مخاطر البيئة وحسابات الاقتصاد والسياسة

طارق الحريري –

يعيش في كوكب الأرض عشرات المليارات من الكائنات الحية، إن لم يكن عشرات التريليونات إذا أضيفت للقائمة الكائنات متناهية الصغر، وقد منحت الطبيعة تكاملا وتفاعلا وتوازنا بين الأحياء بما يصون استمرارية وبقاء الكوكب صالحا للحياة، لكن اعتبارا من القرن العشرين شاعت ظواهر مخيفة.

بدأت تعم الكوكب نتيجة أشكال التقدم الإنساني، حيث تضاعفت بوتيرة مذهلة احتياجات الطاقة، في مجالات النقل والإضاءة وتوليد الكهرباء والصناعة، مما أحدث اختلالات بيئية، أثرت سلبا على أوجه الحياة كافة، وتجاوزت في تأثيرها إلى التفاعلات المادية جغرافيا ومناخيا، وذلك بدوره أدى إلى ظواهر مخيفة مثلا التصحر وارتفاع درجة حرارة الكوكب وانهيارات جبال الجليد، وبالتوازي أسفر النشاط الاقتصادي المفرط من الشركات الكبرى متعددة الجنسيات (متعدية الجنسيات) وهي شركات عابرة للدولة القومية تخضع في واقع الأمر بصيغ مبطنة لهيمنة الدول الكبرى في الغرب، أسفر عن تحولات هيكلية في طبيعة المنتج وإشاعة ثقافة الاستهلاك، من أجل الإسراع في تسويق السلع وبالتالي مضاعفة الأرباح، والمنتجات الحديثة سريعة الاستهلاك تغل مخلفات بالغة الإضرار بالبيئة، كما أصبحت دورة رأس المال في تحولاتها الاقتصادية الأخيرة التي حللها «توماس بيكيتي»عبئا خطيرا، أفرزته هيمنة رأس المال المالي في القرن الحادي والعشرين، نتيجة تفضيل المضاربة ورأسمالية الكازينو على الاستثمار في نمو الأعمال التجارية في الاقتصاد العالمي.
هكذا يبدو المشهد في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين مثقلا بأعباء وأخطار جمة، وتلوح في الأفق تهديدات جسيمة تنذر بعواقب كارثية. ليست الظواهر التي طرأت على الواقع البيئي والمناخي نتيجة الانبعاثات ذات الأضرار البالغة والاستخدامات الضارة لمخلفات الاستهلاك سببا مجردًا للمخاطر لأنها تتقاطع في الوقت نفسه مع أوضاع سياسية واقتصادية تتشابك ورائها مصالح تخص القوى العظمى في سعيها الدؤوب إما للحفاظ على مقعد الانفراد بأوضاع الإمبراطورية وتخومها أو بعض الدول الطامحة في تبوؤ مكانة بين الكبار وكأنموذج لمشكلة تهدد البشرية وأوجه الحياة المختلفة في الكرة الأرضية يمكن فك شفرة التداخل بين السياسي والاقتصادي – كلاهما يرتبط بحبل سري واحد – مع ظاهرة ثقب الأوزون نتيجة لزيادة استخدام مركبات الفلور، وبسببها بدأت جزئيات غاز الأوزون في التفكك، مما نتج عنه اختلالات لنسب غاز الأوزون في الغلاف الجوي وينتج عن الثقب نفاذ الأشعة فوق البنفسجية الضارة إلى داخل الأرض وزيادة معدلات الاحتباس الحراري علاوة على التأثير الضار على الزراعة وتراجع نسب الأوكسجين الطبيعية في الهواء وبسبب التسرب الزائد للأشعة فوق البنفسجية تزايدت معدلات الإصابة بسرطان الجلد بدرجة خطيرة.
ونتيجة تعدد الأضرار أسرع العالم بإنفاذ بروتوكول مونتريال والذي يعد أحد الإجراءات البيئية الأكثر نجاحا على الإطلاق وقد أدى تطبيق البروتوكول إلى انكماش ملحوظ في ثقب الأوزون في العقود التي تلت بدء التطبيق لكنه تلاحظ طبقًا لمراقبة فرق العلماء الدولية تباطؤ معدل الانكماش بسبب خروقات نتيجة انبعاثات بعض مركبات الكلوروفلوروكربون العضوية المدمرة لطبقة الأوزون في السنوات الست الماضية، على الرغم من حظر استخدامها نهائيا في معاهدة عمرها عقود مما يكشف انتهازية بعض الدول بحثا عن مصالحها الاقتصادية الضيقة.
يمر العالم الآن بحالة من عدم الاستقرار السياسي نتيجة التنافسية بين الدول الكبرى وهي تنافسية ترقى أحيانا إلى مستوى مبطن من الصراع رغم انتهاء الحرب الباردة والاستقطاب بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ويبدو أن وجود قطبين وقتها إيجاد واقع في السياسة الدولية أدى إلى درجة مقبولة من التوازن الاستراتيجي مفتقدة الآن بسبب الصراعات الاقتصادية ويتسبب هذا الوضع مع تزايد الظواهر الطبيعية العنيفة مثل موجات التسونامي والأعاصير والاحترار وظواهر أخرى إلى غياب اليقين فيما يخص مستقبل البشرية، وإذا كان النزاع بين الدول الكبرى يجر باقي دول العالم إلى مستقبل معتم تدفع ضريبته الدول الفقيرة وعلى سبيل المثال فإن الدول الأكثر غنى تخلت حتى الآن عن التدخل لحل مشكلة بيئية شديدة الخطورة تهدد عدة دول في إفريقيا بسبب التغيرات البيئية.
وعلى سبيل المثال ليس من المستبعد زوال بحيرة تشاد التي تتقلص بسبب التغيرات المناخية الناتجة عن الجفاف وندرة الأمطار ويمتد الحوض على مساحة قرابة ألف كيلومتر مربع، وينحدر سكانه من مجموعات قبلية وإثنية متعددة من أربع دول هي تشاد والكاميرون ونيجيريا والنيجر وتشكل البحيرة مصدر الرزق لنحو أربعين مليون شخص يعيشون على ضفافها، وهم من أفقر الجماعات السكانية في العالم، وتقول الأمم المتحدة: إن ربعهم يحتاجون إلى مساعدات غذائية، وقد بدأت البحيرة تتعرض لموجة جفاف متواصلة منذ عام 1962، وقد انخفض منسوب مياهها أربعة أمتار لتتقلص تدريجيا بنسبة وصلت إلى 90% ونتيجة لهذا الوضع المتدهور جرت هجرات داخلية وخارجية أفرزت مشكلات سياسية واقتصادية حادة في المنطقة وخارجها وقد استفادت حركة «بوكو حرام» من حالة التدهور الاقتصادي والاجتماعي فقامت بإكراه وتجنيد الآلاف من أبناء المنطقة في صفوفها، من مزارعين وصيادين تدهورت مداخيلهم مع انحسار مساحة البحيرة وقد صدر تقرير عن برنامج التغير المناخي صادر عن المعهد الدولي لأبحاث السلام في استوكهولم يحث دول العالم أن تتعاون إن كانت تريد أن تواجه الخطر الإقليمي في منطقة وسط إفريقيا ودول الساحل لكن تضارب الحسابات السياسية والاقتصادية تعوق حل المشكلة.
يدرك الشباب الذين يفهمون جيدا ما سوف يحيق بهم من أخطار في المستقبل بسبب أخطاء يرتكبها القادة السياسيون سوف يدفعون ثمنها غاليا في زمنهم المقبل لذلك خرجت مسيرات الشباب الاحتجاجية في 123 بلدا ضد حكوماتهم المتقاعسة ورفضا لتلكؤها في معالجة تغير المناخ وذلك طبقا لما صرحت به الشابة السويدية «جريتا تونبرج» إحدى قيادات ورموز الحركة الاحتجاجية الدولية وبصفة عامة فقد احتشد المتظاهرون بعشرات الآلاف في لندن وباريس وعديد من المدن في ألمانيا وسويسرا وبلجيكا وكبرى المدن في كثير من دول العالم شرقا وغربا.
وتحذر دراسة حديثة من أن الفشل في الوفاء بتعهدات اتفاقية باريس للمناخ سيؤدي إلى ارتفاع منسوب سطح البحر إلى مستويات ينتج عنها عواقب اقتصادية وخيمة للعالم وتلزم اتفاقية باريس المبرمة عام 2015 على هامش القمة الحادية والعشرين للمناخ الدول الموقعة عليها، والبالغ عددها 195 دولة، بمحاربة الأسباب المؤدية إلى تغير المناخ، وخفض درجة حرارة الغلاف الجوي للأرض بمقدار درجة ونصف إلى درجتين مئويتين، وصولا بدرجة الحرارة إلى مستويات ما قبل الثورة الصناعية وفي حالة عدم الوصول بدرجات الحرارة إلى مستويات ما قبل الصناعة، فإن الفيضانات التي يسببها ارتفاع مستوى سطح البحر يمكن أن تكبد البشرية 14 تريليون دولار سنويا بحلول عام 2100 كحد أدنى و27 تريليون كحد أقصى تبعا لسيناريوهات السيطرة على مشكلة احترار الطقس الذي يؤدي إلى مزيد من ذوبان جبال الجليد في القطبين الجنوبي والشمالي.
وتشير دراسة أعدها فريق من باحثي المركز الوطني لعلوم المحيطات في بريطانيا إلى أن البلدان الأعلى دخلا والأكثر تسببا في حدوث الاحترار العالمي هي الأقل تأثرا بالخسائر بفضل قوة بنيتها التحتية وإجراءاتها المتواصلة منذ عقود في مجال الحماية البيئية، وطبقًا للدراسة تقع 7 بلدان عربية ضمن مجموعة البلدان العشرين الأكثر تضررا من الفيضانات المحتملة عام 2100. وتضم هذه البلدان مصر، والبحرين، والكويت، والإمارات العربية المتحدة، والمغرب، وموريتانيا، والعراق.
ليس خافيا في المشهد الدولي المواقف السياسية التي احتد فيها قادة في الغرب ذا الأيديولوجيا والمصالح المتوافقة ضد بعضهم بسبب تسونامي وعواصف سياسية نتيجة تراجع البعض عن الالتزام باتفاق باريس وليس أدل على هذا ما هو أكثر من أن وزارة الخارجية الأمريكية أبلغت الأمم المتحدة رسميا أنها ستنسحب من اتفاقية باريس للمناخ ولكنها تركت الباب مفتوحا أمام إعادة انضمامها إلى الاتفاقية إذا تحسنت الشروط بالنسبة للولايات المتحدة أقوى وأثرى دولة على كوكب الأرض.