الرموز.. دلالات ومعانٍ خطيرة ومؤثرة

أحمد بن سالم الفلاحي –

الرموز بدلالاتها المختلفة، لم تكن يوما صفرا على الشمال، حيث أوجدها أبناء المجتمع «اختصارات» تحمل دلالات مهمة، وتنطلق من تراث الأمة في محليتها، ولذلك أثرت في الحياة العامة بصورة مباشرة، وعدت منهجا اجتماعيا معبرا عن أصالة معينة، أو هكذا عدت،
يظل المجتمع الإنساني، مجتمعا حيا، مهما تقادمت الحياة بأدواتها، وسلوكيات أفرادها، وتجدد أدواتها وصورها، وتغير معانيها ودلالاتها، والحياة المقصودة هنا، ليست الحالة النمطية (الميلاد والموت) وإنما هذا التغيير المستمر في كل جوانبها، وفي كل أدواتها، وفي كل صورها، وفي موازنيها، وفي تجدد أجيالها الذين يعيشون معترك التجديد والتحديث في مختلف شؤون حياتهم اليومية، وذلك كله انعكاس لهذا الجهد الإبداعي الخلاق الذي يبذله الإنسان لإيجاد حلول ومخارج للمشكلات التي يتعرض لها يوميا، فلدى الإنسان؛ عموما؛ قوى جبارة في الخلق والإبداع، تعكسها هذه الثورة التكنولوجية الهائلة التي نعيشها في كل جوانب حياتنا اليومية بلا توقف، وهذا ما يجعل الحياة تعيش مفارقة عجيبة، يتضح ذلك في سلوكيات البشر بين الخطأ والصواب، بين السلب والإيجاب، بين السلم والحرب، بين السعادة والتعاسة، فسبحان الله جلت قدرته في وجود هذه الثنائية المتناقضة في خلقه.
وفي خضم هذا التكثيف في جوانب الحياة المختلفة، يجد الإنسان متنفسا آخر يعبر من خلاله عن ما يدور في خاطره في شؤون حياته المختلفة، جدها وهزلها، وتقصيه الدقيق في ملء الفراغات المختلفة التي من شأنها أن تعزز وجوده في هذه الحياة، بحيث لا يترك شاردة ولا واردة إلا واستطاع أن يملأ فراغ الوسيلة الموصلة إليها، في القيم الإنسانية، وفي الأنظمة الإدارية، وفي الإجراءات المنظمة للعلاقات، وبالتالي فهو إن ينطلق، فهو ينطلق من قناعات معينة، وإن يحجم فإنه يحجم عن قناعة معينة، ولديه الحجة عندها، ولعله من هنا يأتي ترسيخ القيم، وثباتها، وتأصيلها، لأن هناك معززات للقاء، وهناك ثوابت للانطلاق، وهناك محفزات للتوظيف، وهذا كلها يرسخ القناعات بضرورة الاستمرار.
وعندما يكون الحديث عن الرموز ودلالاتها المختلفة، فإن الحديث يذهب أيضا إلى حرص الإنسان على توظيف ما يعتلي بداخله من هواجس، ومشاعر، في الوقت نفسه يحاول أن يبدع وسائل وطرق ومخارج لمختلف هذه الهواجس أو إيجاد تفاسير لما يدور حوله، ومنها صناعة الرموز، متخذا منها الوسيلة: إما للوصول الى هدف معين، أو إيجاد مصدات لقصر طرق الشر، التي يتوقع أنها مصوبة إليه، أو الشروع نحو مسالك الخير، وفق تفكيره أو الإصلاح برسالة غير تقليدية؛ أيضا؛ وإن بدأت الرموز كاجتهاد شخصي بحت، إلا أنها تحوز على تعميم التوظيف من قبل أبناء المجتمع بعد أن تتولد القناعة بأهميتها، وكانت نتائج تطبيقها مقبولة من قبل قطاع كبير من الناس، لأنه ليس شرطا أن تحوز هذه الرموز بدلالاتها المختلفة على القبول من قبل الجميع، وإن كان الاتفاق ضمنيا بضرورة وجودها وأهميتها في حياة الناس عموما.
وهذه الرموز تتمثل في تصميم الملابس وألوانها، وفي الأدوات مثل: الملبوسات الفضية، أو العصي، أو ألوان السيارات، أو الرسومات الموجودة على الأجسام؛ كما هو لدى بعض الشعوب، أو في تلبيس الأطفال نوعا من الحلي، أو تسريحات الشعر، أو بعض الإضافات الموضوعة على الخناجر؛ كما هو الحال عندنا في سلطنة عمان، وقد لا حظت البعض يضع رمزا معينا حتى على غلاف الهاتف النقال، بل وصل الأمر أن يخصص أحدهم نغمات معينة لأناس مخصوصين لتحديد هويتهم عند الاتصال، فهل يرد أو لا يرد، وهناك من يضع دلالات معينة في تصميم خارطة منزله، أو حتى إضفاء الألقاب على أشخاص، أو الأسر، وفق ترميز معين، وقد لا حظت عند بعض الشعوب الإفريقية على وجه الخصوص، في إحدى الزيارات لجمهورية تنزانيا، أن هناك نساء يضعن أقراطا كبيرة على أذانهن، وهذه الأذان بها فتحات كبيرة جدا، وحتى البعض من أحدث شقوقا كبيرة على الشفاه، أو وسما غائرا على الخدود، وغيرها الكثير من هذه الرموز التي لا تعد ولا تحصى عند الشعوب، انطلاقا من ثقافة البيئة المعاشة، وهذه الرموز كلها معبرة عن ثقافات هذه الشعوب على اختلافها، وتنوعها، وعمقها الحضاري الممتد منذ مئات السنين.
ولأن الرموز وإيحاءاتها المختلفة هي وليدة البيئة، ولا تفهم إلا في بيئتها، فإنها استطاعت أن توظف الأدوات المستخدمة في بيئتها المحلية، لإيصال رسائلها المختلفة، ولذلك حرص الأفراد أن يختاروا بعناية هذه الأدوات، وكثيرا ما ترى ذلك طاغ على مختلف الأدوات التي يستعملها الناس، وعندما يغالبك الفضول لتسأل عن ذلك، تستغرب من الإجابات المعللة للاستخدام، وكل يوظف الرمز وفق رؤيته هو، ووفق ثقافته، أو قناعته، أو تعمده؛ أحيانا.
عرف عن المجتمع الإنساني؛ بحكم التجربة؛ أنه يصنع رموزه الخاصة به، انطلاقا من بيئته لخدمة حياته اليومية، ولذلك تتباين المعاني بين مجتمع وآخر في تفسير دلالات الرموز، وإيحاءاتها الذاهبة بعيدا حيث عمق المعنى، ولذلك ما هو مهم؛ في حقيقة هذه الرموز؛ عند مجتمع معين، قد لا يثير الانتباه عند مجتمع آخر مختلف، فدلالات الرموز تظل معاني مستوحاة من البيئة الاجتماعية، وكل بيئة لها دلالاتها الخاصة في شأن تفسير هذه الرموز، وعندما تثمن عراقة المجتمعات، فإن للرموز موقعا متسعا لتحديد عراقة المجتمعات الإنسانية، لأنها تتسلسل منذ زمن بعيد، وتوارثتها الأجيال، وحظيت بالقبول والرضا، ولذلك بقي الحرص عليها، ووظفت توظيفا تربويا في تقييم السلوكيات، إذ لم تكن الرموز والدلالات التي ينزلها أبناء المجتمع هذه المنزلة المباركة، شيئا زائدا على شيء مكتف أصلا، بل نظر إليها على أنها رافد من روافد التربية، من ناحية، وشيء منظم للعلاقات بين أفراد المجتمع من ناحية ثانية، وقد ينظر إليها على أنها معبرة عن ذكاء اجتماعي لقوة الدلالة التي تحملها من ناحية ثالثة، وفي مجملها هي ثقافة، وإن يساء استخدامها؛ في بعض الأحيان؛ بقصد، حيث تخاطب شيئا خاصا عند هذا الفرد أو ذاك، وهذه الصورة المتناقضة، تعيشها كل السلوكيات البشرية، الإيجابية منها أو السلبية.
كنت أسأل مرافقي في السيارة، ما معنى أن ينزل أحدنا كمته إلى القرب من عينيه؟ فرد قائلا: معناه الجبر والتكبر والغطرسة، فتابعته بسؤال آخر، ولو أنزلها إلى الخلف حتى الرقبة؟ قال: ينظر إليه على انه أهبل، أو معتوه، أو صبياني أكثر، وأردف قائلا: حتى عند لباسنا للخنجر، يجب أن نكون أكثر حذرا، فالذي يميل الخنجر الى جانبه الأيسر، أو الأيمن، أكثر يعد لبسه نوعا من الممارسات الطفولية النزقة، وإن كان كبيرا، فالخنجر يجب أن تتوسط منتصف الجسم من الأمام، لتضيف الوقار الهيبة للابسها، وأي موضع شمالا أو يمينا، ارتفاعا أو نزولا عن هذا الموضع ينظر إليه بشيء من الاستخفاف، ويضيف: أؤكد لك أن هناك عيونا متلصصة على كل هيئة إنسان، فكل ما هو ظاهر أمام الناس، له تفاسير، وتقييمات، حيث يحاكم الفرد من غير أن يدري، وقد تتخذ في شأنه مواقف وهو في غفلة من أمره، وكلها مجسات ليس يسيرا تجاوزها من قبل أبناء المجتمع يمارسونها بعضهم على بعض.
في ختام هذه المناقشة يمكن الوقوف عند عدة نقاط، وهي:
أولا: الرموز بدلالاتها المختلفة، لم تكن يوما صفرا على الشمال، حيث أوجدها أبناء المجتمع «اختصارات» تحمل دلالات مهمة، وتنطلق من تراث الأمة في محليتها، ولذلك أثرت في الحياة العامة بصورة مباشرة، وعدت منهجا اجتماعيا معبرا عن أصالة معينة، أو هكذا عدت، وخاصة تلك الرموز التي تذهب إلى عمق المعاني، ولو بكلمة، أو إشارة برمش العين، أو كلمة، وهناك من الكلمات يكون تأثيرها كالسهام، حيث تجفل من رمزيتها القلوب، وتدمع الأعين، وتترك في النفس غصة تظل أسيرة صاحبها ردحا من الزمن، ولا يستبعد أبدا أن تسبب في خصومات تمتد فترة من الزمن، وهذه إحدى مثالبها القاسية في الحياة الاجتماعية. ثانيا: تصنف الرموز بأدواتها المختلفة على أنها من التراث غير المادي، وقد جاءت لتوثق عصورا زمنية معينة، عبرت عن حراك المجتمع في عصر ما.
ثالثا: أغلب الرموز خاطبت أو عالجت السلوكيات اليومية للأفراد، وتموضعت أكثر حول السلوكيات غير الحميدة.
رابعا: نمو الأجيال، وتبدل الثقافات، وتغير الأدوات أثر على وجود الرموز لتوظيفها في السياق الاجتماعي المعهود، حيث أن لكل جيل رموزه الخاصة التي يوجدها انطلاقا من حاجياته، وأدوات عصره.