نوافذ :كم نافذة مكسورة لدينا؟

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

منذ فترة ليست ببعيدة انتشر عبر صفحة الواتس أب، موضوع عنون بـ «نظرية النافذة المكسورة» مجهول المصدر، ونسبت هذه النظرية حسب النص إلى عالم الاجتماع (فيليب زمباردوا) على أثر تجربة قام بها في عام 1969م، وتتلخص النظرية حسب النص في: «أن إهمال معالجة أي مشكلة في بيئةٍ ما -بغض النظر عن صغر حجمها- سيؤثر على مواقف الناس وتصرفاتهم تجاه تلك البيئة بشكلٍ سلبي مما يؤدي إلى مشاكل أكثر وأكبر، والعكس صحيح أيضاً، فمعالجة المشاكل الصغيرة في وقت سريع سيؤدي إلى بيئةٍ أفضل وسلوكٍ أحسن»-انتهى النص.
لقد قيل منذ زمن بعيد أيضا: «معظم النار من مستصغر الشرر» فحالة الإهمال التي نكرسها حول أشياء كثيرة من حولنا، تؤدي في المقابل إلى مضاعفات كثيرة، تكلفنا الكثير فيما بعد، ونعود حينها باللائمة على أنفسنا، ونقول: يا ليت، ويا ليت، وهذه إشكالية موضوعية في العلاقة مع مختلف الأشياء من حولنا، وإشكالية موضوعية في الفهم بحقائق مصائر الأشياء، وإشكالية موضوعية في الوعي بما يدور حولنا من ناحية، وفيما نحن معنيون به، ويندرج تحت مسؤولياتنا المباشرة.
ومن الملاحظ، أنه على الرغم من العمر الطويل لحياة كل منا، مع معايشتنا لكثير من التجارب، والمواقف، ومعاشرتنا لكثير من الناس بتقليعاتهم المختلفة، وتلقينا الكثير من السهام القاسية، والضربات المؤلمة، إلا أننا لا نزال في مربعنا الأول في التعامل مع المواقف المشابهة، ولذلك من هنا يأتي تكرار الأخطاء، والعودة من جديد إلى الوقوف بجانب النوافذ المكسورة دون إصلاحها، ولذلك نتأزم نفسيا فنشتكي، ونكرر الشكوى، فهل هو «استهبال» في التعامل مع الأخطاء باختلافاتها؟! وعلى ما يبدو أن لهذه المسألة وجهين: وجه عام؛ ربما لسنا معنيين فيه بصورة مباشرة؛ والثاني خاص، وهو الذي يعنينا بصورة مباشرة، ومن كلا الوجهين نتلقى المأزق الناشئ عن تداعيات كل منهما على حدة، صحيح أن الجانب العام، لن نكون على درجة لصيقة به، ولكن لا نعفى بصورة مطلقة عن المساهمة في إصلاح ما أمكن، فعلى سبيل المثال؛ وهو ما نراه دائما، رمي المخلفات في الأماكن العامة، أو تراكم المخلفات في الأنفاق، أو تشويه الجسور العامة، أو العبث بالوسائل التي تقدم خدمات عامة، كل هذه وغيرها، عندما يتم غض الطرف عنها بصورتها العبثية هذه، سيؤدي ذلك إلى مضاعفة الضرر الذي هي عليه، أما عندما يتبنى أغلبنا معالجته من خلال كف تصرفاتنا المماثلة، أو التواصل مع المعنيين بها، سيحد؛ بدرجة كبيرة؛ من تنامي الضرر الواقع.
مرة؛ مررت بأحد الأحياء في محافظة مسقط، ووجدت تسريبات للمياه الصالحة للشرب، فبادرت بالاتصال بطوارئ المياه، فقيل لي انهم تلقوا اتصالات كثيرة بخصوص الموقع، وأنهم في طريقهم لإصلاحه، هذا الرد أشعرني بالارتياح، فهناك من يهتم ويتصل، وأيقنت أننا ما زلنا بخير.
الواقع الإنساني لن يخلو في يوم من الأيام من وجود نوافذ مكسورة هنا، أو هناك، على المستوى الشخصي، أو على المستوى العام، فهذه طبيعة بشرية لا منجى منها، ولكن يبقى مستوى الضرر الذي نتلقاه من أثر هذه النوافذ المكسورة هو الذي يحفزنا على إصلاح الضرر، فتراكم الأضرار ليس من سلوك الناس الأسوياء، ويبدأ تقويم السلوكيات المعوجة منذ الأعمار الأولى لحياة الفرد، وأكبر موضعين لذلك هما المنزل؛ حيث القدوة من الوالدين، والمدرسة حيث النظم، والقدوة من المعلمين، ومتى تبنت هاتين المؤسستين الرائدين في تربية السلوك، اتضح ذلك في ميدان المجتمع الكبير، الذي يهمه كثيرا أن يكون أبناؤه ممن يتكاتفوا على إصلاح النوافذ المكسورة، كل في موقعه ومسؤولياته ومهامه.