أنثروبولوجيا الفنون الإفريقية.. تحتفي بالإنسان والمقدس

د.عزة القصابية –
تأثرت الفنون الأفريقية البدائية بالأساطير والحكايات والخرافات المرتبطة بثقافات الشعوب الإفريقية، التي تستمد مقوماتها من علاقة الإنسان البدائي بالطبيعة والحيوانات والقوى الغيبية، وإبراز مظاهر السحر وصراع الإنسان مع الأرواح الشريرة، إضافة للعادات والتقاليد، وتمجيد الشخصيات القيادية في القبيلة.

تعددت مضامين «الفرجة» في الفنون الإفريقية التقليدية، أهمها ما يرتبط بالفرجة المقدسة ذات الصلة بالمعتقد الديني الذي بمثابة دستور الحياة في إفريقيا، وهو الملهم الأول للإبداع والتعبير عن خصوصيات الشعوب الإفريقية. وكانت بدايات الفنون الإفريقية دينية، تتحدث عن القصص والحكايات المأخوذة من الديانات والعقائد. وتكون الفنون الفطرية حاضرة عند الحديث عن الآلهة: الشمس مانحة النور، والسماء موزعة المطر، والأرض أم البشر. ولكن البداية الدينية لم تتجمد، فقد تطورت حتى أصبحت الفنون تؤدي دورا جماليا يقوم على المتعة والفائدة.
يعد الطقس الفني جزءا من المنظومة المجتمعية الأفريقية، وشهدت الفنون ظهور المسرح الشعائري عام 1985م، وأصبح وجود الشعيرة (الطقس) فيه أمراً مألوفاّ. ويشير فرينيوس أحد علماء الحضارات، وهو مؤلف كتاب «تاريخ الحضارة الأفريقية»، إلى أن أصالة المسرح الإفريقي الزنجي تعتمد على الشعائر الدينية، وهي تتضمن نوعا من الألعاب أو التمثيل كالأشكال الفنية والفطرية عند الإنسان.
وتقدم المسرحيات المعبرة عن الطقوس الدينية والصلوات الشعائرية، ضمن فرجة تفاعلية بين الجمهور والمؤدين في المعابد أو في الهواء الطلق وسط الجماهير الإفريقية في نطاق القبيلة. تنقسم العروض الطقسية في أفريقيا قاطبة إلى قسمين: منها ما يتصل بالجانب الديني، والآخر ما يتصل بعالم الأرواح وسط أفريقيا. مثل الطقس الذي يدعى «فاللوجا» وهو عبارة عن شعائر طويله تنشد الأمثال الشعبية أثناء القيام بالحرف اليدوية.
تشكل الفنون الإفريقية البدائية بطابعها الإيقاعي بُعدا أنثروبولوجيا لا يمكن تجاهله، يرتبط بمحتوى ومظاهر الفنون الفطرية المتأصلة في قرارة الإنسان الإفريقي. عندما نسمع طبلا، ندرك أن هناك رسالة مفادها بأننا أمام فرجة قومها الرقص والغناء والأداء الحركي. يعد الرقص الشعبي في الأداء والتعبير الإيقاعي، مظهرا عاما يوضح علاقة الإنسان الإفريقي بالطبيعة، واصفا مظاهر حياته وممارسته اليومية في الصيد والحصاد والتنقل والترحال، كما يعتبر الغناء والإنشاد بمثابة الخطاب بين القبائل والقرى والأرياف الإفريقية.
وصف ابن بطوطة الفنون الدرامية الأفريقية في القرن الرابع عشر، كانت تؤدى بطريقة راقصة شعرية مع ارتداء الأقنعة. وإن هناك حاكما لبلاد تدعى «مالي» قديما كان مولعا بالشعر والتشخيص، وكان يعقد جلسات للفرجة تتخللها جلسة مطارحات ومدائح شعرية.
وأكد الكاتب أولواده إكويانو من جمهورية «بنين» غرب القارة الأفريقية في سيرته الذاتية المنشورة عام 1789: «نحن نكاد نكون أمة من الراقصين والموسيقيين والشعراء». ولا يغيب عن البال، ارتباط الفنون الأفريقية بالحياة الاجتماعية، وهي جزء من السلوكيات والقيم والعادات السائدة في المجتمع الأفريقي. وتزامنت العديد من الطقوس الفنية مع الاحتفال بالمناسبات الاجتماعية، مثل: الزواج والختان والبلوغ وطقوس الصيد والحصاد لدى أهالي القرية أو القبيلة الواحدة.
وشهدت المسارح البدائية تقديم موضوعات تعالج العادات السلبية في المجتمع، فعلى سبيل المثال قدم «مسرح كوتيبا في مالي» مسرحية تتحدث عن انتقاد الشباب والسخرية من كبار السن. كما قدمت موضوعات اجتماعية في مسرح الشارع في بوركينا فاسو. عندما كانت مجتمعات «موسى» تقيم سوقا ليليا يخرج الناس إليه سنويا.
كما قدمت عروض تتحدث عن علاقة الإنسان بذاته، وعلاقته بالمحيطين به، إضافة إلى الموضوعات الوعظية والاجتماعية، وما يستجد فيها من أحداث تلامس واقعه اليومي. يروي الباحث الإفريقي السنغالي بكري طراوريه في كتابه «المسرح الزنجي الإفريقي ووظائفه الاجتماعية» عام 1958م، إن المسرح الإفريقي الزنجي آنذاك، ناقش موضوعات اجتماعية ذات طابع واقعي، تميل إلى الكوميديا التعليمية والتسلية.
ولقد اتسم المسرح الإفريقي الفطري في مرحلته الأولى، بأنه فن تلقائي يتناسب مع تصرفات وسلوك الإنسان البسيط، ما جعله ينتشر في ربوع القارة بمشاركة جميع فئات المجتمع من رجال ونساء وأطفال، وكان يقدم في الاجتماعات العائلية والأعياد والطقوس الدينية المتنوعة.
تقترن الموضوعات الاجتماعية بروح المسرحيات الكوميدية في المسرح الفطري، وتحظى بجماهيرية لا تقل عن العروض الطقسية. وتقدم هذه العروض في الساحات المفتوحة بين القبائل الإفريقية. ولقد تطور محتوى هذه العروض لتصبح مسرحيات قصيرة ذات حبكة واضحة وشخصيات محددة.
كذلك فإنّ الرابطة التي تهتم بالشؤون الدينية عند اليوروبا لا تزال تعمل على تنظيم أعمال درامية مبنية على الطقوس التي تمجد بطولات الأجداد، بشكل وصفي طريف، يؤديه عدد من المهرجين واللاعبين بمهارة، الذين يرتدون الأقنعة لتقليد الحيوانات وشخصيات من المجتمع اليورباوي. بشكل عام، لا يمكن فصل الفنون الأفريقية عن تاريخ وحضارة القارة الإفريقية المترامية الأطراف، بثقافتها ولغاتها وأسلوب حياتها، وسحر أساطيرها وحكاياتها التي يصعب فصلها عن الأدب والفنون الإفريقية. إضافة تنوع وغنى الأشكال الفرجوية التي تختلف من قطر إفريقي لآخر. فيما تتشابه مضامين الفرجة المسرحية التي تناجي الطبيعة، وتتحدث عن الغموض والمجهول والسحر وحب الإنسان الإفريقي للمغامرة، والسير على نهج السلف عند التعبير عن الذات أو مناجاة الطبيعة الساحرة.