في ذكرى النكبة.. تحديات بحجم الآمال في تحقيق الحلم

د. تيسير فرحات – سفير دولة فلسطين لدى السلطنة –

حين حصلت النكبة، واحتُلت الغالبية العظمى من أرض فلسطين التاريخية، ظن الكثيرون، أن الشعب الفلسطيني قد استسلم، وأن قضيته أصبحت قضية لاجئين، وقضية إنسانية في ملفات الأمم المتحدة، وأنه مع مرور الزمن سينسى الفلسطينيون وطنهم، حتى أن بعض المسؤولين في الغـرب، ردد عبارة «الكبار يموتون والصغار ينسون».
لكن إرادة الفلسطيني، وتمسكه بأرضه ووطنه، قد مكنته من اجتراع النكبة وتداعياتها، وتحدي كل ما خُطط له، بقوة وعزيمة، وإعادة تنظيم أولوياته، فعوَّض ما فقده من مقومات الحياة، والحضارة، التي كانت مدن فلسطين زاخرة بها وانتفض كما طائر الفينيق من بين الرماد، واتخذ العِلمَ بوصلة له، واختطَ النضالَ دربا وسبيلا لإحياء قضيته، وتحرير وطنه، وتحقيق حلمه بالاستقلال والعودة، موصدا الأبواب وللأبد، أمام كل المؤامرات والمبادرات المشبوهة، التي تُرسم في الخفاء والعلن لتجاوز إرادته، وإجهاض حقه في تقرير مصيره.
وهكذا قُيض لسنوات النضال التي خاضها، وسط ظروف وبيئات صعبة، أن تعيد القضية الفلسطينية إلى عمق الساحة العالمية والاهتمام الدولي، وغدت حركة التحرير الوطني الفلسطينية، التي تقودها منظمة التحرير الفلسطينية، مرجعية وطنية موحدة، خاضت نضالا طويلا وملتزما، حتى استطاعت أن تحقق إنجازات سياسية ودبلوماسية مشهودة، كرست اعتراف العالم بمنظمة التحرير الفلسطينية، ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، والاعتراف بالحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، بما فيها حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
لقد أفضى التحول السياسي في فكر منظمة التحرير الفلسطينية، وتبنيها البرنامج المرحلي في عام 1974م، إلى قبول المنظمة كحركة سياسية، بدأت تعترف بها دول العالم، وصار باستطاعتها التحدث باسم الشعب الفلسطيني، والعمل بكل الطرق السياسية والدبلوماسية من أجل استرداد حقوقه المشروعة.
ولقد شكل قيام السلطة الوطنية الفلسطينية في العام 1994، وعودة المنظمة وفصائلها إلى الأرض المحتلة، والانسحابات الإسرائيلية، بداية مرحلة جديدة، كانت تهدف إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة مع نهاية عام 1999م إلا أن المعارضة الإسرائيلية وتطرف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وتخليها عن كل الاتفاقيات الموقعة والالتزامات المترتبة عليها، أفشل ذلك.
ولم يمنع كل ما حدث من نكوص وارتداد، القيادة الفلسطينية من الاستمرار بالعمل في مسارين هامين:
الأول – عدم التراجع عن الأهداف المحددة، والتشبث بالحقوق المشروعة.
الثاني- مواصلة العمل السياسي والدبلوماسي، ومراكمة الإنجازات، وحشد الدعم الدولي على مختلف الصعد، من أجل دعم العملية السياسية، الهادفة إلى إنهاء الاحتلال.
واليوم، في الذكرى الحادية والسبعين للنكبة، تطل علينا من جديد، محاولات، ومؤامرات، وتوجهات تسعى لإعادة عقارب الساعة للوراء، من خلال العمل على تغيير مرجعيات السلام، وتجاوز مبدأ حل الدولتين، الذي يحظى بإجماع دولي، وكذلك مبادرة السلام العربية، التي مثلت فرصة هامة لإنجاح العملية السياسية وحل الصراع العربي – الإسرائيلي، ولعل ذلك تجسد في الخطوات الأمريكية الأخيرة المتعلقة بالقدس والأونروا، ونقل السفارة، وما يجري تداوله عن طرح ما يسمى صفقة القرن.
إن الشعب الفلسطيني، وقيادته، وانطلاقا من إيمانهم الكبير بحقوقهم المشروعة التي لا تسقط بالتقادم ولا بالتآمر، سيظل متمسكا بثوابته الوطنية، وسيظل يعبر عن التزامه بعملية السلام القائم على العدل ولن يقبل بفرض الحلول المجتزأة عليه، وكما استطاع أن يتجاوز طوال العقود الماضية، بعناده الوطني كل المخططات، فإنه لقادرٌ على الاستمرار بالمواجهة والعمل بكل السبل، وتجاوز كل التحديات الراهنة والقادمة ،ولعل الوحدة الوطنية الفلسطينية وتجسيدها من أهم أركان النجاح وإفشال المخططات المشار إليها.
وسيظل الشعب الفلسطيني ثابتا فوق ترابه الوطني، مدعوما من أبناء أمته العربية والإسلامية، الذين ما تخلوا عنه يوما، وسيظل حُلمهُ مشروعا وقابلا للتحقق.