من المواجهة العسكرية إلى الاحتواء السياسي المشروط

د. صلاح أبونار –

من أواخر يوليو 2018 أطلقت واشنطن استراتيجية جديدة تجاه أفغانستان، حملت معها تغيرات جذرية في الاستراتيجية القديمة التي تواصلت على امتداد 18 عاما. في محل طالبان المطاردة عسكريا بضراوة، ظهرت طالبان أخرى في ثوب قشيب مفاوضة مرشحة لشراكة استراتيجية. وفي محل طالبان التي اختمرت في ارضها أحداث 11 سبتمبر الدامية، ظهرت طالبان جديدة يراد منها أن تصبح شريكا دوليا في مكافحة الإرهاب.

فما هي أبعاد تلك التحولات؟ وماهي سياقاتها؟
وماهي حظوظ السياسات الأمريكية الجديدة من النجاح؟
في يوليو 2018 وافقت واشنطن على طلب طالبان بالتفاوض المباشر دونما مشاركة حكومة كابول. كان هذا الطلب قديما، ويقابل على الدوام بالرفض. وفي أواخر يوليو توجه وفد أمريكي إلى الدوحة، برئاسة أليس ويلز. وركزت على شروط وقف إطلاق نار في أفغانستان، كإطار لاستمرار التفاوض الثنائي. وحتى أكتوبر تعثرت جهود الترتيب لجولة التفاوض الثانية. ووفقا لتحليل الصحفي الباكستاني احمد رشيد، تعثر الاتفاق بسبب تصعيد طالبان لمطالبها وتركيزها على مطلب الانسحاب الأمريكي دون عرض مقابل، وتمسك واشنطن بمطلب المشاركة المباشرة لحكومة كابول، أي نفس المطلب الذي ترفضه طالبان تماما. ولكن نفس الفترة شهدت تطورات مهمة تفاعلت مع السياقات السياسية العامة، أجبرت الطرفين على التقارب وكانت واشنطن الطرف الذي قطع المسافة الأكبر.
ظهرت مقدمات استئناف المفاوضات في أكتوبر 2018، عندما اعلن ترامب قراره بسحب نصف القوات الأمريكية من أفغانستان في الأشهر القادمة. وفي نوفمبر شهدت الدوحة جولة المفاوضات الثانية، وترأس الوفد الأمريكي هذه المرة زلماي خالد زاده الدبلوماسي الأمريكي أفغاني الأصل والخبير في شؤون المنطقة، في مفاوضات استمرت ثلاثة أيام. وفي يناير شهدت الدوحة الجولة الثالثة، ولحقتها الرابعة في فبراير التي تميزت بحضور القائد الأفغاني الملا عبد الغني برادر على رأس الوفد الأفغاني. وفي مارس شهدت الدوحة الجولة الخامسة، وهي اهم الجولات واستمرت 16 يوما بحضور الملا برادر. ثم تأخرت الجولة السادسة لتنعقد في الأول من مايو.
ماهي المتغيرات التي غيرت حسابات واشنطن وجعلتها تطلق عملية التفاوض؟ ثم انتشلتها من ركود ما بين يوليو ونوفمبر2018؟ ثم سرعت إيقاعها فيما بين يناير ومايو 2019؟
سنجد هذه المتغيرات على عدة مستويات، يتصل المستوى الأول بتوازن القوى بين الولايات المتحدة وطالبان داخل أفغانستان. فقد اطلق ترامب بداية استراتيجية هجومية، تسعى لحسم الحرب عسكريا ضد طالبان كمقدمة للانسحاب من أفغانستان. وتميز تلك الاستراتيجية بأربعة عناصر. تصعيد الضغط العسكري ضد طالبان، وخنقها اقتصاديا من خلال ضرب مواردها المالية، وحصارها فكريا من خلال توظيف جهود الدعاة الإسلاميين لنقد رؤيتها للإسلام، والضغط على باكستان لسحب دعمها لطالبان.
وهكذا رفعت واشنطن عدد جنودها في أفغانستان من10000 إلى 14000، وخلال عام 2018 شنت على مواقع طالبان 6600 غارة جوية، قصفت مواقعها خلالها بحوالي 5982 قنبلة، وهو أعلى معدل قصف سجلته قوات التحالف منذ 2011. وبالتوازي مع ذلك قصفت مزارع الأفيون مصدر دخل طالبان الأساسي، وحاصرت تحويلات عناصر الجماعة القادمة من الخارج، ومارست ضغوطا على باكستان. ولكن المحصلة النهائية لهذه السياسة لم تكن محدودة فقط، بل فشلت أيضا في منع تمدد قوة طالبان.
وفي المقابل واصلت طالبان نموها السياسي وتمددها العسكري، الذي يمكن رصد ظواهره على امتداد سنوات العقد الأخير. ارتفع عدد مقاتليها من 15000 إلى 60000، ووصل إجمالي مساحة الأرض التي تسيطر عليها إلى نصف أفغانستان، وأضحت تسيطر على اغلب المدن الرئيسية والطرق الكبيرة.
لكن التطور الأخطر الذي حدث خلال النصف الثاني من 2018، وكان له أعمق التأثير على الموقف الأمريكي، كان هجوم طالبان على مدينة غزنة في 10 أغسطس. ولن نجد مشكلة هذا الغزو في نجاحه لعدة أيام، بل في عجز الجيش الأفغاني عن استعادة المدينة إلا بعد دعم جوي أمريكي تواصل ثلاثة أيام، ونجاح طالبان خلال الهجوم في القضاء على مائة من أفراد قوة كوماندوز، كان ينظر إليها على أنها فخر الجيش الأفغاني الحديث، ومستوى التسليح والإعداد المتقدم الذي أظهرته.
يتصل المستوى الثاني بالداخل الأفغاني عامة. يبدو هذا الداخل محملا بنذر أزمات حادة ومخاطر عالية الوتيرة.
سنجد أولها في العجز الحكومي الواضح، والذي يبدو في ضعف الأداء الوظيفي، وتقلص مساحة السيطرة المركزية، وارتفاع معدلات ترك الخدمة في المؤسسات العسكرية والأمنية. خلال أزمة غزنة تخبطت كابول، وأصدرت قرارا بعزل عدة قادة وبعد عدة أيام تراجعت عن قراراتها. وتخبرنا تقارير أمريكية رسمية أن عدد قتلى الجيش الأفغاني يتراوح بين 7000 و8000 سنويا، وبتدهور معنويات رجاله، وارتفاع معدلات هجر الجنود للمؤسسات الأمنية حتى وصلت 10% عام 2017. وسنجد ثانيها في ارتفاع وتيرة عنف الحرب الأهلية. خلال عام 2018 وصل عدد القتلى إلى 40000 مدني وعسكري، ويعتبر هذا العام أسوأ عام منذ التدخل الأمريكي.
وسنجد ثالثها في ظاهرة داعش في خراسان، التي تأسست عام 2015 كفرع لداعش، ثم تطورت واستقرت مع تدفق المقاتلين إليها بعد تصفية الدولة الأم في الشام والعراق، حتى وصل عدد مقاتليها الآن لما يتراوح بين 2500 و4000. وحاصل كل ما سبق أن السياق الأفغاني الداخلي، محمل بنذر تصاعد العنف الأهلي، والانهيار المؤسسي، وصيغ تطرف ديني اكثر تطرفا من صيغة طالبان.
ويتصل المستوى الرابع بنمط العلاقات الجديد الذي بدأ في الظهور بين طالبان والقوي الإقليمية المحيطة بأفغانستان. خلال عام 2018 على الأقل تبدت ظاهرتان في هذا الصدد.
في الأولى سنجد قوى إقليمية وبالتحديد روسيا والصين والهند وإيران وباكستان، تسعى لنوع من التحرك والتنسيق الجماعي بمبادرة روسية، بهدف القيام بدور في تشكيل مسار الأزمة الأفغانية وتقليص مساحة السيطرة الأمريكية عليها. هذا الدور سنجد أصوله في نذر مخاطر الأزمة الأفغانية، وفي التوتر الدولي الذي أطلقته إدارة ترامب. وسنجد مؤشراته في مؤتمر إقليمي شهدته موسكو في 4 سبتمبر، تلاه آخر في نوفمبر 2018. وفي الثانية سنجد نموا واضحا في علاقات طالبان المباشرة ببعض القوى الإقليمية. أضحت الصين واندونيسيا وأوزبكستان على استعداد لاستقبال وفود من طالبان، وهناك تقابل بالترحاب. غير أن التطور الأهم حدث مع روسيا، التي تقوم الآن بتنظيم مؤتمرات حوار رسمية، لقوى المعارضة الأفغانية تحضرها طالبان ولا تحضرها حكومة كابول، كما حدث في فبراير 2019. والخلاصة أن الإطار الإقليمي يعترف الآن، بحقيقة وضع طالبان في أفغانستان ويضعها على رأس أي تسوية قادمة.
ما الذي تخبرنا به مسار جولات المفاوضات؟
وفقا للمعلن يدور التفاوض حول أربعة موضوعات: ضمانات مكافحة الإرهاب، والانسحاب الأمريكي، والحوار الأفغاني الداخلي، ووقف شامل لإطلاق النار. وحتى نهاية جولة مارس تركزت المفاوضات حول موضوعين أساسيين: الجدول الزمني للانسحاب، وضمانات مكافحة الإرهاب وعدم تحول أفغانستان بعد الانسحاب إلى ملجأ آمن للجماعات الإرهابية.
ووفقا لما هو معلن تحقق تقدم في هذين المجالين وصل لدرجة الاتفاق علي مسودة اتفاق بشأنهما، ولا ينقصه سوى ما دعاه خالد زادة «لمسات نهائية»، ومن المنتظر بعد ذلك أن تنتقل الجولات القادمة إلى الموضوعين الأخيرين.
وبخلاف ذلك ورغم طول مدة التفاوض لم تتسرب أي تفاصيل، بل تقديرات سياسية تخبرنا أن وجود الملا بردار يعني القدرة على اتخاذ قرارات حاسمة، وان طالبان باتت مطالبة بتنازلات حاسمة بشأن الحوار الوطني.
ما الذي تخبرنا به التوافقات السابقة موضوعة في إطار مقدماتها التحليلية؟
سنطرح هنا مدخلين للتفسير والنقاش.
ينطلق الأول من التسليم بصحة مطلبي أمريكا الأساسيين من طالبان: الامتناع عن دعم الإرهاب، والحوار والتوافق مع كابول.
وهنا ستكون النتيجة أننا أمام مخطط تفاوضي أمريكي مرتبك، إمكانيات نهايته إلى مأزق أعلى من احتمالات وصوله إلى حل.
فالاتفاق يطالب طالبان بأن تخصم من مصادر قوتها مقابل الانسحاب الأمريكي، أي أن تضحي بصورتها المتشددة عبر الانقلاب على شركائها العالميين اللاجئين إلى أراضيها، وبطابعها المحلي المصطنع ومصادر القوة المترتبة عليه عبر التوافق مع سلطة كابول التي تراها مجرد عميلة للغرب.
وباختصار مطلوب من طالبان أن تضحي بكونها طالبان في سبيل الانسحاب الأمريكي، أو في سبيل أفغانستان التي توغل فيها تدميرا منذ عقدين.
وينطلق الثاني من تسليم جزئي بصحة نفس المطلبين، عبر تقدير يفيد – أولا – أن واشنطن على استعداد للمساومة على مطلب الحوار الوطني، وان تنسحب تاركة الجمل الأفغانستاني بما حمل لطالبان، شريطة وجود ضمانات صارمة لمكافحة الإرهاب. ويفيد – ثانيا – أن طالبان على استعداد للمساومة على شركائها المتشددين العالميين، مقابل انفرادها بالساحة الأفغانية. هذا الافتراض اقرب إلى المنطق، واكثر توافقا مع مداخل الأدوار الإقليمية الجديدة التي تسعى لخطب ود طالبان، ويتسق مع حالة الانحسار التي يعانيها الإرهاب العالمي والصورة القميئة التي انتهى إليها. ولكن مشكلة هذا المدخل هي ضمانات التنفيذ بما يحقق مصالح الطرفين. فلن تدفع طالبان كل الثمن المطلوب مقدما، ولن تفض واشنطن يدها من أفغانستان إلا وهي واثقة أنها نظيفة والى غير رجعة من هذه التيارات.