هل يتخلى العرب عن الرخاوة الاستراتيجية ويتدبرون دروس الحرب؟

15 مارس 2026
15 مارس 2026

على مدى الأعوام الخمسين الماضية فيما سُمّي عصر السلام والتطبيع دخل العرب في حالة رخاوة استراتيجية مخيفة سمحت للأمريكيين مباشرة أو عبر إسرائيل أن يجعلوا من منطقتهم ميدان رماية مفتوحًا للغزو والاحتلال، أو تفتيت الدولة الوطنية أو شن الحروب والمؤامرات على بعضهم بعضًا.

تعملقت إسرائيل في دول عربية بالقوة وبالعهد الإبراهيمي، وتمددت في الفراغ العربي إيران وتركيا والهند، وحتى إثيوبيا -التي كانت أنهكتها الحروب والانقلابات- جاءت من يعيد لتعبث في شريان الحياة في وادي النيل وأمن البحر الأحمر.

تقدم الحرب الجارية على إيران فرصة نادرة للعرب ليخرجوا من حالة الرخاوة الاستراتيجية وفقدان الهمة.

استغلال هذه الفرصة مرهون بقدرة العرب على القيام بمبادرة جماعية وقطرية لتفكيك دروس هذه المواجهة، واستيعاب مزاياها وعيوبها.

هذه محاولة أولية لإعادة تفكيك وتحليل هذه الدروس المطروحة على العقل الاستراتيجي العربي.

وتبدأ هذه المحاولة من ملاحظة أن هذه الحرب المستعصية في هذه اللحظة على توقع حاسم بنتيجتها قد تضمنت حتى الآن سقوطًا مروعًا للسيناريوهات التي بدأت بها الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب.

سقط سيناريو أن استراتيجية قطع الرأس ستقود لانهيار النظام؛ فبعد قتل المرشد علي خامنئي و٤٠ من كبار القادة لم ينهر النظام، ورد بعمليات عسكرية طالت معظم الإقليم بعد ساعتين أو ٣ ساعات.

سقط سيناريو أن قتل المئات من أطفال المدارس، ومسح مناطق بأكملها بطائرات بي ٥٢ سيفرزان قائدًا إيرانيًّا مثل المارشال بيتان يعلن الاستسلام التام غير المشروط، كما فعلت فرنسا بعد الغزو النازي.

سقط سيناريو أن تؤدي الغارات إلى ثورة الشعب الإيراني على النظام والنزول لإسقاطه، بل ما حدث هو العكس؛ لقد توحدت معظم القوى ضد العدو الخارجي.

سقط سيناريو الانقسام داخل النظام بين النخب الإصلاحية والنخب المحافظة أو بين النخب العسكرية والنخب السياسية، وسقط سيناريو فنزويلا الذي وافقت فيه نائبة مادورو ليزلي رودريغيز على الحلول محله والتفاهم مع الأمريكيين على إدارة مشتركة لسياسة ونفط فنزويلا.

لم يتقدم أحد للعب هذا الدور، بل إمعانًا في التحدي تم اختيار ابن المرشد المعروف بتشدده أكثر من والده تجاه أمريكا وإسرائيل، وتوسع نطاق المواجهة الجيوسياسية، وصعدت مستويات الرد الصاروخي، ورد المسيرات بما في ذلك تنشيط فعال لجبهتي الإسناد في العراق ولبنان.

الدرس الأول هنا هو أن النظام الإيراني قدم نظامًا متعدد الطبقات والمؤسسات توازن سلطات بعضها البعض، وتنسق مع بعضها بعضًا، وليس نظامًا فرديًّا يقوم على شخص واحد أو على مؤسسة واحدة.

حتى الصلاحيات الهائلة للمرشد هي نتاج تفاعلات هذه المؤسسات، وقيام المرشد بضبط علاقات التعاون والتنافس بين المؤسسات والأجنحة المختلفة سواء مؤسسة مكتب المرشد أو مؤسسة الحرس الثوري أو مؤسسة القوات المسلحة أو مؤسسة الحكومة والرئيس والبرلمان والقضاء مرورًا بمجالس الخبراء وتشخيص مصلحة النظام وصيانة الدستور الخ.

يسمح هذا للنظام بالعمل الذاتي حتى لو اختفى المرشد نفسه، كما أظهرت تجربة الأسبوعين الماضيين من الحرب.

تحتاج المنطقة العربية إلى تطوير جوهري في زيادة البعد المؤسسي لنظمها السياسية، وتقليل الاعتماد على الروح الفردية، والتأكد من أن هناك ميكانيزمات ذاتية للدولة ومؤسسات النظام السياسي قادرة على التعامل مع اللحظات والمفاجآت المصيرية دون حدوث هزات.

الدرس الثاني الذي مكن الإيرانيين من الصمود حتى الآن رغم الاختلال المخيف في موازين القوى لصالح أمريكا وإسرائيل هو وجود نظام كفء لتفويض السلطة وتوزيع الصلاحيات سواء على المستوى «الهيراركي» في سلم السلطة أو على المستوى الجغرافي.

لاحظ الجميع في هذه الحرب أن القادة المحليين في ٣١ محافظة يتخذون القرارات، ويصدرون أوامر الاشتباك دون تردد ودون الحاجة للرجوع للعاصمة أو المستوى السياسي أو العسكري الأعلى.

الدرس الثالث -وربما الأهم- هو الدرس الاستراتيجي ذو البعد العسكري الذي عرفت فيه إيران أن أي مواجهة معها ستكون مواجهة غير متكافئة تستدعي ما يعرف أحيانا بعقيدة الردع غير المتماثل.

فأمام التفوق الجوي المخيف لسلاح الجو الأمريكي والإسرائيلي، وضعف الدفاع الجوي الإيراني في التصدي للطائرات الشبحية مثل إف ٣٥ قامت إيران ببناء ترسانة صواريخ باليستية هجومية لتوجيه ضربات موجعة للمناطق العسكرية والسكانية في إسرائيل، وتقوم من ناحية أخرى على بناء ترسانة كثيفة من الطائرات المسيرة مهمتها استنزاف وسائل الدفاع الجوي في القبة الحديدية الإسرائيلية وإرباكها؛ وبالتالي ضمان وصول نسبة من الصواريخ الباليستية لأهدافها، وإيلام العدو، وإجباره على وقف الحرب، كما حدث العام الماضي بعد ١٢ يوما بناء على طلب إسرائيل.

ربما يحتاج العرب طفرة في بناء ترسانتين للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة مثل الإيرانيين تمثل ردعا لإسرائيل، خاصة وأن كل الدلائل تشير إلى أن الحرب الجارية تستهدف بالأساس إسقاط الشاغل الإقليمي الوحيد الذي كرست أمريكا وإسرائيل معظم مواردها في العقود الثلاثة الأخيرة لإزالته.

ومن شأن إزاحة الشاغل والعائق الإيراني تفرغ إسرائيل للهيمنة على العرب، ورسم خرائط دولهم من جديد، وإقامة إسرائيل الكبرى.

مقارنة بإيران وتركيا تظل الدول العربية متأخرة في هذا المجال، وما زالت تميل للسلاح التقليدي، وهي في حاجة إلى إعادة نظر في استراتيجية التسليح والتصنيع العسكري.

لتتجه نحو ما يسميه خبراء بنموذج «الردع الرخيص والكثيف» (المسيرات والصواريخ) الذي اعتمدته إيران والذي بات ضرورة للدفاع العربي وليس ترفًا.

الدرس الرابع هو درس عكسي على العرب أن يتفادوه يتعلق بوجود اختراق كبير في النظام الأمني الإيراني لصالح المخابرات الإسرائيلية والغربية، والذي مكن إسرائيل من الوصول لقيادات النظام وأهم علمائها النوويين، وتكوين خلايا مسلحة وسيبرانية تقوم بالتعطيل والتخريب، وتسليح أقليات.

وإذا كان حدث ذلك في دولة لم تفعل شيئا منذ ٤٧ عاما سوى محاولة تعقب الاختراق القديم من الموساد والسي آي أيه لأجهزة الأمن الإيرانية منذ أيام الشاه السابق؛ فما بالك بالدول العربية التي فتحت أبوابها بعد السلام والتطبيع للاختراق السياحي والاقتصادي والثقافي؟ الجهد المحدود المبذول في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي للدول العربية ما زال غير كاف مقارنة بإسرائيل حتى بإيران نفسها، بل إن بعض العرب يعتمد على تقنيات تجسس إسرائيلية.

إن الحاجة إلى تطوير خوادم وطنية وبرمجيات تشفير وطنية للاتصالات، ووقف التعاون الأمني مع إسرائيل أو مع من ينسق معها أمنيا باتت من أهم قضايا جدول الأعمال؛ اتعاظا من تجربة الحرب الإيرانية. باختصار فإنه من دون إنهاء حالة الغفلة العربية، واستخلاص دروس المواجهة القائمة سيظل العرب يتدحرجون نحو الخروج الكامل من التاريخ.

حسين عبد الغني إعلامي وكاتب مصري