عبد الحليم حافظ: يشبه من؟!
يوسف القعيد -
يقولون في الشارع المصري، وما يقولونه يمكن أن يصبح جزءا من الفولكلور المعبر عن الوجدان الشعبي. يقولون إن الفترة التي قضاها الفنان أحمد زكي في الغيبوبة كان يتم تصويره كجزء من مشاهد فيلمه عن حليم. باعتبار أن الغيبوبة التي مر بها زكي تعبر عن لحظات حليم الأخيرة أصدق تعبير. يقولون إن ناقل الكفر ليس بكافر. فما بالك إن كان المنقول كلاما يردده العامة معبرين عن شطحات الخيال الشعبي. وبعضها يمكن أن يكون قريبا من الحقيقة أحيانا.
الذي جعلني أدون هذا الكلام الشفهي الذي سمعته ما نشرته الصحف السيارة: إن الفنان أحمد زكي قبل دخوله الغيبوبة مباشرة طلب أن يتم تصوير جنازته. حتى يختم بها فيلم حليم. وتبدو أمام الجمهور كما لو كانت جنازة عبد الحليم حافظ. لأن الكاميرا لن تدخل النعش. ولكن مات أحمد زكي بسبب المرض. ولم يدرك أن باقي المشهد الذي سيحيط بالنعش سيبدو مختلفا لحد التناقض التام عن جنازة حليم. لا المباني هي نفس المباني ولا الناس هم نفس الناس. لافتات الشوارع تغيرت. وإن كان من السهل أن يكون النعش نسخة من النعش نفسه. فمن المستحيل استبدال تفاصيل الواقع. إن إعادتها إلى ما كانت عليه في مارس 1977. وذلك زمان بعيد سيبدو من رابع المستحيلات. ومن يطالع صور القاهرة في ذلك الزمان سيكتشف أنه بعيد جدا عنها وقت وفاة أحمد زكي.
الأقدار هي التي جمعت أحمد زكي وعبد الحليم حافظ في جملة واحدة. لأنـه بعيد عن التشابهات بينهما وهي كثيرة. فقد سألت أكثر من صديق مقرب من أحمد زكي سؤالا بديهيا وبسيطا: هل التقى أحمد زكي بعبد الحليم حافظ؟ هناك ألف سبب كان يجب أن يجعل هذا اللقاء يتم. أبسطها وأهمها: أنهما ينتميان لمحافظة واحدة هي الشرقية. ولد حليم في قرية الحلوات. وولد أحمد زكي في قرية الحسينية القريبة من مدينة الزقازيق. يسبق هذا أو يأتي بعده مباشرة. الشهرة الكاسحة المكتسحة لحليم في الوقت الذي طرق فيه أحمد زكي أبواب القاهرة بحثا عن فرصة عمل.
ما سمعته أن لقاء يتيما جمع بين الفنانين اليتيمين. وذلك عندما ذهب حليم لمشاهدة مسرحية مدرسة المشاغبين تحية لعادل إمام. وطلب من عادل إحضار الولد الأسمر الذي يمثل معه في المسرحية. وعندما جاء أحمد زكي. قال له حليم: سوف يكون لك شأن كبير في عالم التمثيل. وعده حليم أن يمثل معه في فيلم لا. الذي لم يمثله. لأن الموت كان أسبق إليه. من يومها وأحمد زكي يقول عن عبد الحليم إنه شقيقه. وجمعت بينهما أمور كثيرة.
منها أن صلاح جاهين كاتب معظم أغاني حليم. الذي كتب أكثر من عمل لسعاد حسني «حبيبة حليم» وأحمد زكي. بل إن أحمد زكي عندما سافر إلى لندن في البداية للعلاج اكتشف أن الطبيب الذي عالجه هو نفسه الطبيب الذي سبق أن عالج عبد الحليم حافظ من قبل. والسؤال هل حدثت لقاءات أخرى بينهما؟!
الإجابة عند أحمد زكي. ولن نسمعها منه. أحمد زكي جاء إلى القاهرة فـي أواخر الستينات. 68، أو 69 على الأرجح. والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية. وتخرج منه عام 1973 وظهر لأول مرة في السينما في العام الذي يليه. وهى سنوات مجد وعز عبد الحليم حافظ. سنوات تحليقه في سماء مصر والوطن العربي. أعرف أن جميع الفنانين المصريين مطربين أو ممثلين الذين جربوا حظوظهم في هذه السنوات حاول كل واحد منهم أن تكون له قصة مع عبد الحليم. وأن يرددها كثيرا.
عبد الحليم حافظ ولد في 21/6/1929، وعندما قامت ثورة يوليو 1952، كان عمره 23 عاما، واستقبل الحياة معها، وتربى في أحضانها. لذلك غنى لها. حتى أغانيه الرومانسية الجميلة رحب بها شباب هم شباب يوليو. هم شباب الثورة الذين فتحوا أعينهم في ظل هذه الثورة.
كان من حسن حظه أنه عاصر الكبار جدا في الغناء المصري. عاصر أم كلثوم وعبد الوهاب. ووجد من يكتب له الأغاني: مرسي جميل عزيز، ومجدي نجيب، عبد الوهاب محمد، ووجد من الملحنين: كمال الطويل، ومحمد الموجي، وغيرهم. لكنه وجد جمال عبد الناصر الذي احتضنه واعتبره صوت يوليو المعبر عنها. وأدرك أن الحفاظ على عبد الحليم حافظ مسألة شديدة الأهمية للثورة ولمستقبلها.
يحكون في مصر أن عبد الحكيم عامر لم يكن يحب عبد الحليم حافظ. اعتبره مطرب جمال عبد الناصر الخاص. ولذلك حاول أن يضايقه، ويحكون أيضا أن جمال عبد الناصر وقف معه تماما ضد عامر وجبروته. علما أن عامر لم يكن الرجل الثاني في النظام. لكنهم كانوا يقولون عنه: الرجل الأول بشرطة. وما أكثر الفارق بين الاثنين: ناصر وعامر.
وصل عبد الحليم حافظ إلى القاهرة ليجد قاهرة غير القاهرة التي نجدها الآن. نجدها عاصمة للفن العربي. وليجد فيها صناعة غناء حقيقية، لم يعد لها وجود الآن. وليجد صناعة سينما، ولت ولن تعود. وليجد في انتظاره أسماء كبيرة في التمثيل. وجد عماد حمدي، وفاتن حمامة، ويحيى شاهين، والأهم من كل هؤلاء أنه وجد سعاد حسني.
بعيدا عن قصة زواجه من سعاد حسني أكد لي مجدي نجيب الشاعر الغنائي الذي كتب لعبد الحليم حافظ أجمل أغانيه أن عبد الحليم حافظ كان ينزل من بيته المطل على حديقة الأسماك في الزمالك، ويمشي على قدميه حتى بيت سعاد حسني الذي كان يقع في شارع متفرع من شارع 26 يوليو يحمل معه قلما وأجندة صغيرة.
كان هدف حليم من الرحلة أن يدون أرقام السيارات التي تركن تحت بيت سعاد حسني. باعتبار أن أصحاب هذه السيارات لا بد أن يكونوا في بيتها. علما أن سعاد حسني تسكن في مكان كل سكانه أصحاب سيارات. وبالتالي، فإن السيارات الموجودة تحت منزلها، ربما لم تكن لها علاقة بسعاد حسني من قريب أو بعيد.
لكنها الغيرة القاتلة. وأيضا العجز عن اكتمال الحب.
ونكمل..
