لماذا تختلف صدمة النفط الحالية عن سابقاتها؟

13 أبريل 2026
ترجمة: قاسم مكي
13 أبريل 2026

لا تزال نتيجة حرب إيران غير واضحة، لكن صدمة النفط التي نتجت عنها كشفت عن ضعف جديد في الاقتصاد العالمي.

لم يحدث أبدا أن دخل العالم في أزمة من أي نوع بمثل المستويات المرتفعة الحالية للعجوزات والديون العامّة. فهذا العبء المالي سيحدّ من قدرة الحكومات على امتصاص أثر ارتفاع أسعار الطاقة.

شهد العالم أولى الصدمات النفطية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في السبعينيات ومع بداية حقبة جديدة عندما أصبحت الحكومات تسجل عجوزات في الموازنة دائما وليس أحيانا. وقتها كان العجز في الولايات المتحدة وبلدان كبيرة أخرى يتراوح في العادة عند حوالي 2% من الناتج المحلي الإجمالي. أما اليوم فقد زاد متوسط العجز بأكثر من الضعف. نتيجة لذلك ارتفع معدل الدين الحكومي لبلدان مجموعة السبع في المتوسط من 20% من الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 100%.

تحاول الحكومات التعامل مع صدمة النفط الحالية بطريقة مماثلة لتعاملها مع الصدمات الماضية. من بريطانيا وفرنسا إلى البرازيل والهند توضع ضوابط على الأسعار وبرامجُ تقنين ودعومات لمختلف أنواع الوقود من النقل والى الطهي. لكن هذه المرة لا تستطيع الحكومات تدبير تكلفة الإجراءات التلطيفية. كما تحذر أسواقُ الدين العالمية من الزيادات في الإنفاق. في العادة تتراجع أسعار الفائدة طويلة الأجل أثناء الأزمات مع توقع الأسواق تباطؤا في النمو وتيسيرا للسياسة النقدية. الاستثناءات في ذلك صدمات الطاقة الكبيرة عندما ترتفع أسعار الفائدة طويلة الأجل مع توقعاتٍ بارتفاع معدلات التضخم.

اليوم ترتفع عوائد السندات مرة أخرى لكن لسبب مختلف. لا تزال توقعات التضخم في الأجل الطويل مستقرة. غير أن الأسواق تخشى من أن تؤدي صدمة النفط الإيرانية إلى مزيد من الإنفاق فوق العجوزات والديون المتزايدة بسرعة. وهذا ما يقود إلى علاوة أجلٍ أعلى للسندات (يطلبها المستثمرون في الديون تعويضا لهم عن طول مدة الدين وما يرتبط بها من مخاطر أو عدم يقين تجاه سعر الفائدة ومعدل التضخم - المترجم.)

في العام الماضي ارتفعت مستويات إجمالي الدين العالمي بسبب الاقتراض الحكومي بأسرع وتيرة لها منذ جائحة كورونا إلى رقم قياسي بلغ 348 تريليون دولار أو أكثر من ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وهذا يجعل قلة قليلة من الحكومات في وضع يمكِّنها من اتخاذ إجراءات تحفيزية جديدة لتنشيط الاقتصاد.

تجد البنوك المركزية نفسها في مأزق مماثل. لقد عملت إلى جانب الحكومة في العقود الأخيرة على تقديم حوافز عند أول إشارة على حلول المتاعب. لكن لا يمكِنها فعل ذلك بنفس السهولة الآن. فبنك الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) فشل في تحقيق معدل التضخم الذي يستهدفه وهو 2% في كل شهر وعلى مدى 60 شهرا على التوالي.

كما أخفقت مؤخرا ثلاثة من بين كل أربع بنوك مركزية في البلدان المتقدمة وواحد بين كل اثنين في البلدان الصاعدة في بلوغ معدلاتها المستهدفة أيضا. وحتى إذا أبطأت صدمةُ النفط نموَّ الاقتصادات قد تعجز البنوك المركزية عن فعل أي شيء. فالصدمة تدفع بالتضخم إلى أعلى أيضا.

أكثر البلدان ضعفا هي التي توجد بها أعلى ديون وعجوزاتٍ حكومية وتفشل بنوكها المركزية في تحقيق المعدل المستهدف للتضخم. من بين أبرز هذه البلدان في العالم المتقدم الولايات المتحدة وبريطانيا وفي العالم النامي تتصدّرها البرازيل ومصر واندونيسيا.

بنفس المقاييس، هنالك قلة من الاقتصادات المنيعة نسبيا. وهي غالبا أصغر حجما كتايلاند وفيتنام وأيضا السويد التي رغم كونها دولة رفاه إلا أنها تسجل عجزا في الموازنة يقل عن 2% من ناتجها المحلي الإجمالي.

وفي حين يشكل الاكتفاء الذاتي من موارد الطاقة حماية للولايات المتحدة من صدمة النفط إلا أنها تتأثر إذا طالت الحرب لأنها سجلت أعلى عجز في العالم المتقدم في العام الماضي يقارب 6% من الناتج المحلي الإجمالي.

يقرع المنذرون بالكارثة نواقيس الخطر على مدى عقود. ولا توجد عتبة واضحة من المرجح أن يثير عجزُ الموازنة متاعبَ اقتصادية إذا تخطاها. لكن رد فعل سوق السندات يرسل تحذيرا هذه المرة. كما توحي مؤشرات أخرى (مثل تجاوز مدفوعات الفائدة على الدين الأمريكي الموازنةَ الدفاعية الآن) بأن عبء الدين الذي يتعدى نسبة 100% من الناتج المحلي الإجمالي يشكل قلقا متزايدا

اعتادت واشنطن على الإنفاق وكأنه بلا حدود. ففي العام الماضي زاد الرئيس دونالد ترامب الإنفاق الدفاعي بحوالي 150 بليون دولار قبل أن يضاعفه ثلاث مرات مؤخرا. كما اقترح تعزيز ميزانية البنتاجون بحوالي 500 بليون إضافية لتصل إلى 1.5 بليون دولار تعوَّض جزئيا فقط بتخفيضات في مخصصات أجهزة الحكومة الأخرى.

هذه الإجراءات التي تضاف إلى إعفاءات ضريبية جديدة وبنود إنفاق أخرى مستنزفة للخزينة العامة من شأنها رفع عجز الموازنة في الولايات المتحدة إلى ما يقارب 7% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026.

هذا ما يجعل صدمة إيران مختلفة عن الصدمات التي سبقتها. في الماضي تعرَّض اقتصاد العالم إلى قفزاتٍ أكثر حدة في أسعار النفط وأصبح أكثر كفاءة في استخدام الطاقة. هذا ما ينبغي أن يلطف من أثر ارتفاعها الحالي. لكن أي ارتفاع في أسعار النفط لفترة طويلة سيضخِّمه في الغالب افتقارُ الحكومات إلى أدوات السياسة الاقتصادية الكافية للتصدي له.

هذه الهشاشة الجديدة ستعرّض اقتصادَ العالم ليس فقط للتداعيات الناجمة عن الحرب في إيران ولكن لكل صدمة في المستقبل المنظور.

روتشير شارما رئيس مجلس إدارة روكفلر انترناشونال. أحدث كتبه بعنوان «ماذا أصاب الرأسمالية»

الترجمة عن الفاينانشال تايمز