المشهد السياسي المتوتر والدبلوماسية العمانية

عوض بن سعيد باقوير –  صحفي ومحلل سياسي –
يتواصل المشهد المتوتر في منطقة الخليج وهو تكرار لمشاهد سابقة حدثت منذ عقود وبالتحديد عام 1980 حيث اندلاع اطول حرب اقليمية بين العراق وإيران وهي الحرب المدمرة والتي كان هدفها اضعاف قدرات البلدين بعد دخولها مراحل التدمير وقصف المدن وحرب الناقلات وتوال الوضع التصعيدي منذ ذلك التاريخ وحتى الان.

والسؤال هنا أليس هناك من يتعلم الدروس التاريخية والتي تعلمتها أوروبا بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية وفقدان الملايين من البشر وتدمير أوروبا وفي ظل المشهد المتوتر الحالي في منطقة الخليج بين الولايات المتحدة وإيران هناك، دوافع مختلفة لأصحاب التصعيد الذين يدفعون بالأمر نحو المواجهة وبين الآخرين الذين يدركون الأهوال والنتائج المدمرة لأي مواجهة محتملة، ومن هنا فإن الصراع في حد ذاته في الشرق الأوسط يدور حول مشروعين أساسيين.
فالصقور في البيت الأبيض وعلى رأسهم جون بولتون مستشار الرئيس للأمن القومي يدفعون بالمشهد نحو المواجهة، وهو نفس السيناريو الذي حدث عام 2003 بغزو العراق والإطاحة بنظامه وحدوث ما يعرف بـ «الفوضى الخلاقة» التي تحدثت عنها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس وهي الفوضي التي لاتزال متواصلة في العراق وأيضا أفغانستان.
وأمام هذا الحشد العسكري المتوتر يبرز صوت الحكمة والدبلوماسية العمانية الرزينة والتي يقودها جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – نحو إبعاد المنطقة من جديد عن شبح الحروب وهو نفس الجهد العماني البارز والذي انتهى بالاتفاق النووي التاريخي بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران والقوى الدولية الكبرى عام 2015 بعد مفاوضات سرية وعلنية شاقة بين واشنطن وطهران بشكل خاص، ومن هنا فإن الدبلوماسية العمانية التي توصف بالهادئة اكتسبت احترام العالم شرقه وغربه وبالتالي يظهر التحرك العماني بهدف إنقاذ المنطقة ومقدرات شعوبها بعيدا عن المزايدات والنرجسية السياسية والتطلعات غير المنضبطة.

الرؤية المبكرة

يقول أحد المعلقين السياسيين الأمريكيين على إحدى القنوات الإخبارية بأن السلطنة هي الطرف الأهم في تخفيف التوتر من خلال العلاقات المتوازنة مع كل الأطراف وبالتالي فإن التواصل معها يعطي مؤشرا على أهمية الطرح العماني والاستفادة من الرؤية العمانية الأكثر عمقا، كما أن زيارة الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية إلى طهران تدخل في إطار الجهد مرة أخرى لإطفاء الحرائق المحتملة في منطقة الخليج.
ولعل الرؤية المبكرة لإيجاد سياج أمني في منطقة الخليج كان هو تحرك عماني من خلال دعوة جلالة السلطان المعظم لوزراء خارجية دول الخليج الثماني للاجتماع في مسقط عام 1976 والخروج ببيان مسقط الذي يتحدث عن أهمية الأمن الجماعي لمنطقة الخليج الحساسة، ولو تم تطبيق تلك الرؤية العمانية لما شهدت المنطقة تلك الصراعات والحروب المدمرة خلال العقود الأربعة الأخيرة.
إن أي مواجهة عسكرية في المنطقة بين إيران والولايات المتحدة وهي مستبعدة إلى حد كبير سوف تكون كارثة على دول المنطقة وسوف تكون الخسارة فادحة اقتصاديا وبشريا وأمنيا وسوف تكون مقدرات تلك الدول وبنيتها الأساسية والتي تم العمل عليها خلال نصف قرن في مهب الريح، ومن هنا فإن تصدر الدبلوماسية العمانية للمشهد السياسي من جديد لا يهدف إلى الظهور الإعلامي أو التسويق للمواقف بل هو نابع من مسؤولية وطنية وقومية وضرورة الحفاظ على مقدرات المنطقة وأمن شعوبها وعلى ضوء ذلك فإن السلطنة تتحرك من خلال قبول إقليمي ودولي واسع النطاق ونرى بأن النموذج العماني في العلاقات الدولية ومن خلال تلك المبادئ الثابتة على مدى نصف قرن تقريبا تستحق التأمل والدراسة.
فرغم الأحداث الحساسة والتي تجري قريبا من حدود السلطنة وهي الحرب في اليمن كان السلوك العماني في غاية الانضباط والمسؤولية، بل تعداه إلى بذل جهود مضنية مع الأطراف اليمنية والأمم المتحدة حتى تم التوصل إلى اتفاق استوكهولم، ومن هنا فإن المشهد المتوتر في الخليج كان بحاجة مرة أخرى للدبلوماسية العمانية ويبدو لي أنه شعور الطرفين الإيراني والأمريكي للخروج من المازق السياسي الحالي والذي تم الدفع به من صقور البيت الأبيض وبعض الأطراف الأخرى.

قمم مكة المكرمة

ومع دعوة المملكة العربية السعودية لعقد ثلاث قمم خليجية وعربية وإسلامية في مكه المكرمة وفي هذا الشهر الفضيل فإن هناك فرصة حقيقية لتغيير المسار السياسي في المنطقة، من خلال استشعار خطر المواجهة وفي تصوري بأن أمام تلك القمم مسؤولية كبيرة نحو تغيير المفاهيم وحتى السياسات وهناك مبادئ في العلوم السياسية تتحدث عن المراجعات السياسية وقراءة الأحداث وفق عوامل سيو-استراتيجية وعوامل التاريخ والجغرافيا.
بالنسبة للقمة الخليجية فإن حل الأزمة الخليجية هو المهمة الأساسية للقمة حتى تعود اللحمة الخليجية، ومن خلالها يكون هناك الموقف الموحد تجاه أمن واستقرار المنطقة، وبدون هذا السقف من التوقع فإن القمة لن يكون لها أثر سياسي يذكر بل قد يكرس ذلك مزيدا من الانقسام والتشرذم الخليجي بل ويجعل مجلس التعاون أكثر تآكلا وقد يعجل بانتهاء هذه المنظومة الخليجية والتي يعول عليها الكثير نحو إيجاد تكتل سياسي واقتصادي مهم في العالم لمواجهة مثل تلك التحديات.
ولعل القيادات تدرك أهمية الحدث وأيضا أهمية المرحلة الدقيقة، ومن هنا فإن قرارا تاريخيا بالمصالحة الخليجية من خلال قمة مكة المكرمة سوف يكون انتشالا لمجلس التعاون من سباته وسوف تشكل تلك المصالحة نقلة سياسية وعودة الروح الخليجية الواحدة وبدون ذلك فإن الوضع سوف يتدهور في ظل التصعيد الإعلامي.

القمة العربية

وما ينطبق على القمة الخليجية ينسحب على القمة العربية من خلال إيجاد تضامن عربي-عربي باتخاذ خطوات سياسية جادة نحو تغيير المسار السياسي في العالم العربي بعد فشل المسار الحالي فالأزمات في اليمن وليبيا وسوريا لابد من إيجاد حلول جادة تدخل المنطقة العربية إلى أجواء تفاؤلية بعيدا عن الحروب والصراعات، وأن يكون للعرب دور حيوي في أزماتهم وفي ظل الوضع العربي الراهن فإن الغرب والولايات المتحدة سيواصلان سياسة استغلال المقدرات العربية وإلى حد الابتزاز، ومن هنا فإن القمة العربية هي أمام مسؤولية تاريخية حيث إن الأمن القومي العربي في خطر كبير.
هناك موضوع حيوي أمام القمة حول القضية الفلسطينية وما يحاك لها من مؤامرات سوف تظهر للعلن في شهر يونيو القادم من خلال صفقات اقتصادية وهضم حقوق الشعب الفلسطيني، ومن هنا فإن القادة العرب أمام مسؤولية مصيرية تهم الأوطان العربية وشعوبها. ونقول بشكل واضح بأن المسار العربي الحالي لم يحقق سوى الانقسام والتشرذم من خلال الأنانية السياسية وبالتالي فهو في الفهم السياسي مسار فاشل لم يجلب سوى التوتر والصراعات وسياسة المحاور.
إن سياسة المحاور هي سياسة غير مجدية فالهدف الأسمى هو مراجعة عميقة للوضع العربي والسياسات غير المجدية، وكما أشرنا فالمراجعات شيء مهم خاصة إذا تعلق الأمر بمصائر الشعوب ومصالحها وأمنها القومي، ومن هنا فإن القمة لابد أن تغير المسار ويكون هناك مصارحة وشفافية للأوضاع المعقدة في العالم العربي، ومن خلال القمة الخليجية والعربية هناك آمال عريضة نحو الشعور بالمخاطر المحدقة وأن يكون التحرك الجماعي نابعا من مسؤولية وطنية وقومية نحو الدفع بعالم عربي متحرر من التعصب والصراعات وسياسة المحاور.

القمة الإسلامية

هناك كتلة إسلامية كبيرة تفوق الخمسين دولة أعضاء في منظمة التعاون الإسلامي ومقرها جدة في السعودية، وعلى ضوء المؤتمر فإن العالم الإسلامي لابد أن يكون له كلمة من خلال مفكريه وعلمائه لانتشال الأمة من وضعها المعقد والصعب ويبدو لي أن إجراء حوار شفاف بين إيران والعرب في ظل المنظومة الإسلامية وفي مكة المكرمة هو الخيار الأوحد نحو إنهاء تلك المشاهد المتوترة في الخليج وفي عدد من الدول.
لابد أن تكون الروح الإسلامية والأخوة الصادقة متواجدة فالمقدرات الإسلامية كبيرة في العالم العربي وآسيا وإفريقيا وهناك قدرات مبدعة للشباب الإسلامي لا ينبغي أن تهدر في مشكلات وصراعات لا طائل من ورائها، وفي ضوء المخاطر التي تحيط بالمنطقة والعالم الإسلامي فإن منظمة التعاون الإسلامي لابد أن تكون لها رؤية إصلاحية شاملة لأوضاع العالم الإسلامي وأن تكون هناك مصارحة لحل الخلافات.
وعلى ضوء الأحداث الملتهبة في المنطقة وعلى ضوء القمم الثلاث فان الجميع ينتظر قرارات حاسمة ورؤية جديدة تعيد رسم المشهد الخليجي والعربي والإسلامي لإعادة البوصلة إلى مسارها الصحيح وبدون ذلك ستظل المنطقة مكانا للتجاذبات السياسية وتسويق الصفقات والابتزاز السياسي والمالي على حساب دول المنطقة وشعوبها وتظل الدبلوماسية العمانية وفي ظل هذا الضجيج السياسي هي صوت الحكمة والأمل المتجدد لإطفاء اشتعال النيران المحتملة في منطقة الخليج.