1320530
1320530
الاقتصادية

دراسة حول شجرة اللبان توصي بضرورة تأسيس «مركز اللبان»

29 أبريل 2018
29 أبريل 2018

أكدت على الجدوى الاقتصادية من بيع وتصنيع المنتج -

صلالة - بخيت كيرداس الشحري  -

على مدى قرون من الزمن شكلت أشجار اللبان جزءا من التراث الثقافي والوطني العُماني ولكن في السنوات الأخيرة أصبح وضع مجموعات أشجار اللبان البرية مهددًا بسبب العديد من العوامل البشرية التي أثرت عليها على مدى الأزمنة . وتشمل هذه التهديدات التوسع في التنمية الحضرية، وإزالة الغابات والأشجار، والرعي الجائر، والاستغلال غير المستدام لهذه الأشجار. وهذا الأخير، كان محور تركيز عمل جمعية البيئة العمانية في ظفار حيث انتهى الدكتور محسن بن مسلم بن حسن العامري عضو جمعية البيئة العمانية من دراسة (تأثير الجني على التزهير وإنتاج الثمار وإنبات البذور) في شجرة اللبان والتي تعتبر المرحلة الثانية من مشروع دراسة إنتاج شجرة اللبان والتي قام بها الدكتور محسن العامري الباحث الرئيسي ومدير مشروع الدراسة الذي يموله البنك البريطاني.

وأشار الدكتور محسن العامري إلى أنه في الفترة الأخيرة ازداد الاهتمام بأشجار اللبان لسببين، أولهما الاهتمام بمادة اللبان والرغبة في تدجين الشجرة وزراعتها ضمن المزارع الخاصة، وثانيهما التوجه العام لحماية وصون الأشجار البرية في سياق حماية البيئة بشكل عام. وقد تبين من الدراسات السابقة أن عملية جني اللبان (تجريح الشجرة للحصول على مادة اللبان) لها آثار على صحة الشجرة وقد تؤدي إلى موتها أو الإضرار الشديد بقدرتها على التزهير أو الحد من قدرتها على التكاثر. وفي ضوء معرفتنا أن التجريح عملية لا بد منها للحصول على مادة اللبان بات من الضرورة بمكان تحديد ومعرفة الحد الفاصل ما بين عمليات التجريح التي لا تؤثر سلباً على الشجرة وبين تلك التي لها تأثيرات سلبية وأضرار على التزهير وتكوين الثمار، إضافة إلى معرفة المدة الزمنية التي يمتد خلالها التأثير السلبي لعملية الجني على الشجرة. إن دراسة البذور والبادرات مهمة جداً باعتبارها من أهم عوامل تنمية أشجار اللبان بصفتها شجرة برية، ففي حالة عدم وجود بيانات متاحة عن خصائص البذور والفروق بين أنواعها ومصادرها فإنه من الصعب تمييز البذور أو البادرات عن بعضها البعض، وهذه المعلومات تعتبر أساسية وعدم توفرها قد يكون فيه إهدار للوقت والمال.

وأوضح العامري أنه من أصل 45 شجرة جرى تطبيق الدراسة والتجارب عليها منذ بداية المشروع في الموقع الأول، تعرضت ست منها للموت، مع الاعتقاد أن بعضها مات بسبب التجريح الجائر والبعض الآخر لأسباب طبيعية بحتة، وبذلك يتبقى في الموقع الأول 39 شجرة فقط.

وقد تم اختيار أربعة مواقع لتنفيذ الدراسة في محافظة ظفار، إذ تُمثل هذه المواقع البيئات المختلفة التي تنتشر بها أشجار اللبان والممتدة من نقاط تقع على مستوى سطح البحر على شواطئ بحر العرب في الجنوب، إلى أبعد نقطةٍ تنمو فيها أشجار اللبان في الشمال على أطراف صحراء الربع الخالي، وتتوزع هذه المواقع على سلسلة جبال ظفار، اثنان منها على السفح الجنوبي واثنان على الواجهة الشمالية.

نتائج الدراسة

وخلصت الدراسة إلى عدد من النتائج العلمية المهمة والتي بينت أن تجريح شجرة اللبان (جني أشجار اللبان) لغرض الحصول على مادة اللبان يعتبر أحد الأسباب التي تؤثر سلبا على تزهير ونضوج بذور سليمة تستطيع أن تنمو بادرات، وكما انه يوجد تأثير للجني على نسبة التزهير، فالأشجار التي لم تتعرض للجني أزهرت حسب توفر العوامل الطبيعية من غذاءٍ وماءٍ، بينما الأشجار التي تعرضت للجني الطبيعي قل عندها التزهير نتيجة للتأثير السلبي للتجريح، أما الأشجار التي تعرضت للجني الجائر فقد أزهرت أكثر من الأشجار التي تم حصادها بشكل طبيعي، وذلك نتيجةً لاستشعارها الخطورة وحفاظاً على ديمومة الحياة.

وحول تأثير طرق الجني على تكوين الثمار أشارت نتائج الدراسة إلى أن التحليل الإحصائي لم يشر إلى وجود تأثير يذكر لطرق الجني على تكوين الثمار وكما أنه من الممكن أن يستمر التأثير السلبي للجني على صحة الشجرة والتزهير وتكوين البذور أكثر من ثلاث سنوات من بعد التوقف عن تجريح الشجرة.

أما فيما يتعلق بتأثير جني اللبان على صحة ونمو البذور أظهرت نتائج الدراسة أن الأشجار الكبيرة الحجم لها مقدرة أكثر على تكوين بذور سليمة من الأشجار صغيرة الحجم، وكما توجد علاقة مباشرة وطردية بين إنتاج مادة اللبان وصحة البذور وتكاثر الأشجار، أي أن الأشجار الأغزر إنتاجا لمادة اللبان احتمال اكثر أن تكون بذورها غير سليمة، وتبين من الدراسة أن نسبة التزهير وكثافة الثمار على الشجرة لا تعني أن الشجرة سوف تنتج بذورا سليمة وكما تبين أن حجم البذور ووزنها متشابه في المواقع الجغرافية المختلفة وان جني اللبان لا يؤثر على حجم البذرة في الأشجار الواقعة تحت الدراسة وكذلك لا علاقة بين حجم الشجرة وطريقة الجني والمكان الجغرافي ونسبة إنبات بذور أشجار اللبان.

وحول النتائج العامة للدراسة قال الدكتور محسن بن مسلم العامري إن أشجار اللبان في المنحدرات الجنوبية (الموقع الأول والموقع الثاني) التي تتأثر أكثر بالأمطار الموسمية أغزر إنتاجا لمادة اللبان. وكما أن هناك عامل ارتباط بين قوى ومتوسط (Coefficient of Correlation) بين إنتاج الشجرة من مادة اللبان والقياسات الحيوية للشجرة وهي: قطر الجذع، مساحة الجذع، مساحة قاعدة الجذع، حجم تاج الشجرة وقطر تاج الشجرة.  وأشار العامري إلى أن شجرة اللبان تنمو في بيئية جافة، تكون درجة الحرارة في الشتاء بين 7-33 وصيفا بين 21-41 درجة مئوية وكمية الأمطار تتراوح بين 88-160مم في العام.

كما أوضح أنه تبين وجود اتجاهين أساسيين لتسويق اللبان العماني، المعامل المحلية لاستخراج زيت اللبان، والسياح الذين يأتون خلال موسم الخريف، وقد اثبت التقييم الاقتصادي لعملية استخراج وبيع اللبان باستخدام معاییر الربحية التجارية وجود جدوى اقتصادية من عملية استخراج وبيع وتصنيع اللبان، وتتعاظم الربحية من اللبان في حالة تصنيع مشتقات اللبان.

التوصيات وسبل التقدم

وحول التوصيات التي خلصت لها هذه الدراسة قال الدكتور محسن بن مسلم العامري أن هناك ثلاث توصيات رئيسية ينبغي تنفيذها للمضي قدمًا في المحافظة على أشجار اللبان البرية، والتوصية الأولى هي ضرورة تقدير عدد الأشجار وتحديث حالة الحفظ التي يوصي بها الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) حيث تصنف شجرة اللبان (الاسم العلمي:Boswellia sacra ) ضمن الأنواع القريبة من التهديد بالانقراض (Near Threatened) في القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة. ولكن هذا التصنيف يرجع تاريخه إلى عام 1998 ويحتاج إلى تحديث. وحتى اليوم، عدد مجموعات أشجار اللبان في المناطق البرية في عمان غير معلوم، ولا توجد دراسات تقدم أساسًا مرجعيًا لأشجار اللبان في ظفار. وفي هذا الصدد، يُوصى بإعداد دراسة تحليل للأوضاع تركز على تقدير عدد هذه الأشجار ومدى تأثير إزالة الأشجار والرعي الجائر من خلال المسوحات الميدانية واستخدام تقنية الاستشعار عن بُعد والتصوير بالأقمار الصناعية. ويجب أن تتضمن هذه الدراسة الحدود المحلية وجزءا من مناطق أشجار اللبان (يُشار إليها باسم المنزلة) لتضمين الجانب الاجتماعي الاقتصادي والثقافي المحلي لإدارة الأراضي. ومن الممكن أن تساهم هذه الدراسة في النهاية في تحديث حالة الحفظ للشجرة في القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة.

أهمية تأسيس مركز اللبان

أما التوصية الثانية لا بد من تأسيس مركز اللبان نظرًا أن إدارة أشجار اللبان البرية تقع تحت اختصاص هيئات محلية عديدة، ومن الضروري تركيز الجهود تحت إشراف هيئة واحدة، والمُقترَّح أن تكون هيئة مثل مركز اللبان. وأن يعمل هذا المركز على تعزيز ثروة اللبان وتطوير خطط استثمار للاستفادة منها والحفاظ على استدامة إنتاجها باعتبارها إحدى الركائز التي يعتمد عليها اقتصاد ظُفار. ومن الممكن أن يجمع مركز اللبان بين العديد من أصحاب المصالح والسلطات المحلية المعنية بإنتاج اللبان والمتاجرة فيه مثل وزارة الزراعة والثروة السمكية، ووزارة البيئة والشؤون المناخية، ووزارة الصناعة والتجارة، وبلدية ظُفار، ومكتب مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية، ومكتب وزير الدولة ومحافظ ظفار، والهيئة العامة للصناعات الحرفية، والقوات المسلحة العُمانية.

ويُقترَّح على المركز النظر في إمكانية اتخاذ المبادرات التالية وهي: تطوير نظام تصاريح لجني الأشجار تحدد فيه مبادئ توجيهية واضحة لجميع أصحاب المصلحة، ولا سيما القائمين بجني وإدارة أشجار اللبان. ويمكن تطوير هذه المعايير من خلال مركز اللبان المقترح أو يمكن تطويرها بصورة منفصلة. وستتناول المبادئ التوجيهية لجني اللبان عوامل عديدة مثل تقنيات الجني، ونضج الأشجار، وحجم، ومكان وموضع تجريح الشجرة، وعدد مرات الجني لكل شجرة، وفترة الجني (تاريخ البدء وتاريخ الانتهاء)، ودورات الجني سنويًا، إلى آخره. ويُقترَّح وضع دليل لممارسات الجني الجيدة (Good Harvesting Practice) بناءً على المعرفة التقليدية وممارسات الإدارة العلمية الحديثة للغابات على حدٍ سواء.

إضافة إلى ذلك تطوير نظام إصدار شهادات للبان العُماني حيث يشتهر اللبان العماني مثل لبان الحوجري بجودته الممتازة. ولكن يتم الخلط بسهولة بينه وبين أنواع اللبان الأخرى في السوق، ولا يكون التمييز بينهما واضحًا للمستهلكين دائمًا. ولذلك، يُوصى بإعداد نظام لإصدار شهادات للمستهلكين لتمييز المنتجات المشتراه وجعلها قابلة للمقارنة مع غيرها. ويشمل هذا النظام على تطوير العلامات التجارية الوطنية، والتغليف والوسم الوطني (على غرار مصانع الجبن في فرنسا على سبيل المثال)، وتطوير نظام وطني لإصدار الشهادات للبان العُماني. وعادةً ما يرتبط إصدار الشهادات البيئية بالتأثير الإيجابي على أداء الصادرات. وتشمل فوائد أنظمة إصدار الشهادات إنتاج لبان ذي قيمة سوقية متزايدة، وزيادة فرص الوصول إلى المشترين الرئيسيين من خلال سلسلة الإمداد، وزيادة الطلب من المستهلكين النهائيين الذين لديهم وعي بيئي. ويمكن أن يصف نظام إصدار الشهادات المزايا الخاصة أو نقطة البيع الفريدة من نوعها (Unique Selling Point ) اللبان العماني بالمقارنة مع اللبان في أنحاء أخرى من العالم.

تنظيم التجارة في السوق المحلية والأجنبية

وكما يمكن لمركز اللبان المقترح أن يقوم بتنظيم تجارة اللبان في السوق المحلية والأجنبية حيث إن طريقة عمل المشاريع التجارية يمكن أن تحمي البيئة أو تضرها على حد سواء، وهذا يعتمد على طريقة التنفيذ رغم أن إقامة نمط من التجارة المستدامة الصديق للبيئة معقد وصعب، ولكن في حالة إعداد المشروع وتنفيذه بالشكل الصحيح، يمكن أن تعوض التكاليف المرتبطة بذلك. ويمكن أن تحقق التجارة المستدامة زيادة كفاءة استخدام الموارد من خلال الاستخدام واسع النطاق للمعايير البيئية، كما يمكن أن تؤدي سلاسل القيمة العالمية إلى تحسين كفاءة الموارد. وعلى الرغم أن اللوائح والمعايير البيئية قد تشكل عقبة أمام الوصول إلى الأسواق الأجنبية، إلا أنها يمكن أن تكون إحدى المزايا المحتملة لمُصدري السلع البيئية مثل اللبان. وفي مسيرة التحول نحو التجارة المستدامة، يتطلب مواجهة التحديات والعوائق بتضمينها في دراسة الجدوى الاقتصادية. وكما يجب عند تنظيم تجارة اللبان الأخذ بعين الاعتبار مناطق الإنتاج ومواسمه (مثل الموسم السياحي)، ويمكن أن يضمن أيضًا أسعار أكثر عدلاً في السوق.

وأشار الدكتور محسن العامري إلى انه يمكن كذلك استخدام مركز اللبان المقترح كمركز للبحث العلمي، ومركزا سياحيا للزوار في ظفار، وبنك وراثي للجينات ولحفظ التراث المعرفي المحلي. ويمكن أن يشتمل هذا المركز على معرض للمنتجات الإيكولوجية يضم مجموعة عديدة من المنتجات التي تستهدف تحقيق دخل للمجتمعات المحلية.

دراسات الحمض النووي الجينية

كما أوصت الدراسة بأهمية إجراء دراسات الحمض النووي الجينية لأشجار اللبان حيث يمكن أن يعزو التنوع المحتمل في نمو أشجار Boswellia sacra وشكلها وصحتها ومحصولها إلى التنوع الجيني أو الوراثي بين أنواع هذه الأشجار وبالتالي يُنصح بإجراء المزيد من الدراسات لتحديد هذه الصلة بأسلوب علمي. وكما أن هذه الدراسة الجينية ستخدم أيضًا الأغراض التصنيفية وتقرر ما إذا كانت شجرة Boswellia sacra يوجد منها في ظفار نوع واحد فقط، وهو نوع sacra أو أكثر من نوع، وهل هناك ما تحت النوع/‏‏‏فريعة في الجنس Boswellia في عمان.