التنمية من مفهوم إسلامي

سالم بن سيف العبدلي / كاتب ومحلل اقتصادي –

إن مصطلح التنمية له مدلولات محددة وتعريفات تطورت حسب ظروف كل فترة من الزمن ولعقود عديدة خلت من القرن الماضي كان الاقتصاديون والسياسيون ومخططو التنمية يعرفون التنمية الاقتصادية بـ «قدرة الاقتصاد القوي على توليد واستدامة الزيادة السنوية في الناتج القومي الإجمالي لنسبة تتراوح بين 5% إلى 7% أو أكثر» ويأخذونه بمعدل نمو نصيب الفرد من الدخل أو الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى قدرة الدولة على توسيع إنتاجها بمعدلات تنطوي على تغيير مخطط لبنية الإنتاج والأيدي العاملة تنخفض معه مساهمة الزراعة كقطاع تقليدي بينما تزداد فيه مساهمة قطاعي الصناعة والخدمات وبالتالي تركز المؤشرات غير الاقتصادية بدرجة ثانوية لتوصيف منافع عملية التنمية الاقتصادية كمعدل تعليم الكبار وتحسين الخدمات الصحية والإسكان، وخلال عقود الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي ركزت معظم الدول النامية على تطبيق هذا المفهوم واستطاعت بعضها أن تحقق نموا اقتصاديا كميا، ولكن ظلت هناك فروق كبيرة بين السكان في مستويات المعيشة من ناحية توفير الحاجات الضرورية ودرجة الرفاهية.
هذا القصور في المفهوم التنموي وتطبيقاته بنتائجه السلبية دفع الكثير من الاقتصاديين إلى انتقاد مدخل التنمية التقليدي وعدم كفاية المقارنات الإجمالية لنصيب الفرد إلى الدخل القومي أو الناتج المحلي لتحديد حالة النمو والتنمية، وخلال منتصف السبعينات تمت إعادة تعريف التنمية الاقتصادية على أساس الجهود المبذولة لتخفيف الفقر وتحقيق العدالة وتوفير فرص العمل في سياق اقتصاد نام.
حتى أن البنك الدولي الذي يساند النمو الاقتصادي الكمي منذ الثمانينات كهدف رئيسي للتنمية الاقتصادية أعلن في أحد تقاريره عن التنمية أن التحدي أمام التنمية هو تحسين نوعية الحياة خاصة في عالم الدول الفقيرة وأن أفضل نوعية للحياة هي التي تتطلب دخولا عالية ولكنها في الوقت نفسه تتضمن أكثر من ذلك حيث تتضمن تعليما جيدا ومستويات عالية من التغذية والصحة العامة وفقرا أقل وبيئة نظيفة وعدالة في الفرص وحرية أكثر للأفراد وحياة ثقافية غنية وهناك مفاهيم وجوانب متعددة للتنمية حسب الأمم المتحدة ومنظمة العمل للتنمية البشرية لا يتسع المجال لذكرها هنا.
إن ديننا الإسلامي الحنيف وقبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة أكد على القيم والمبادئ التنموية التي تنادي بها الأنظمة الاقتصادية الوضعية المتمثلة في توفير قوت المعيشة وتقدير الذات وأخيرا التحرر من العبودية، ونادى بالالتزام به من أجل أن يعم الخير والاستقرار كافة أرجاء المعمورة وخلاصة القول: إن المدخل الإنساني للتنمية الاقتصادية وسعيها نحو الرشد إنما يتجه نحو المفهوم الإسلامي للتنمية الاقتصادية وهو مفهوم يعلي من شأن النفس البشرية ويضعها موضع التكريم اللائق بها والذي يمكنها من أداء دورها الاستخلافي في تعمير الكون وتحقيق العبودية الخالصة لخالق هذا الكون وحده وكفى بالآية الكريمة في سورة الإسراء في بيان ذلك فهي توضح كيف أن الله تعالى كرم الإنسان ورزقه من الطيبات وفضله على كثير من الخلق حيث يقول تعالى (ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) الآية 70.
لقد استطاع المفكر الإسلامي والاقتصادي البروفيسور خورشيد أحمد أن يقدم المفهوم الإسلامي للتنمية الاقتصادية في سياق نظري متكامل يعكس عظمة الإسلام واستيعابه لمشكلات الإنسان وتقديم الحلول المناسبة لها من واقع الفهم والإدراك الواعيين لطبيعة البشر وما جلبوا عليه من الطبائع والفطر والسّنن الإلهية يقول خورشيد: «إن الإسلام يهتم بعمق بمشكلة التنمية الاقتصادية ولكن يعالجها في إطار التنمية البشرية لأن الهدف الأساسي للإسلام هو هداية الإنسان نحو الطريق المستقيم.»
وبذلك تصبح التنمية الاقتصادية في المفهوم الإسلامي تنمية الأفراد والمجتمعات ماديا وروحيا وأخلاقيا مما يقود إلى تعظيم الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية ومما تقدم يمكن تحديد الأهداف الأساسية للتنمية الاقتصادية بناء على المفهوم الإسلامي بما يصلح أساسا عمليا للتنمية في مختلف دول العالم والدول الإسلامية على وجه الخصوص والتي هي في أمس الحاجة إلى سياسة تنموية قائمة على ركيزتين أساسيتين وهما: نفي الظلم الاجتماعي وإزالة الاستبداد السياسي.
وعندما تتحقق العدالة الاجتماعية وتتوفر الديمقراطية الحقيقية سينطلق العالم الإسلامي بموارده البشرية والطبيعية الغنية نحو إرساء دعائم نظام دولي جديد أساسه العدل والسلم والمساواة وستتجه موارد العالم إلى التعليم والتوعية بدلا من الأمن والسلاح وإلى الاستثمار في المنافع الحيوية بدلا من الاستهلاك البذخي والسفه وإلى الصحة والعلاج عوضا عن الترف واللهو وعندها لن تكون هناك مشكلة اقتصادية اسمها (الندرة) لأن الاستخدام الأنفع والأرشد يحكم تخصيص الموارد الاقتصادية.