الكرة عادت مجددا إلى الملعب الفلسطيني

د. عبدالعاطي محمد –

أما وأن الزخم الذي أحاط حول ما يسمى بصفقة القرن قد تراجع بشدة إن لم يكن قد تلاشى، فإن الكرة عادت مجددا إلى الملعب الفلسطيني في اتجاه تحقيق مصالحة شاملة وحقيقية ليس فقط حول مسألة السلطة وإنما أيضا حول المشروع السياسي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة تحظى بمشروعية دولية ودعم عربي غير محدود.
نعلم أن القضية الفلسطينية بكل أبعادها ومسيرتها التاريخية هي قضية العرب بل والمسلمين جميعا بما يعني أن هؤلاء يتحملون مسؤولية غير مباشرة في الدفاع عنها من حيث الوفاء بحقوق الفلسطينيين المشروعة المعترف بها دوليا وعربيا على مدى أكثر من 70 عاما. ولكن ما لا يستطيع منصف إنكاره أن أصحاب القضية هم الأولى بها وهم الذين يتحملون المسؤولية المباشرة في الدفاع عن كل متطلباتها وتحقيق كل مطالبها. وعلى مدى السنوات الطويلة فيما يتعلق بتاريخ القضية حربا كان أم سلاما ظل الجدل قائما بين من يرون أولا أن الأطراف العربية المعنية بالقضية قصرت في واجبها أو أنها لم تقم بالواجب المطلوب، وبين من يرون ثانيا أن الفلسطينيين أنفسهم هم الذين أضاعوا الفرص، وبين من يرون ثالثا أن هناك مؤامرة غربية لوأد القضية، وبين من يرون ثالثا أن إسرائيل هي التي تقف حجر عثرة أمام الوفاء بالحقوق المشروعة للفلسطينيين. والمكتبة العربية مليئة بكل ما يشير إلى هذا وذاك، والإعلام العربي لم يقصر في ترسيخ هذا الجدل حول من المسؤول عن محاولات إضاعة القضية الفلسطينية!.
ولكن ما كان لكل ذلك أن يحدث ويضر بالطبع بالقضية لو كان هناك صوت فلسطيني واحد وقوة شعبية وطنية كالبنيان المرصوص تفرض كلمتها على واقع الاحتلال في اتجاه إنهائه إلى غير رجعة. ونعلم أن هناك من سيسارعون بالتأكيد إلى أن الفلسطينيين لم يجدوا المساندة الحاسمة لا عربيا ولا دوليا. ومع أن هذا صحيح إلى حد كبير، إلا أنه لم يحدث لولا رهن الفلسطينيون -وهم شتى من حيث التوجهات السياسية- مسار القضية ومصيرها أيضا بالتناقضات في الواقع العربي منذ ظهور منظمة التحرير الفلسطينية 1965. فما من حركة فلسطينية إلا وربطت نفسها بهذا البلد العربي أو ذاك بل وبهذا البلد الإسلامي أو ذاك. وربما كان لأي من هذه الحركات منطقها ومبرراتها من البداية، ولكن بالنظر إلى النهايات فإن القضية تفرقت بين الأمم!.
لا نقلل من جهود الفلسطينيين على مدى هذا الزمن الطويل في العمل على استرداد حقوقهم، فهذا ما لا يجرؤ عربي منصف على ترديده، ويكفى قائمة الشهداء الطويلة شاهدا على شرف الجهاد الفلسطيني. ولا نقلل أيضا من الجهد العربي سواء على مستوى الحرب أو السعي من أجل سلام عادل وشامل في المنطقة وللفلسطينيين بوجه خاص، والمسيرة طويلة في هذا المجال. كما لا نقلل من الجهد الدولي وقرارات الشرعية الدولية والدعم السياسي والاقتصادي من كل الدول المحبة للسلام كلها شاهدة على أن أحدا لم يدخر جهدا من أجل الحل العادل للقضية الفلسطينية.
ومع ذلك فإنه لا يمكن إنكار أن الفلسطينيين أضاعوا الفرص الواحدة تلو الأخرى على مدى ما يقرب من 30 عاما أخيرة كانت الواحدة منها كافية لوضع الفلسطينيين في موقع أفضل كثيرا مما هم عليه الآن. يكفى أن نتذكر أخر محاولات الرئيس الأمريكي بيل كلينتون أواخر 2000 التي ضاعت بسبب التردد الفلسطيني (السلطة بقيادة عرفات آنذاك)، ووقتها كانت المستوطنات قليلة بالقياس لوضعها الآن حيث تكاد تبتلع الضفة الغربية. ولم يكن التردد الفلسطيني وليد موقف ضعيف من القيادة الفلسطينية في حد ذاته، وإنما كان أمرا منطقيا أن يحدث بسبب القاعدة السياسية الفلسطينية الموروثة منذ ستينات القرن الماضي وهى العمل من خلال محاور عربية، وكذلك بسبب الانقسام بين الفصائل الفلسطينية لأسباب إيديولوجية.
لقد آن الأوان للتخلص من هاتين العقدتين تماما، والطريق إلى ذلك هو تحقيق مصالحة فلسطينية جادة وشاملة لا رجعة فيها يقيمها الفلسطينيون جميعهم بلا استثناء بإرادتهم الكاملة، لا تتأثر بمحاور عربية أو إسلامية، ولا بخلافات إيديولوجية. لا نقول إن هناك فرصة أمام الفلسطينيين في الوقت الراهن من نوعية الفرص القديمة حتى لا يختلط الأمر على القارئ، بل الحقيقة لا توجد فرصة من هذا النوع. اختفاؤها هو الفرصة!، والمقصود أن انسداد الطريق هو الذي يخلق فرصة طال انتظارها تشكل العمود الفقري لنجاح أي تحرك فلسطيني في المستقبل المنظور، وهي الشروع فورا وبنيات صادقة وإرادة وطنية فلسطينية لا تتأثر بمحاور هنا أو هناك ولا تتصلب عند خلافات إيديولوجية. في السابق كانت المشروعات السياسية المطروحة موضوعا لعرقلة المصالحة حيث كانت دائما موضوعا على الطاولة عند أية محاولة للمصالحة، وكانت الخلافات حولها من أسباب عرقلة المصالحة. وفي السابق كانت لعبة المحاور زادا للأطراف الفلسطينية. اليوم لا المشروعات السياسية قائمة، ولا الرهان على المحاور مجديا. يقابل ذلك واقعا فلسطينيا مريرا من حيث مستوى المعيشة ومتطلبات الحياة الإنسانية. وما جدوى الصراع على السلطة لإدارة واقع اجتماعي وإنساني مزري.
حتى أيام قليلة كان الحديث عما يسمى بصفقة القرن صاخبا، وقال البيت الأبيض: إن الإعلان عن الصفقة سيتم عقب الانتخابات الإسرائيلية، ثم هوى الحديث إلى القاع، وتحدثت المصادر الإعلامية الإسرائيلية عن تأجيل جديد إلى العام المقبل، لأن بنيامين نتانياهو لم يتمكن من تشكيل حكومة إسرائيلية برغم ما حققه من فوز في هذه الانتخابات، وأن هناك انتخابات أخرى جديدة في سبتمبر القادم!، وعليه فإن الرئيس الأمريكي ترامب سيرجئ خطته المعروفة بصفقة القرن طالما هناك انتخابات إسرائيلية جديدة، فضلا عن أنه سيكون مشغولا بالترشح لفترة رئاسية جديدة مع بداية 2020.
وعمليا فإن سنة الانتخابات غالبا لا تسمح للرئيس الذي يطمع في فترة جديدة بأن يغامر سياسيا بمشروع كهذا ليس متأكدا من نجاحه حتى لا يخسر الانتخابات، ووارد أن يخسر الترشح والانتخابات أيضا فتنتهي القصة كلها تماما. وإن كسبها فسيحتاج لأعوام أربعة لكى ينفذ خطته!. ويضاف إلى ذلك أن الرئيس الفلسطيني أبو مازن رفض الخطة كلية، وجاءت القمتان العربية والإسلامية الأخيرتين لتؤكد الرفض. وأما الرهان على المحاور فإنه وإن كانت قائمة في حد ذاتها إلا أنها لا تحسم أمرا ثم الارتكان لها فلسطينيا مضيعة للوقت وتعميق لجراح الانقسام.
ألا يشكل تراجع العوامل التي كانت تغزي عرقلة المصالحة الفرصة التي نتحدث عنها بأن يسارع الفلسطينيون إلى لم شملهم ووضع الصراع على السلطة جانبا ويتفقوا على رؤية واحدة للتعامل مع إسرائيل وكيفية إقامة الدولة الفلسطينية بصيغة الأمر الواقع بغض النظر عن الموقفين الإسرائيلي والأمريكي المتوافقين حول منع حل الدولتين.
قد يفرح الفلسطينيون بأن مشروع صفقة القرن دخل الأدراج، ولكن يتعين عليهم أن يدركوا مخاطر ما يجري على أرض الواقع من حيث المؤشرات على عناصر الصفقة يتم تفعيلها دون إعلان. فقد تم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس واعتبر ترامب المدينة عاصمة لإسرائيل، وقال بأحقية إسرائيل في ضم الجولان السورية، ومن الوارد أن تعلن إسرائيل ضم الضفة الغربية (إلغاء اتفاقيات أوسلو)، وتبقى غزة حبيسة الحصار وهدفا لمزيد من الاعتداءات الإسرائيلية. فألا تشكل هذه التطورات الخطيرة دافعا إضافيا للفلسطينيين لإنجاز المصالحة التي طال انتظارها. فهي الطريق إلى فرض الدولة الفلسطينية كأمر واقع مهما تكن قوة الرفض الإسرائيلي. الوساطات ليست هي الحل بعد كل المحاولات السابقة الفاشلة، وإنما وحدة القوى الفلسطينية التي يجب أن تدرك أنه ما حك جلدك مثل ظفرك، وأنه لا يجب الوقوف موقف المتفرج أمام ابتلاع الأرض الفلسطينية والقضاء على حلم الدولة. وليقرأ الفلسطينيون بمسؤولية تاريخية من قياداتهم تجربة التاريخ جيدا. فعندما وعد بلفور بإقامة دولة لليهود في فلسطين، أضاف عبارة مضمونها مراعاة وضع الجماعات الأخرى في الاعتبار، وما يجرى الآن هو أن تتم معاملة الفلسطينيين (أصحاب الأرض الحقيقيين) معاملة الأقلية في دولة واحدة هي إسرائيل. هذا المسار المر لا يتوقف إلا بمصالحة فلسطينية جادة وشاملة.