أسعار النفط ستظل مرتفعة لشهور قادمة
ينبغي أن يكون إعلان مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران بواسطة دونالد ترامب يوم 14 يونيو مبعث ارتياح عميق في أسواق النفط العالمية. فالمذكرة تدعو الى رفع الحصار البحري الأمريكي لموانئ إيران وإعادة فتح مضيق هرمز خلال 30 يوما. وهكذا، في أثناء عكوف ترامب ونظرائه الإيرانيين على وضع تفاصيل الاتفاق النهائي يمكن للعالم أن يتطلع لاستعادة ما بين 15% الى 20% من امداداته المعتادة من النفط والغاز الطبيعي المسال.
على الرغم من أن الاتفاق المؤقت الذي نشأ عن التوقيع على المذكرة يمكن أن ينهار بسبب المناوشات أو الخلافات حول أشياء مثل مصير البرنامج النووي الإيراني ورسوم المرور عبر مضيق هرمز إلا أن الطرفين لديهما حوافز قوية لإنهاء الحرب. فاقتصاد إيران المدمر يحتاج الى الصادرات النفطية لكي يستعيد عافيته. ويريد ترامب بنزينا أرخص قبل الانتخابات النصفية في نوفمبر.
تُسعِّر الأسواق هذه الانفراجة. فنفط برنت وهو المعيار العالمي انخفض الى أقل من 80 دولار للبرميل من أكثر من 110 دولار في مايو.
ربما يستعجل متداولو النفط (يسارعون الى بيع عقود النفط قبل أن تهبط الأسعار بأكثر من ذلك بعد استئناف تدفق النفط العالق- المترجم). لكن المشترين الحذرين لم يقدموا بعد أوامر شراء كبيرة للنفط الخليجي، حسبما ذكر توم ريد المحلل بوكالة رصد الأسعار "أرجوس ميديا".
صيف مشحون بالقلق
حتى إذا صمد الاتفاق، سيتطلب تطبيع الأوضاع ليس فقط مغادرة الناقلات الخليج ولكن بداية العودة اليه واستئناف الإنتاج وارتفاع وتيرة التكرير على نطاق العالم. وكل ذلك سيحتاج الى وقت. هكذا يلوح أمامنا صيف مشحون بالقلق
لكي تبدأ كميات كبيرة من النفط تدفقها من الخليج مرة أخرى يجب أولا تطهير المضيق من الألغام. في هذا الصدد، تشير خريطة نشرها الحرس الثوري الإيراني واطّلعت عليها الإيكونومست أن الألغام زرعت بالضبط في الأماكن التي تبحر فيها السفن عادة. الى ذلك، الممرات البديلة على طول السواحل الإيرانية والعمانية خطرة وضيقة. وقليلة هي السفن التي تجرؤ على الإبحار فيها. لكن أمريكا لديها كاسحات ألغام في المنطقة. وعرضت بريطانيا وفرنسا مساعدة ما تبقى من بحرية إيران.
ستحاول السفن الجريئة المرور قبل ذلك. يقول مالك سفينة يوناني إنه سيفعل ذلك قريبا. ويقول جون أوليت المحلل بشركة أرجوس أن بعض شركات التأمين تخفض أقساط رحلات الخليج بحوالي 50% لبعض زبائنها. كما تبحث شركة ميركوريا لتجارة النفط وشركة استيراد صينية وشركة فيتنامية لتكرير النفط عن سفن لتحميل النفط الخليجي في العشرة أيام القادمة. لكن ربما ينتظر معظم ملاك السفن حتى يكون الممر آمنا. وهذا ما يمكن أن يستغرق ستة أسابيع أو أكثر.
تحتاج الناقلات المحملة بالنفط والراسية في الخليج والتي يصل عددها الى 118 سفينة الى ما لا يزيد عن 10 الى 15 يوما للخروج في الأوضاع العادية، حسب شركة تعقب السفن" كيبلر". لكن إخراجها أثناء إزالة الألغام سيكون أبطأ كثيرا.
مع عودة الناقلات سيبدأ المنتجون الخليجيون ضخ النفط مرة أخرى. فهم لم يبلِّغوا عن أضرار جسيمة بحقولهم. ولأنهم قلصوا الإنتاج عندما كانت المستودعات مملوءة الى نصفها، لدى معظمهم المرونة الكافية لرفع الإنتاج قبل حل الاختناقات البحرية بالكامل.
ستستأنف عملياتها أولا حقولُ النفط الخفيف والتي يوجد معظمها في السعودية والإمارات. ويلزم أن تصل الى مستوى انتاج ما قبل الحرب خلال ثلاثة شهور، حسبما يقول فريدريك لاسير كبير المحللين بشركة تجارة النفط "جونفور".
يتوقع معظم المحللين أن يصل الإنتاج الكلي للخليج الى ما بين 30%- 50% من مستويات فبراير بحلول منتصف يوليو، وما بين 60 -70% في منتصف سبتمبر، وما بين 80% الى 90% بنهاية العام. في هذا السيناريو سيتحرك برنت ببطء نحو 75% دولار للبرميل. وتتقارب الأسعار في الخليج وخارجه مرة أخرى بعد تباينها عند إغلاق المضيق.
مع ذلك سيمر وقت قبل عودة الإمدادات النفطية الى وفرتها في فترة ما قبل الحرب. فحتى إذا بدأت السفن المغادرة في عبور مضيق هرمز قريبا قد لا تعود السفن القادمة كلها خلال أربعة أو خمسة شهور، حسب توقعات شركة الوساطة البحرية "بي آر اس". وناقلات النفط الأكبر (50 ناقلة أو نحو ذلك) والتي تنتظر خارج الخليج أو قبالة المحيط الهندي يمكنها تحميل صادرات حوالي أسبوعين فقط من النفط الشرق أوسطي في فترة ما قبل الحرب.
السفن التي هاجرت الى طرق آمنة ومربحة في المحيط الأطلسي عندما بدأت الحرب يلزمها استكمال رحلاتها الحالية وستنتظر حتى ترتفع أسعار الشحن في الخليج قبل أن تعود. وتقول اليس مورلي المسئولة بشركة الوساطة البحرية "هاودن" أن شركات التأمين ستخفض الأقساط (الرسوم التأمينية) فقط بعد ضمان حرية الملاحة وبعد أسابيع من شروع مشغلي السفن في عبور المضيق.
رسوم خدمات وليس عبور
هنالك أيضا موضوع رسوم العبور. يقول ترامب أن إيران وافقت على عدم فرض أية رسوم لفترة 60 يوما. لكن إيران ألمحت الى أنها قد تطلب "رسوم خدمات" بدلا عن ذلك. لقد أنشأت سلفا ما يسمى "هيئة مضيق الخليج الفارسي" لإدارة نظام الرسوم وفي أواخر أبريل أكد بنكها المركزي استلام أول دفعة من الإيرادات. الى ذلك، يجري تمرير مشروع قانون بسرعة في البرلمان يخصص 30% من الحصيلة للقوات المسلحة الإيرانية بما في ذلك الحرس الثوري الإيراني.
وتشير التصريحات الأخيرة الى أنهم يعتبرون إدارة حركة السفن "الوضعَ العادي الجديد" ومرورها غير المقيد عبر المضيق" الوضع الاستثنائي"، حسب مصدر مطلع على سياستهم.
مع ذلك ما لم يتضمن الاتفاق الجديد إلغاء العقوبات الأمريكية على هيئة إدارة المضيق والحرس الثوري الإيراني سيخاطر أي طرف يدفع لهما رسوما بإدراجه في القائمة السوداء بواسطة أمريكا. وهذا من شأنه أن يردع كل مشغلي السفن ما عدا أولئك الأكثر مراوغة.
كل هذا يعني أن الإمداد سيظل مقيَّدا لفترة حتى بعد التوصل الى هدنة حقيقية. وما هو أكثر من ذلك يتوقع تجار النفط أن تلغي الولايات المتحدة أمر الإفراج عن الدفعة التالية من مخزونات الطوارئ النفطية على ضوء مذكرة التفاهم. وهو ما سيحرم العالم من صادرات تصل الى مليون برميل في اليوم.
بجانب ذلك، قد يعود بسرعة بالغة الطلب الذي يرتفع عادة في الصيف مع أخبار نهاية العداوات. والصين التي قلصت بشكل مثير صادراتها النفطية بحوالي 5 مليون برميل في اليوم (وهو ما يساوي تقريبا 5% من الإمداد العالمي) ربما تكون أول المشترين.
يتوقع بنك مورجان ستانلي عجزا في إمدادات النفط بحوالي 3.4 مليون برميل في اليوم في الربع الثالث من العام. يعني هذا استنزاف المخزونات العالمية التي سجلت أصلا انخفاضا قياسيا عند معدل 2.1 مليون برميل في اليوم والإبقاء على ارتفاع الأسعار.
ويقدر البنك أن يبلغ متوسط سعر نفط "برنت المؤرخ" وهو النفط الذي يُسلَّم خلال أسابيع قليلة حوالي 90 دولار في الفترة بين يوليو وسبتمبر و80 دولار في آخر ثلاثة شهور من العام الجاري. وهذا يزيد بحوالي 20 دولار عن السعر الذي قدّره لنفس الفترة في فبراير.
وإذا قررت الحكومات إعادة ملء احتياطياتها الاستراتيجية أو تكوين احتياطيات استراتيجية (بالنسبة للحكومات التي ليست لديها مثل هذه المخزونات) قد يضيف هذا ما يصل الى مليوني برميل في اليوم للطلب العالمي في العام القادم.
المنتجات المكررة
التنبؤ بأسعار المنتجات المكررة أشد صعوبة. خارج اليابان وكوريا الجنوبية، وهما تتمتعان بمخزونات وفيرة من النفط الخام، سيلزم المصافي الأسيوية انتظار وصول الإمدادات الخليجية. وفي الخليج نفسه ألحقت الضربات الإيرانية أضرارا بعِدَّة مصافي كبيرة. وقد يحتاج حجم التكرير الفعلي الى شهور لتتعافى.
وقد يستنزف المزيد من التأخير في تصدير المنتجات البترولية مخزوناتِها في افريقيا (التي تعاني من شح في البنزين) وآسيا (وهي مستورد كبير للنافتا والمادة الأولية لتصنيع البلاستيك والغاز البترولي السائل وغاز الطبخ)، وأوروبا (التي تعتمد على الخليج في إمدادها بوقود الطائرات والديزل).
أما المصافي الأمريكية التي تحولت الى تكرير الديزل ووقود الطائرات للتصدير قد تعود الى انتاج البنزين للسوق الأمريكية. لكن المخزونات المحلية متدنية وقد تظل أسعار المضخة مرتفعة لبعض الوقت. بل ربما ترتفع مرة أخرى.
الى ذلك، قد يضيف خطر فرض إيران سيطرتها على مضيق هرمز مجددا أو استئناف القتال (وهذا احتمال أسوأ) علاوة تصل الى 10 دولار للبرميل لأسعار النفط العالمية لفترة طويلة قادمة، وفقا لتقديرات شركة ريستاد انيرجي الاستشارية.
ربما أوقف ترامب مغامرته الإيرانية غير الموفقة في الوقت المناسب لتجنب كارثة. لكن بعض الضرر الذي ألحقته بأسواق النفط قد لا يمكن أبدا إصلاحه.
