الخروصي: هناك من يشكك في دين الله ويأتي بالشبهات والمطاعن.. لكن الله تكفل بإتمام نور دينه
قصة «الغرانيق».. محض افتراء لا سند لها ولا متن -
متابعة : سيف بن سالم الفضيلي -
أوضح فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن الشيطان يقذف في الناس ما يصدهم عن قبول دين الله تبارك وتعالى فيوسوس اليهم ما يخوفهم من قبول الهدى والحق والنور الذي جاء به الأنبياء والمرسلون ويبعث فيهم من الأوهام والخرافات ما يصرفهم عن آيات الله عز وجل ويتوعدهم بزوال ما هم فيه من السلطة والمنزلة والمكانة ويُنسيهم ما يؤولون إليه.. جاء ذلك أثناء تفسير قوله تعالى: « وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ »، موضحا فضيلته أن ما يذكره البعض من قصة الغرانيق فهو محض افتراء ولا يصح أن يوجد في كتب التفسير ولا في كتب السنة النبوية لأنه مخترع موضوع باطل مكذوب، لا سند ولا متن.. جاء ذلك في ثنايا إجاباته المطروحة في سؤال أهل الذكر.. فإلى المزيد من هذا الطرح حول هذا الموضوع:
قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).. ما تفسير هذه الآية؟
أجاب فضيلته قائلا: أكثرت طائفة من المفسرين في بيان معنى هذه الآية الكريمة وأدخل فيها ما يليق بكلام الله عز وجل ولا لمنزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يبلّغه عن ربه تبارك وتعالى وتكلّف طائفة منهم أيضا في صرف معنى هذه الآية الكريمة إلى ما لا يحتمله لفظها لنقرر أولا معناها الذي لا يخرج عن النسق العام لله عز وجل الذي وصفه الله لنا ربنا جل وعلا حينما قال: «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» فمن المعلوم أن أمنيّة كل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام أن يبلّغوا دين الله للناس بإيصال الهدى إليهم وإقامة العدل وبسط التوحيد والدعوة إلى عبادة الله تبارك وتعالى والدعوة إلى مكارم الأخلاق وأن يتقبل الناس دين الله عز وجل فيوّحدوه ويعبدوه ويقيموا حياتهم على أسس من الأخلاق والفضائل والمكارم.
وأشار إلى أن قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).. هذه هي أمنيته « أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ» فإن الشيطان يلقي أي يقذف في الناس ما يصدهم عن قبول دين الله تبارك وتعالى فيوسوس اليهم ما يخوفهم من قبول الهدى والحق والنور الذي جاء به الأنبياء والمرسلون ويبعث فيهم من الأوهام والخرافات ما يصرفهم عن آيات الله عز وجل ويتوعدهم بزوال ما هم فيه من السلطة والمنزلة والمكانة ويُنسيهم ما يؤولون إليه وما مر به من قبلهم هذا هو معنى الآية الكريمة وهو متسق تماما مع السياق الذي وردت فيه ومع سياقات أخرى في كتاب عز وجل.
وأضاف: وأما ما يذكره بعضهم من قصة الغرانيق فهذا محض افتراء ولا يصح أن يوجد لا في كتب التفسير ولا في كتب سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه مخترع موضوع باطل مكذوب، لا سندا ولا متنا يمكن أن يقبل فينسب إلى رسول الله صلى عليه وآله وسلم بل فيه مطعن في ذات الوحي الذي يبلغه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس مما يوحيه إليه ربه تبارك وتعالى . ولا حاجة لنا إلى ذكرها لأنها مما ينبغي أن تطمس ومن بحث قليلا وجد هذه الرواية. وبيّن فضيلته قائلا: ومن العلماء من يرى أن معنى «تمنّى» أي «قرأ» وينسبون في ذلك بيتا إلى حسان بن ثابت يرثي به عثمان بن عفان في مقتله واختلفوا في عجز البيت أي في شطره الثاني ولذلك شكك كثير من المحققين من المفسرين في صحة نسبة هذا البيت إلى حسان وهذا يعني أيضا التشكيك في حجيته مع أن عددا من علماء اللغة أي من علماء معاجم اللغة العربية يذكرونه ولكن حتى لو قيل به فإنه لا تعارض بينه وبين ما تقدم فإن المقصود انه ما يتلونه من كتاب أو من وحي أوحي اليهم إنما يدعو إلى الهدى والتوحيد والى عبادة الله تبارك وتعالى والى المكارم والفضائل، فيلقي الشيطان ما يضاد هذا الذي يشتمل عليه الوحي الذي يبلغونه إلى الناس لا ريب انه يعترض على هذا في التفريق بين النبي والرسول والآية حجة في التمييز بين النبي والرسول - وان كان هذا ليس محل حديثنا - لكن الآن فيما يتعلق بتفسير أن «تمنى» بمعنى «قرأ» انه ليس النبي موحى إليه بكتاب قد يكون مما يتلوه كتب من تقدمه من الأنبياء أو ميراث النبوات السابقة يبلغها إلى أقوامه لكن هذا يعكر على هذه المعنى بالإضافة إلى ما تقدم من ضعف ثبوت نسبة هذا البيت إلى حسان بن ثابت، واغلب معاجم اللغة حسبما علق بذهني الآن عوّلت على بيت حسان في القول إن «تمنى الكتاب» أي «قرأ الكتاب» ولكن لا حاجة لنا إلى هذه التكلف لأنه معنى ظاهر وهو متفق مع سياق الآية الكريمة ومع ما ورد في كتاب الله عز وجل.
لا تؤيد هذا المعنى
بعض التفاسير تمنح الشيطان جزءا من علم الغيب فعندما يولد النبي يضرب بيده في خاصرته وقد فعل ذلك مع الكل إلا مع عيسى عليه السلام، الآن الذي دفع المفسرين الى اعتماد هذا النوع من الروايات هو قوله تعالى: «فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ»، هل «ينسخ الله» تؤيد هذه الرواية أم أن هذه الرواية ليست صحيحة؟.
لا تؤيد هذا المعنى أبدا هذه الرواية ليست صحيحة بل انه كما تقدم هذه الآية الكريمة والسياق الذي وردت فيه تؤكد ما تقدم من معنى واضح جلي، فإن دين الله تبارك وتعالى هو الغالب، لا يزال إلى يومنا هذا هناك من يشكك في دين الله تبارك وتعالى هنالك من يطعن فيه ومن يأتي بالشبهات والمطاعن والأقاويل ينسبها إلى دين الله تبارك وتعالى ولكن الله تبارك وتعالى تكفل بإتمام نور دينه «هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله» وقال: «وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» فهذا المعنى قائم ويؤكده أيضا قول الله تبارك وتعالى: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا».
الفطرة تدعو إلى الترقي
إذا جئنا إلى وظيفة الشيطان وعمله، ذكرتم بأنه يوسوس ويدعوهم إلى التكذيب إلى غير ذلك، الإنسان معلوم بطبيعته انه إذا جاء من يسلبه ملكه أو يحاول أن يقلل من تأثيره الاجتماعي أو يحاول أن يجعله كبقية الناس متساويا معهم دون تفرقة طبقية، فإنه سيعاند وسيرفض وسيكذب هذه الرسالات الداعية إلى هذا، أين تأتي وظيفة الشيطان هنا؟
في تزكية هذه المشاعر وفي إذكائها وفي تقويتها لدى هذا المخاطب وله مداخل أخرى، فلا ريب أن الله تبارك وتعالى حينما فطر أنفس الناس بين حقيقتها فقال «وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا» فالشيطان يعزز فيها الغوايات والفجور ووازع الإيمان بالله تبارك وتعالى وأصل فطرة هذا الإنسان تدعوه إلى الترقي والى درجات الكمال ولذلك قال: «وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا».
بالشكر تدوم النعم
في قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ»، هل في هذه الآية يكون التغيير في السراء وفي الضراء أيضا، وما المقصود بأنفسهم، وهل لعلم النفس علاقة بهذه الآية؟
أولا لنبين معنى الآية الكريمة وقد ورد هذا المعنى في موضعين ورد في قوله تبارك وتعالى: «ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» وورد في قوله في سورة الرعد: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ»، والمقصود هو أن الله تبارك وتعالى لا يسلب نعمة أنعمها على قوم حتى يجحدوا حقوق هذه النعمة فيكفروا بالله تبارك وتعالى ولا يؤدوا حقوق ما انعم الله عز وجل عليهم أو بسط لهم من رزق أو عدل أو أمن وأمان فبسبب ما أتوه من أسباب الجحود والكفران والإعراض فإن الله تبارك وتعالى يسلب عنهم يغيّر أحوالهم يسلب عنهم ما بسطه عليهم من نعم وأرزاق ويغير عليهم أحوالهم هذا هو المعنى الأصلي الذي ورد في كتاب الله عز وجل يستشهد بها عدد من الناس في تغير الأحوال إلى ما هو احسن وهذا أيضا يمكن أن يؤخذ من مفهوم الآية الكريمة لأن الله تعالى يقول: «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ»، فحينما يشكر الناس نعمة الله تبارك وتعالى عليهم تدوم النعم وإذا ما وقعوا في شيء من الخطايا أو الذنوب والمعاصي فتابوا وأنابوا إلى الله تبارك وتعالى وأقاموا حياتهم على القسط وأخذوا بما أمرهم به ربهم تبارك وتعالى فإن الله عز وجل يغير أحوالهم أيضا من السوء الذي كانوا عليه إلى الحق والهدى والنور والرشد، لكن هذا يفهم فهما من دلالة المفهوم، أما منطوق الآية الكريمة فهو ما تقدم من أن تغيير الناس ما بأنفسهم وواقع حياتهم من جحود للنعم وعدم أداء للحقوق وتضييع لعبادة الله تبارك وتعالى أو توحيده أو للأخلاق الكريمة التي يدعوهم إليها دينه فإن ذلك مؤذن بزوال هذه النعم وبتغير أحوالهم وبدخولهم في مرحلة أخرى جديدة عسى أن يتوبوا ويرجعوا إلى رشدهم.
وأضاف: أما ما يتعلق بعلم النفس فلا ريب أن كل العلوم النافعة التي تبين طوايا هذه النفس الإنسانية والمراحل التي تكون فيها ما يزكيها وما يدسها وان تدرس هذه النفس، نفس الأفراد وأنفس المجتمع ويتبين من خلال ما يتكشف بهذه العلوم النواميس والقوانين والسنن الجارية الماضية عليهم فإن هذا مما يسعف أيضا في فهم الآية الكريمة أما أن كان يقصد شيئا آخر خاصا فليبين حتى نتمكن من الجواب عليه.
