facebook twitter instagram youtube whatsapp


No Image
إشراقات

التسخير في القرآن الكريم

22 سبتمبر 2022
تأملات قرآنية

لو نظرنا إلى الإنسان، وما هيأ الله له من بيئات ونعم وهبات لكي يقوم بمهمته التي أوكلها الله له في هذه الحياة الدنيا من استخلاف للأرض وعبادة لله تبارك وتعالى لوجدنا أنه بالإضافة إلى ذلك سخر له ما في الأرض السماوات والأرض، ولو تأملنا الأجرام السماوية الكبيرة والنجوم البعيدة لوجدنا أنها مسخرة للإنسان، أي أنها لجانب حركتها في الكون ودخولها وفق ناموس كوني عظيم إلا أن الإنسان يستطيع أن يستفيد من وجودها.

ولو نظرنا عن قرب للآيات التي ذكرت كلمة التسخير في القرآن الكريم لوجدنا أنها أطلقت على العديد من الأمور، ولكن أكثرها ذكرًا هي الشمس والقمر والليل والنهار، فكل الموجودات التي تقع في نطاق حياة الإنسان هي مسخرة له من قبل الله تبارك وتعالى: فنجد الكتاب العزيز يقول في سورة الجاثية: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) أي كل ما سخره الله للإنسان سواء كان في السماوات أو في الأرض فكله من عند الله عز وجل، وفي هذا التسخير معاجز وآيات يتأملها ويتفكر فيها أولو الألباب.

فمظاهر القدرة الإلهية المتمثلة في النواميس الكونية التي تعمل بنظام دقيق معجز وفق قوانين ربانية مبهرة تُدْهشُ منها عقول المتأملين في دلائل على قدرة الله، وهيمنته على خلقه، فنجد القرآن الكريم يعدد هذه المظاهر في سورة البقرة في قوله: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) فذكر كل هذه الأمور المعجزة المدهشة، ولكنه خص السحاب بالتسخير؛ لأن هذه الآية الكريمة ذكر الله فيها إحياء الأرض وحياة الموجودات عليها الذي لا يكون إلا بالماء، فالسحاب مصدر تلك المياه فهو إلى كونه منبع الرزق، وبشارة الحياة بالمطر، فبالإضافة إلى ذلك نجد ثبوت السحاب بين السماء والأرض وعدم تبدده فهو محصور في طبقات محددة فما الذي يحبسه على هذا الارتفاع فهو منظر معجز يتأمله المتفكرون.

ونجد القرآن الكريم يتحدث عن ديمومة هذه المظاهر وكيف أنه سخرها لبني آدم وأنها تمضي لأجل مسمى فقال في سورة الرعد: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ)، وقال في سورة إبراهيم: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)، كما أننا نجد كتاب ربنا يؤكد على هذه الآيات الكونية، ويذكرها في الكثير من المواضع؛ لأنها آيات تدل الإنسان على عظمة وقدرة الخالق، وهي آيات تدخل في حياة الإنسان ويعيشها بشكل دائم، وكل ذلك مرجعه ومرده إلى الله عز وجل فكل ذلك مسخر بأمره، ويقول ربنا في سورة النحل: (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ).

كما أن الكتاب العزيز يلفتنا إلى أمر يتعلق بتعاقب الليل والنهار وساعات الشروق والغروب، فيقول في سورة لقمان: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) فتجد ساعات الليل تدخل في ساعات النهار، وكذلك العكس، كما أن الكتاب العزيز تحدث عن الليل وكيف أنه يغشى ويغطي النهار بتدرج عجيب، لما في هذه المظاهر من روعة الغروب فقال تعالى في سورة الأعراف: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).

ومن المشاهد العظيمة التي سخرها الله للناس هو إبحار السفن وطفوها على الماء، وكيف أنها لا تغرق، وكيف أن الله خلق لها قوانين فيزيائية تبقيها طافية على الماء ولا تغوص وتغرق فيه، فقال تعالى في سورة إبراهيم: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ).

كما ذكر الله في كتابه الكريم كيف أنه سخر البحر للبشر يأكلون منه، ويستخرجون منه الحلي من اللؤلؤ والمرجان، وكذلك تنقلهم عبره من خلال السفن، فقال تعالى في سورة النحل: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). وقال في سورة الجاثية: (اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).

ولو تأملنا في آية من سورة الحج وهي قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) فكما أن الله يمسك السفن كي لا تغرق، كذلك يمسك السماء كي لا تقع على الأرض، والمقصود بالسماء كل ما يدور فيها من كواكب وأقمار ونجوم.

وكذلك من المظاهر التأملية هو فرد الطيور أجنحتها في الهواء وهو يتدفق من خلالها فقال تعالى في سورة النحل: (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).

وهنالك تسخير خاص لأنبياء الله ورسله والخاصة من خلقه، فنجد أن الله تبارك وتعالى سخر مع داود -عليه السلام- الجبال يسبحن معه والطير، فقال تعالى في سورة الأنبياء: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚوَكُنَّا فَاعِلِينَ) وقال في سورة ص: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ). وكذلك سخر الله لابنه النبي سليمان -عليه السلام- الريح تجري بأمره والشياطين يستعملهم في خدمته فقال تعالى: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ).

كما أننا نجد هنالك تسخير للتعبد، فنجد في سورة الحج آيتين تذكران كيف أن الأنعام سخرها الله للأكل وكذلك تدخل في الشعائر التعبدية، فقال تعالى: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وقال في آية أخرى: (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ).

أعمدة
No Image
السِّتارة المسرحيّة
ماذا يُمكن أن يجري وراء السِّتارَة المسرحيّة؟ذات يوم في شهر وفَصلٍ غير معلومين حوالي عام 1601م كتب الشاعر والمسرحي الإنجليزي وليم شكسبير رائعته الخالدة البهيّة مأساة الأمير هاملت مازجا فيها أولا بتعبير الأرديس نيكول "عدة عناصر مميزة في وحدة متكاملة ليصور روح المأساة تصويرا تاما [...] ويمكن تسمية هذه العناصر:...