان بعين الاعتبار كل التحديات عند إعــداد الميزانيــة العامــة للدولــة خلال العام الجاري، والتي تنســجم مــع أهــداف ومرتكـزات الخطـة الخمسـية العاشـرة، إذ يأتي فــي سلم أولوياتها تحقيــق الاســتدامة المالية وتحفيز قطاعات التنويع الاقتصادي.
وقبل تنفيذ خطة التوازن، ارتفع الدين العـام إلـى مسـتويات غيـر مسـبوقة مـن 1،5 مليـار ريـال عماني أي 5 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي فـي عام 2014 إلـى 17،6 مليار ريـال عماني أي 60 بالمائة من الناتج المحلـي الإجمالـي فـي عـام 2019، وقفـزت كلفـة خدمـة الديـن العـام أي الفوائـد على القروض من 35 مليون ريال في 2015 إلى 684 مليون في 2019 واقتربت من مليار ريال عماني في 2020.
وخلال 2021 اتجهت المؤشرات المالية إلى تحسن ملموس، وسجلت سلطنة عُمان انخفاضا في العجز المالي المقدر من 4،8 مليار ريال عماني قبل اتخاذ الإجراءات ليصل إلى مليار و200 مليون ريال عُماني مع نهاية العام أي بنسبة 75 بالمائة، وانخفاض العجز السنوي من نسبة الناتج المحلي الإجمالي من 15،5 بالمائة عام 2020م إلى 3،8 بالمائة بدعم من تحسن أسعار النفط، وما تم تنفيذه من إجراءات لضبط الوضع المالي، وتمت السيطرة على الإنفاق العام والالتزام بإطار مالي محدد للميزانية العامة على مدار سنوات الخطة الخمسية العاشرة، بالرغم من التحديات المالية التي تطلبت اعتمادات إضافية مثل مواجهة تفشي جائحة كورونا ورفع الطاقة الاستيعابية في مؤسسات التعليم العالي وسداد المتأخرات المالية لشركات القطاع الخاص وإصلاح الأضرار الناجمة عن الأنواء المناخية «شاهين» وتغطية مساهمة الحكومة في المصروفات الرأسمالية والتشغيلية لقطاعي النفط والغاز نتيجة تأخر الإجراءات التشغيلية لشركة تنمية طاقة عُمان، وقد شهدت الأشهر الأخيرة بدء أعمال الشركة وانتقال مصروفات النفط خارج الميزانية العامة للمرة الأولى فيما يعد تقدما يضاف إلى جملة الإجراءات والخطط التي تستهدف تحقيق الاستدامة المالية بصفتها أحد ممكنات نجاح طموحات الرؤية المستقبلية عمان 2040.
