التعليم الخاص في أسواق جديدة وبأشكال جديدة

الإيكونومست – ترجمة: قاسم مكي –

في الماضي كان التعليم خدمة يقدمها رواد الأعمال والمنظمات الدينية. لكن بداية من بروسيا وفي القرن الثامن عشر شرعت الحكومات في تولي أمره. لاحقا وفي وقت أقرب إلينا من ذلك هيمنت الدولة على التعليم في العالم الغني فيما اقتصر دور القطاع الخاص على (تعليم أبناء) النخبة والمتدينين. كذلك في العالم النامي حرصت الدول الجديدة التي نشأت من حطام الإمبراطوريات على توفير التعليم والسيطرة عليه استجابة لطموحات شعوبها وأيضا لتشكيل عقول الجيل التالي.
لكن القطاع الخاص يشهد الآن نهضة في دوره التعليمي. فنسبة التحاق الطلاب بالمدارس الخاصة زادت عالميا خلال الـ15 عاما الماضية من 10% إلى 17% في المستوى الابتدائي ومن 19% إلى 27% في المستوى الثانوي. فالناس ينفقون المال بسخاء في المدارس والتدريس الخصوصي والتعليم العالي.
هنالك أربعة عوامل وراء هذه الزيادة.
أولها: ارتفاع الدخول خصوصا وسط من هم أوفر حظا. وبما أن معدلات الولادة تهبط فإن مقدار المال المتاح لكل طفل يزداد بوتيرة أسرع حتى من الزيادة في الدخول. في الصين كانت سياسة طفل واحد تعني أن في أسر عديدة يوجد 6 أفراد (جدان وجدتان وأبوان) على استعداد للاستثمار في تعليم طفل وحيد.
ثانيا: بفضل التدهور النسبي للصناعة وتزايد كثافتها الرأسمالية (نسبة حجم رأس المال إلى العمالة بها – المترجم) تتقلص فرص الوظائف المتاحة للحاصلين على تعليم أقل جودة. فحتى الوظائف الجيدة في المصانع تتطلب مؤهلات. لقد ارتفعت العائدات على التعليم على الرغم من ازدياد أعداد من حصلوا على تعليم جيد. وفي البلدان النامية التي توجد بها أعداد أقل من هؤلاء تزيد عائدات التعليم عن مستوياتها في العالم الغني مما يعظم من أهمية ذهاب الصغار إلى المدارس.
ثالثا: تقدم مخرجات التعليم بعض مدخلاته. فكلما زاد عدد الأطفال الحاصلين على التعليم زاد عدد المدرسين المتاحين لتعليم المزيد منهم لاحقا. هذا صحيح خصوصا في البلدان التي بها عدد محدود من الفرص الوظيفية للنساء. فوجود عدد كبير من النساء المتعلمات يعني وجود أعداد جاهزة من المعلمين قليلي التكلفة.
رابعا: توجد التقنية طلبا على المهارات الجديدة والتي يبدو أن القطاع الخاص أفضل في توفيرها. أيضا تفتح التقنية أسواقا جديدة مع تمكين الإنترنت الناس من الحصول على التعليم بطرائق مختلفة وفي أوقات مختلفة من حياتهم.
كثيرا ما يكون الخط الفاصل بين الخاص والعام غير واضح. فمثلا لدى العديد من البلدان مدارس حكومية تحصل جزئيا على تمويل خاص ومدارس خاصة تمول من الحكومة. ويختلف حجم ونمو القطاع الخاص التعليمي من بلد إلى آخر. بشكل عام كلما كان البلد أكثر تطورا كان دور القطاع الخاص أقل.
ففي هايتي يتلقى حوالي 80% من تلاميذ المدارس الابتدائية تعليمهم في مدارس خاصة وفي ألمانيا 5% فقط. ونوعية التعليم في أوروبا القارية أرقى عموما. لذلك يلعب القطاع الخاص دورا ضئيلا في التعليم. مثلا يعني وجود تاريخ للانقسامات الديني في هولندا أن ثلاثة أرباع التلاميذ يلتحقون بمدارس خاصة تمول الحكومة أغلبيتها العظمى. أما في السويد فالنسبة 10%. وفي أمريكا وبريطانيا تتفاوت نوعية المدارس الحكومية. وهذا ما يفسر العدد الكبير من المدارس الخاصة النخبوية والعدد المتزايد من المدارس التي توجد بها إدارة خاصة ولكنها تمول حكوميا. تسمى هذه المدارس «شارترز» في أمريكا «وأكاديميز» في بريطانيا. وفي القطاع فوق الثانوي يوجد للمؤسسات الخاصة بأمريكا دور كبير في أعلى وأدنى السوق على السواء. كذلك في بريطانيا يتم الآن تمويل التعليم فوق الثانوي بواسطة القطاع الخاص إلى حد كبير.
في أمريكا اللاتينية ساهم الدور الكبير للكنيسة الكاثوليكية في التدريس والنوعية المتدنية للتعليم الحكومي والنمو السريع للطلب على التعليم فوق الثانوي في تعظيم دور القطاع الخاص. وفي معظم بلدان جنوب آسيا وإفريقيا تجعل عوامل الفقر والهجرة وتزايد السكان من الصعب على الحكومات توفير المدارس في العديد من المدن. لذلك فالقطاع الخاص التعليمي هناك كبير وينمو بسرعة. لقد تخلت النخب سلفا عن أنظمة التعليم العام ويحتذي بها في ذلك العديدون من أفراد الطبقة الوسطى والفئات الأكثر فقرا. يوجد في شرق آسيا تعليم حكومي سخي وجيد في معظمه، مثلها في ذلك مثل أوروبا. لكن قطاعها التعليمي الخاص، بعكس أوروبا، ينمو بسرعة. ولدى فيتنام أفضل نظام مدارس حكومية في بلد منخفض الدخل وربما أيضا بها قطاع المدارس الخاصة الأسرع نموا في العالم. وتوحي الرسملة السوقية للشركات التعليمية الصينية وهي أكبر من تلك الموجودة في أي بلد آخر أن المستثمرين يعتبرونه فرصة ذهبية.
تضيق الدولة الصينية الخناق على دور القطاع الخاص في العملية التعليمية للتلاميذ بين سن 6 و16 سنة. لكن رغما عن ذلك لا يزال هنالك مجال للنمو. فإذا ذهب الطفل إلى حضانة خاصة وجامعة خاصة وحصل على تدريس خصوصي لمدة ساعتين في كل يوم دراسي وثماني ساعات في نهاية الأسبوع مع الاشتراك في برنامج رياضيات صيفي (وهذا برنامج روتيني نموذجي لأبناء طبقة المهنيين الصينيين) سيكون قد قضى مثل هذا الطفل وقتا في التعليم الخاص مساويا لما قضاه في القطاع التعليمي الحكومي.
يقول أشوين أسوميول، أحد مسؤولي شركة إل إي كيه الاستشارية، أن كل هذا يجعل التعليم جذابا للمستثمرين. فالطلب ينمو بوتيرة أسرع من الزيادة في الدخول. ولا يتقلص في الأوقات التي تشهد تراجعا في الاقتصاد. كما توجد التقنية أسواقا جديدة. في الواقع تشهد العملية التعليمية تشظيا. لكن توجد سلاسل مدرسية كبيرة ومتنامية مثل مجموعة «جيمس» التعليمية التي تتخذ دبي مقرًا لها ولديها 47 مدرسة معظمها في الشرق الأوسط وشركة المدارس البريطانية «كوجنيتا» وتتبع لها 73 مدرسة في ثمانية بلدان وشركة أنظمة مدارس «بيكن هاوس» الباكستانية التي تدير 200 مدرسة في سبعة بلدان. لكن الجانب السلبي الرئيسي يتمثل في الحساسية السياسية للقطاع الخاص. فالاستثمار الخاص في التعليم ليس مريحا للحكومات لأنه يضع سلعة خاصة (التعليم الخاص) في مواجهة سلعة اجتماعية (التعليم الحكومي). والحكومات تريد، مثل الآباء، تعليم الأبناء. لكنها تريد أيضا تعظيم الحراك الاجتماعي وتقليل انعدام المساواة في حين يريد الآباء، ببساطة، ضمان تفوق أبنائهم على أبناء الآخرين.
هذه الأهداف حتما تتناقض. لذلك تتولى الحكومات تنظيم القطاع الخاص وتقييد دوره بالتحكم في ما يتم تدريسه وحظر الأرباح وتجريم اختيار (الطلاب) وخفض الرسوم الدراسية وعموما جعل التعليم الخاص نشاطا غير جذاب للمستثمرين. لكنها رغما عن ذلك في حاجة إليه. لذلك تتعامل معه فتوظف مهاراته وابتكاريته ورأسماله وتنفق عليه أموال دافعي الضرائب.