عودة الشعبويّة.. عن أيّ ديمقراطيّة نبحث؟

د. رفيف رضا صيداوي –

مع انتهاء الحرب الباردة، الذي عنى انتصار الديمقراطيّة الليبراليّة، جهدت الولايات المتّحدة وعددٌ من القوى الغربيّة الأخرى من أجل فرض هذه الديمقراطيّة على العالَم بوصفها الأنموذج الذي يجب تبنّيه. وأكبر شاهد على هذا الاتّجاه عودة مفهوم «الانتقال الديمقراطي» أو عمليّة «الدمقرطة» في إطار «الموجة الثالثة للتحوّل الديمقراطي» التي بدأت مع الانقلاب العسكري في البرتغال في العام 1974 واستمرّت حتّى أواخر ثمانينيّات القرن الفائت، بتشجيع القوى الغربيّة عموماً ودعمها.
لا بدّ من الإشارة بدايةً إلى أنّ «الموجة الثالثة .. التحوّل الديمقراطي في أواخر القرن العشرين»، كان عنوان كتاب لصامويل هنتنغتون صدر في العام 1991 وترجمه من الإنكليزيّة إلى العربيّة في العام 1993 عبد الوهّاب علوب. وقد نظَّر مؤلّفه لهذا التحوّل نحو «الدمقرطة»، الذي بدأت فصوله منذ منتصف سبعينيّات القرن العشرين في البرتغال، وإسبانيا، واليونان، قبل أن تمتدّ إلى بلدان أميركا اللّاتينيّة وآسيا وأفريقيا وأوروبا الشرقيّة في ثمانينيّات القرن الفائت وتسعينيّاته، في موازاة سياسات التحرير الاقتصادي. وهو تحوّل تجلَّت أشكال دعْمه بصُور شتّى، منها تقديم المساعدات الاقتصاديّة للبلدان التي تمرّ بهذا الانتقال، التي قدّرها توماس كاروثرز، بنحو 10 مليار دولار سنة 2014، في الوقت الذي لم يكُن هذا المبلغ يتجاوز ملياراً واحداً سنة 1980، ودعم هيئات المجتمع المدني ومنظّماته والإعلام المستقلّ والنقابات ومُبادرات التربية على المُواطنة، أو دعم الأحزاب السياسيّة وعمليّات الانتخابات الحرّة…إلخ.
في المقابل، تدفع الأحداث الدّامية والثورات والتنازع الطائفي والمذهبي والحروب الأهليّة التي طاولت، ولمّا تزل، مناطق مختلفة من العالَم، ومنها عالَمنا العربيّ، إلى إعادة النّظر في مفهوم «الديمقراطيّة» نفسه من جهة، وما آلت إليه عمليّة «الدمقرطة» من جهة أخرى. ذلك أنّ واقع الحال راح يشير إلى أنّ الديمقراطيّة ونظامها السياسي، من حيث قواعدها الكلاسيكيّة، القائمة على مبدأ حُكم الأكثريّة، وعلى احترام الإرادة العامّة واختيار الشعب لحاكميه تعبيراً عن السيادة الشعبيّة، واللّذين تكفلهما من حيث المبدأ عمليّة الفصل بين السلطات، والعمليّة الانتخابيّة…إلخ، باتت في موقع الشكّ والرّيبة، سواء لجهة قيمها السائدة في الولايات المتّحدة وأوروبا بوصفهما «النموذج المثاليّ» للديمقراطيّة، أم لجهة الارتكابات والتجاوزات التي مورِست باسم هذه الديمقراطيّة في البلدان التي خضعت قسراً أو طواعية لعمليّة «الانتقال الديمقراطي»، مثل بلدان أوروبا الشرقيّة وأميركا اللّاتينيّة، أو تلك التي يجري زجّها في حروب قبليّة عشائريّة ودينيّة ومذهبيّة، كما هو الحال في بلدان «الربيع العربي»، وقبلها العراق؛ حيث ترسّخت «دكتاتوريّة الفوضى» و»النّزاعات»، بدلاً من انتقالها إلى أُفق التداول الديمقراطي، وذلك في ظلّ تغاضي الولايات المتّحدة الأميركيّة عن مُمارسات الأنظمة في هذه الدول، كتغاضٍ فُسِّر على أنّه نهْج السياسة الأميركيّة في المنطقة العربيّة، وضرْبها عرض الحائط بمبادئ الديمقراطيّة وحقوق الإنسان عندما يتعلّق الأمر بمصالحها.
ما تقدّم لا يغني عن تأمّل التناقض البيِّن بين فكرة الديمقراطيّة نفسها، باعتبارها ترجمةً لمبدأ سيادة الأفراد والجماعات والدول على مجالاتها الخاصّة من جهة، ونزعة الهَيمنة والقسر اللّذَين تُمارسهما القوى الكبرى ضمن إطار العالَم المعولَم، وفي أغلب الوقت باسم الديمقراطيّة؛ لا بل إنّ هذه الحروب غير النظاميّة باتت « في القرن العشرين أداةً للتدخّل الخارجي وأداةً لهيكلة الدول في آن معاً» على حدّ تعبير برتران بادي في مقدّمة كِتاب (أوضاع العالَم2015: الحروب الجديدة، ترجمة نصير مروّة، مؤسّسة الفكر العربي).
يُذكر في هذا السياق أنّ عالِم الاجتماع الفرنسي ألان تورين حذَّر من «الديمقراطيّة اللّيبراليّة» المزعومة، حين خصَّص كِتابه «ما هي الديمقراطيّة؟ 1994) لنقد انحرافاتها، مُعرباً عن تخوّفه منها، « إذ يُخشى من جهة أولى أن تبدو مجدّداً أنّها أيديولوجيّة في خدمة الأكثر قوّة؛ ويُمكن لاسمها أن يُستخدَم من جهة أخرى لخدمة سلطة تعسّفيّة وقمعيّة»(ما هي الديمقراطيّة؟ ترجمة عبّود كاسوحة، 2000)؛ ذلك أنّها- والكلام لتورين- « تنحدر انحطاطاً، فتتحوّل في أفضل الأحوال إلى سوقٍ سياسيّة منفتحة نسبيّاً». من ناحية ثانية، تبدو عودة الشعبويّة في أوروبا وأميركا تعبيراً عن داءٍ يلمّ بالديمقراطيّة وقيَمها، عبّر عن نفسه في مُفردات عدّة مثل «ديمقراطيّة لا- ليبراليّة» و»ديموكراتورّية» ، التي يجري تداولها حاليّاً في القاموس السياسي العالَمي لتوصيف الدول التي لا تكون ديمقراطيّة ليبراليَّة، كما هو الحال مثلاً في بولونيا وهنغاريا، اللّتَين ليستا بديمقراطيّتَيْن ليبراليَّتَيْن على غرار دول الاتّحاد الأوروبي الأخرى الواقعة في الغرب الأوروبي. وقد رأى الباحث الفرنسي جان- كلود مونود، المختصّ بالفلسفة السياسيّة، أنّه في حين كانت قد راجت في حقل الفكر السياسي في القرن الفائت مفردات تصف الجمع بين السيطرة الشخصيّة المُتفاقِمة للزعيم السياسي وبين الإيديولوجيّة، مثل «الأنا- قراطيّة» (وهي مفردة صاغها ألكسندر سولجينيتسين لتوصيف الستالينيّة) و»الفكرقراطيّة» (راجع مقالته «أيكون تقديس الرئيس عَوداً على بدء؟»، من كِتاب أوضاع العالَم 2019، ترجمة نصير مروّة، مؤسّسة الفكر العربي)، راح مفهوم الـ «ديموكراتورّية» يحتلّ الواجهة اليوم كوسيلة مفاهيميّة تسمح بتأمّل الأشكال الجديدة من تقديس الرئيس، والتي « لا تني تدخل في توتّر وتضادّ مع التحديدات الديمقراطيّة للسلطة، وتَظهر على الرّغم من ذلك كتحدٍّ سياسي كبير، وذلك من حيث إنّها تتغذّى من الشعور بالتجريد الديمقراطي للشعوب، وحرمانها من رافعات العمل والتأثير على قدرِها بأواليّات اقتصاديّة غالباً ما تقدَّم كقانونٍ فولاذي، وكضرورة لا خيار عنها ولا بديل لها»( جان- كلود مونود، م س). أيّاً تكُن التحليلات، يبقى أنّ هذه الأنظمة السياسيّة الـ»ديموكراتورّية»، التي يُمكن وصفها بالأنظمة الهجينة، باتت قائمة أو مجسَّدة حقّاً، وقادرة على استباط أواليّات استمراريّتها، وهو الأمر الذي أفضى بجان- كلود مونود أيضاً، إلى التعبير عن تخوّفه من تلك الظاهرة السياسيّة بطرحه السؤال التالي: « …هل إنّ انتظار أهل المُعتقد والقناعات ــــ والوضعُ القائمُ هو وضع السلطة اللّاشخصيّة للأسواق، ولوكالات التقييم أو للتكنوقراطيّات التي تدين ببرامج تحويل جملة الحياة الاجتماعيّة إلى اللّيبراليّة ــــ في مسعاهم إلى إعطاء مَصالِح المغلوبين على أمرهم والمُسيطَر عليهم صَوتاً ناطِقاً وإلى تحقيق تطلّعات الشعوب نحو تقليص التفاوتات وضروب اللّامساواة، هل يكون هذا الانتظار مُفضياً إلى مَناسِك تعبُّد رؤساء شعبويّين جُدد؟ دعونا نأمل أن لا يكون ذلك كذلك!».
بدَورنا، نسأل ما إذا لم يكُن الوقت قد حان لتأصيل مفهوم «الديمقراطيّة»، ومُراكمة المشروعات والأبحاث التي تنطلق في توصيف مشكلة الديمقراطيّة في بلداننا أو غيرها من المُشكلات، انطلاقاً من خصوصيّة البيئة العربيّة، شأن «نحو مشروع حضاري نهضوي عربي» الذي أطلقه «مركز دراسات الوحدة العربيّة» في العام2001، في محاولة جادّة منه لإقرار الأُسس والعناصر التي يقوم عليها المشروع النهضوي العربي. حينها تحدَّد هذا المشروع بركائز ستّ هي: الوحدة العربيّة في مواجهة التجزئة، الديمقراطيّة في مواجهة الاستبداد، التنمية المستقلّة في مواجهة النموّ المشوّه والتبعيّة، العدالة الاجتماعيّة في مواجهة الاستغلال، الاستقلال الوطني والقومي في مواجهة الهَيمنة الأجنبيّة والمشروع الصهيوني، الأصالة والتجدّد الحضاري في مُواجهة التغريب. أمّا الديمقراطيّة في سياق هذا المشروع نفسه، فاستندت إلى توفير الحرّيات العامّة وحقوق الإنسان وحفظها، وإلى احترام التعدديّة وتكريسها، فضلاً عن تثبيت النظام التمثيلي وفصل السلطات والتداوُل السلمي للسلطة، والمساواة بين المُواطنين من حيث توزيع الثروة والفُرص. وهي عناصر تُحاكي النموذج الديمقراطي العالَمي، لكن مع مراعاة الخصوصيّة. أمّا عن مسألة المؤشّرات، فثمّة ما قام به الباحثان سمير مقدسي وإبراهيم البدوي وآخرون، حول التنمية والديمقراطيّة (نُشر البحث في كِتاب «تفسير العجز الديمقراطي في الوطن العربي»، الصادر في العام 2011 عن مركز دراسات الوحدة العربيّة في بيروت)، حيث قادتهم ملاحظاتهم حول المنطقة العربيّة إلى عدم التسليم المُطلق بارتباط التنمية الاقتصاديّة بعمليّة الدمقرطة ارتباطاً إيجابيّاً بحسب نظريّات الحداثة. لذا لم يكتفِ هؤلاء الباحثون بمؤشّر «نظام الحُكم» (الكَوني) لدراسة العلاقة بين التنمية والديمقراطيّة، ولتفسير استمراريّة «العجز الديمقراطي» ومدى أثر نظام الحُكم الأوتوقراطي في النموّ والتنمية، بل استندوا كذلك إلى مؤشّر «دار الحريّة» للحقوق السياسيّة والحريّات المدنيّة، وإلى المميّزات التاريخيّة والاجتماعيّة والدّين، وإلى البحث العابر للبلدان ودراسات الحالات الفرديّة، وما ذلك إلا تداركٌ لمسألة أنّ القياسات التجريبيّة لقضيّة ما – وهي الديمقراطيّة في حالة مقدسي والبدوي- قد لا تنجح بالضرورة، ولاسيّما إذا تخلّت عن خصوصيّة المعايير. فكان الاجتهاد، انطلاقاً من خصوصيّة الوضع العربي، عاملاً أساسيّاً في النتائج التي توصّلوا إليها، ومن أبرزها أنّ ارتفاع مستوى التنمية الاجتماعيّة- الاقتصاديّة في الوطن العربي على نحو لافت، لم يحُل دون استمرار «العجز الديمقراطي»، وأنَّ النفط والصراعات في المنطقة هُما العامِلان الأساسيّان في تواصل العجز الديمقراطيّ في الوطن العربيّ.
نخلص من كلّ ما تقدَّم إلى القول إنّه إذا صحَّ أنّه « لا يُمكن للثقافة الديمقراطيّة أن تولد ما لم يكُن المجتمع السياسي مُصمَّماً كبناء مؤسّسي، يتمثّل الهدف الرئيس منه في التوفيق ما بين حرّية الأفراد والجماعات وبين وحدة النشاط الاقتصادي والأنظمة القانونيّة» (ألان تورين، ما هي الديمقراطيّة؟)، فإنّ ديمقراطيّتنا تحتاج منّا، كدول ومجتمعات عربيّة، العمل على تحقيق سيادتنا العربيّة، جنباً إلى جنب مع إعمار مجالنا السياسي، من دون التخلّي عن «مبادئها العامّة» لمجرّد أنّها استُخدمت- ولمّا تزل- كإيديولوجيّة تضليليّة، سواء من قبل الأنظمة المحلّية أم من قبل القوى العالَميّة المُسيطرة.

■ مؤسّسة الفكر العربي