ذكريات كتابي الأول وبورخيس ومكتب البريد 1-2

ليلى عبدالله –

هناك أيام كالهدايا المغلفة تحوي بداخلها فرح العالم. تحفر في قاع الذاكرة بطريقة فاتنة، وقد أكون محظوظة لأن تستعيد ذاكرتي العصيّة يومًا مميّزًا من أيام فرحها، ففي ظهيرة ذلك اليوم هزّ اتصال هاتفي المتحرك كرذاذ غيمة تهيئ نفسها لهطول غزير، وحين استقبلت الرقم الغريب انتظر صوتي في فراغ الآخر، وبعد برهة سكون انسابت حنجرة أنثوية ناعمة عبر أسلاك لاسلكية مرددة اسمي كقصيدة كاملة بنبرة صوتها الدافئ. أضافت بعفوية ردًا على صوتي الذي انشل من الفضول: هنا مكتب البريد لديك طرد من القاهرة، بانتظار استلامك .. تلعثمت كلماتي القصيرة في فمي وأطلقت عدة استجابات فوضوية تنم عن دهشات مكررة : آ .. حقا .. نعم .. وحين أدركت المفاجأة المدهشة تابعت بحزم : رائع، هل يمكنني استلامه الآن .. ؟ سألتها ذلك وعين ذاكرتي على الوضع المزدحم الذي يكون عليه مكتب البريد في ساعات العمل الصباحية، وقد لا يجد المرء فيه موطئ قدم، خبرت ذلك عن تجربة مررت بها منذ أعوام حين فتحت صندوقا بريديا خاصا بي!
وحين أكدت بترحيب حافل أن مكتب البريد يفتح في فترة الظهيرة من الواحدة حتى العاشرة مساء .. حلقت حينها كعصفورة صغيرة إلى هناك دون أن أبالي بصهد شمس يوليو وهي تعصر الأرض؛ لأن هذا الطرد لا يحتمل انتظارًا أكثر مني لأهميته .
كان مكتب البريد خاويًا على عكس توقعاتي تماما عدا من رؤوس تعددت على الأصابع يسترخي في وجوهها ظمأ قيلولة، وهو وضع ارتحت له، استقبلتني وأنا أدخل نظرات موظف متأنق ويبدو من مظهره التهذيب، كان فارع الطول وشدّ ما لفت نظري ابتسامته الرحبة كنافذة مطلة على أروع مشهد في العالم . ولأن انتظاري ذاب مع شمس يوليو انقض سؤالي عليه حول الطرد الذي ينتظرني بلهفة نار يوليو لهواء تكييف يبرد الروح، اتسعت حيز ابتسامته أكثر حين قال : إذن أنت ليلى ..؟
واكتفيت بإيماءة من رأسي مع ابتسامة برزت غمازتاي، فقادني بدوره إلى موظف آخر قصير القامة « بكندورة « بيضاء تبرز الشذوذ السامق بين بشرته القمحية والبياض الأخاذ لثوبه، ويبدو أنه كان يتريث بنفاد صبر أمام طرد كبير يترقب وصول صاحبه، تسلقتني عدة نظرات منه وبمجملها نمت عن دهشة كبيرة أوحت لي شخصيا عن استهجان مختبئ في تلكم النظرات الحادة، ثم هجم علي بصوت روتيني يبدو أن لسانه انطبع عليه حتى اعتاد: مضطرين لفتح الصندوق كإجراء روتيني من مكتب الجمارك .. ومن فوره استل سكينًا حادًا – وسط دهشتي – حتى هيئ لي أن الصندوق استحال إلى خروف يستغيث بي أن أفكه من قبضة هذا الرجل السفاح، لكن طردي المسكين اغتيل من وسطه قبل أن أهبّ لنجدته، أخرج عدة نسخ تملاّها بين يديه وكأنهن عارضات يستعرض قوامهن الرشيق، سرعان ما أدخلهن وشمّع الطرد من جديد – كأن شيئا لم يكن – رامقًا إياي بنظرة فهمت أنها تعني أن كل ما فعله واجب محتم عليه لا أكثر!
بعد أن انتهت الإجراءات الرسمية التي لا يأخذ منها المرء سوى أنها مقصلة للوقت وتشعرك بأنك مهرّب ممنوعات خطير عدا كونها تخلو من التدقيق؛ ليس لأنه من المفروض أن تقوم أجهزة حديثة بهذه الإجراءات بأسلوب حضاري، بل لأن الدولة العصرية لا تنظر للكتاب وكأنه سلاح فتاك يقصفها، كما يجب عليها أن تحترم القارئ المفترض في انتقاء ما يراه مناسبًا لفكره وذوقه القرائي وحين تمنع كتابًا أو تحصره بإجراءات غاياتها غامضة، فإنها بذلك تتدخل في حرية القارئ وتحدد استقلاليته وفق هواها!
بعد أن دخلت في حرب داخلية مع نفسي وبلع لساني كلماتي؛ لأن موضعها ليس هنا أمام موظفين لا حول لهم ولا قوة سوى تنفيذ أوامر، ولكوني وجدت نفسي أمام قضية شخصية وهي مهمة حمل طردي والذي كان صندوقًا ثقيل الوزن وكبير الحجم، وعلى ما بدا لي أن العامل البنغالي الذي كان من المفروض أن يقوم بحمله في ساعة إجازية، فالتفت صاحب الكندورة البيضاء حوله ولم يجد أمامه من على بعد خطوات سوى الموظف المهذب الذي استقبلني، وحين تلاقت نظراتهما، تقدم منا الموظف المهذب، فطلب منه صاحب الكندورة البيضاء أن يجد عاملا يحمل الطرد ويبدو أنه لا وجود لأحد قط، تجمد كل منهما يترقب من الآخر خطوة مبادرة أو نزول معجزة من السماء تحمل هذا الطرد كما هيئ لي.
وعندما شاهدت المرأة التي كانت تراقب الموقف مذ دخولها تردد ذينك الرجلين وجهت كلاما إلى ابن البلد فهمتُ أنه ساخر بأن ابنها الصغير يستطيع حمل كيس ثقيل من الأزر وحده! ويبدو أن صاحب الكندورة البيضاء تسورته حالة غضب لكنه كبحها، بينما كنت في قاعي أضحك على هذا الموقف ويبدو أن البلية زادت تخمة ضحكتي التي انطلقت كرصاصة من مسدس كاتم الصوت . شعر الموظف المهذب بالإحراج الذي بدا فيه صاحب الكندورة البيضاء، وحين بادر لحمل الصندوق زفر صاحب الكندورة البيضاء قائلا بحرج واضح: أوووف، لماذا الجو حار هنا، ألا توجد مكيفات ..؟! ثم أفضى مطأطئ الرأس إلى إحدى الأبواب، بينما حمل الموظف المهذب وحده طردي الثقيل إلى السيارة بأنفاس ملتهبة شوتها الشمس جيّدًا، ولتصرفه النبيل عزمت مكافأته بأول نسخة من مجموعتي القصصية « صمت كالعبث » فأخذها بامتنان حار.