حبيب المعيني: أدعو الشباب العماني إلى الحفاظ على مكتسبات ديننا ومجتمعنا العماني ونبذ كل ما يدعو إلى التفرقة والتعصب

قرأت للعلامة نور الدين السالمي وللربيع بن حبيب ومؤلفات الشيخ المفتي تصلني أولا بأول –
أجرى اللقاء: خميس بن علي الخوالدي –

انجبت صحار علماء أجلاء ذاع صيتهم وما زالت تنجب شخصيات وقامات وأعلاما يعتز بهم وبرعوا منذ القدم في مختلف العلوم والمعارف واجتهدوا في طلب العلم والتأليف واستقوا الكثير من العلم ممن سبقوهم من العلماء كما انهم حافظوا ودعوا الى التقارب والتآلف والتعايش بين المذاهب «روضة الصائم « التقى الشيخ حبيب بن عبدالله المعيني في مكتبة منزله الخاصة ليطلعنا على ما تحتويه من أمهات الكتب في مختلف العلوم الفقهية والدينية اضافة الى نشأته ورحلته لأجل العلم وحياته العلمية والعملية واطلاعه على مختلف المدارس الفقهية والعلمية حيث ولد الشيخ حبيب في بيت علم وكما ذكر فإنه ولد في عام 1358 هجري (نحو عام 1939 للميلاد) في قرية مجز الكبرى بولاية صحار وعاش يتيماً بعد ميلاده بثلاث سنوات حيث توفي والده وبعد عام من وفاة والده توفيت والدته وتوالت وفيات غيرهما من أهله خلال سنوات قليلة من طفولته ويروي ان سلسلة الفقد التي ألمَّت بعائلته تركت آثارًا غائرة في نفسه، ولكن الحمد لله على قَدره، ولطفه في كل حال وبأمر من السلطان سعيد بن تيمور رحمه الله اعتنت دائرة الأوقاف والتركات بأموال الوالد والكتب العظيمة والمخطوطات التي تحتويها مكتبته إلى أن بلغ سن الرشد مشيرا الى انه ولد في قرية مجز الكبرى إلا انه نشأ وترعرع في قرية مجز الصغرى (التابعة إدارياً إلى ولاية صحم)، لذا يعدُّ نفسه انه «ابن القريتين» لانتمائه إلى المكانين على حدٍ سواء.

الحديث مع الشيخ المعيني كان ثريا جدا وتطرق إلى الكثير من المحطات الرئيسية في حياته ومنها الدراسة وطلب العلم بقوله: لم ألتحق بمدارس نظامية اعتيادية حسب ظروف تلك المرحلة إلا أنني نهلتُ من فيض علماء ومشايخ أفاضل أجلاء أكنُّ لهم كل تقدير وامتنان، وأدعو الله أن يجيزهم خير الجزاء عن جهودهم فكان منهم العِلم والأخلاق وكان أول عهدي بالدراسة على يد العم الشيخ حسن بن محمد المعيني شقيق والدي وزميله في طلب العِلم وإن كان رحمه الله أعمى البصر إلا أن الله منحه نور البصيرة ، درستُ على يديه «شرح العلامة ابن قاسم الغَزيِّ على متن القاضي أبي شجاع» وبعد وفاته انتقلتُ إلى صحار لفترة وجيزة لطلب العلم على يد الشيخ عبدالرحمن محمد حافظ الذي كان يعد من رواد التعليم وقتها ومعه تزاملت مع الأخ الشيخ علي بن إبراهيم المعيني كما درستُ لاحقًا على يد العم الشيخ إبراهيم بن علي المعيني الذي كان دقيقاً في بحث المسائل وشرفت لاحقاً بمصاهرته وأمسى جداً لأولادي.
وأضاف ان مشيئة الله سنحت لي ولرفيق العمر الشيخ علي المعيني فرصة للذهاب إلى أبوظبي لعام واحد لدراسة الفقه واللغة على يد الشيخ محمد بن أحمد الخزرجي الذي كان وزيراً للأوقاف وللعدل وفي عام 1970 للميلاد إبان تولي جلالة السلطان قابوس بن سعيد الحُكم، لبينا نداء الوطن بالعودة إلى عُمان والعمل في السلك التدريسي فقد عُينت في وزارة التربية والتعليم مُدرساً في مدرسة يعرب بن بلعرب بولاية صحم وكانت مدرسة حديثة على مقياس ذلك الزمن ، درَّستُ فيها لست سنوات متتالية اللغة العربية والتربية الإسلامية، وكان مدير المدرسة وقتها علي بن محمد الجرواني الذي أدارها بجدارة واقتدار.

إصدارات

سألته عن مؤلفاته ورد بتواضع جم لا أعد نفسي مؤلفاً بأي حال إلا أنني أخرجت مؤلَفاً صغيراً في عام 1430 هـ في طبعة خاصة وهذا الكتاب عبارة عن سيرة قصيرة عن والدي بعنوان «غيض من فيض الإله الواحد مما حباه لسيدي الوالد» سيرة مختصرة للعلامة الشيخ عبدالله بن محمد المعيني «الشهير بالمجزي» وكان مبعث هذا العمل سعيي لتوثيق ما أمكنني الوصول إليه عنه محاولة مني للتعريف به رحمه الله إذ فُقدتْ كل مؤلفاته ومخطوطاته للأسف الشديد بعد وفاته وأنا طفل صغير.
واعمل الآن على تأليف كتاب جديد بعنوان «تأملات في آيات» يحتوي على أحكام ومسائل فقهية وتجميع بعض من التأملات القرآنية التي رصدتُها خلال السنين نسأل الله أن يوفقنا إلى المزيد من هذا السعي.
كما عملت بحثا بعنوان «ثبوت سنة الجمعة القبلية في مذهب علماء الشافعية» واعمل الآن على بحث آخر حول الفرق بين «سيدنا شعيب النبي» وشعيب مدين الرجل الصالح بالقرائن وما زال البحث في بدايته.

موقف لا ينسى

وحول المواقف التي أثرت في حياة الشيخ المعيني يقول: ارتقيتُ المنبر لخطبة الجمعة للمرة الأولى في حياتي يوم 25 شوال من عام 1376 هـ في جامع الشيخ عبد الله بن محمد المعيني (الذي أسسه والدي وكان قيماً عليه، وبمساهمة من أهل الخير ممن كانوا معه وكان بناؤه طينياً) في قرية مجز الصغرى وأذكر هذا الحدث جيداً حيث إن قوافل الحجيج كانت قد غادرت القرية الى المشاعر المقدسة قبلها بيوم وكأن الموقف أراه الآن بصورة حيّة يحدث أمامي، هيبة الوقوف أمام الناس على المنبر وأنا ابن تلك السنين القليلة وقدماي بلكاد تحملاني أثناء الخطبة من رهبة الموقف واستشعار المسؤولية التي اخذتها على عاتقي، كان ذلك موقفاً مهيباً بالنسبة إلى عمري، ودفعني الى ذلك الحاجة لسد النقص في العلم وقتها في البلد، والتطلع إلى القيام بهذا الدور على نحو لائق وفق قدراتنا، نسأل الله أن نكون قد وفقنا إلى القيام به وأن يتجاوز عن أي إساءات بدرت منا في حقه أو حق عباده، والحمد لله أن قدرني بعد ذلك بسنين على إعادة بناء الجامع ذاته في نفس المكان الحالي بناءً اسمنتياً حديثاً الذي عليه الآن عوضاً عن البناء الطيني السابق بمساعدة أهل الخير.

العمل والتقاعد

واردف قائلا : اتجهتُ لبعض الظروف الخاصة إلى العمل في مدينة العين بدولة الإمارات في عام 1977 م وعملتُ إماماً وخطيباً لأكثر من جامع آخرها جامع الشيخ زايد إلى أن تقاعدتُ في عام 2011 م (ما يقارب أربعة وثلاثين عاماً) هذا وإن كنتُ أعمل هناك خلال أيام الأسبوع إلا أنني لم أبتعد عن بلدتي مجز الصغرى فكنت أقضي جل نهايات الأسبوع فيها إذ لم أنفصل عنها ولا عن أجوائها مكاناً أو رُوحاً ولقد سنح لي العمل خارج عُمان فرصة الالتقاء بكثير من طلبة العِلم والعُلماء.
كما منحني فرصة الجلوس في مجالس الشيوخ من مختلف المشارب والاتجاهات والجنسيات، وقد شَرفتُ بأن أكون مُمثلاً غير رسمي لوطني سلطنة عُمان وأن أكون نفسي في مثل هذه اللقاءات الطيبة المُحمَّلة بالمودة والمبنية على الاحترام في الاختلاف، والتفهم للآراء الفقهية والدينية المتعددة التي يتسع لها المقام بطبيعة الحال ومن تلك المجالس التي استفدتُ منها ومن حضورها مجلس الشيخ أحمد بن خليفة السويدي المُحب للعلم رغم انشغالاته الوظيفية العليا المتعددة والذي كان يكن كل تقدير واحترام لمحبي العِلم وأهله جزاه الله عنا كل خير وبعد تقاعدي في الإمارات في عام 2011، واصلتُ العمل في السلطنة كمشرف ديني في شمال الباطنة.

علاقات ود ومحبة في الله

وسألته عن الود المتبادل بينه وبين سماحة المفتي فقال: علاقتي بالشيخ أحمد الخليلي – حفظه الله – وطيدة وقديمة متجددة ويسودها الود والاحترام المتبادل، وهو كما نعلم دون شهادة مني عَلم كبير ورمز ديني بارز يتجاوز مداه حدود الوطن إلى مستوى العالم الإسلامي بفضل علمه وعمله وبين حين وآخر نتدارس فيما بيننا المسائل الفقهية ومن تواضعه الجم وخلقه الحسن أن يستمع ويصغي إلي نسأل الله أن يكتب له موفور الصحة والعمر المديد وإن ينفعنا بعلمه.

كتب وإعلام تأثرت بهم

وحول اهتمامات الشيخ المعيني والكتب التي تأثر بها واطلع عليها قال: لدي حب وشغف في تدبر آيات الله الحسنى فالقرآن الكريم كما نعلم معجزة عظمى يتأتى الإعجاز فيه بأشكال شتى في كل يوم، ويهمني تتبع الآيات الكريمة وتدبرها على نحو متجدد كلما وفقني الله إلى ذلك وثمة عشرات من الكتب تأثرت بها في فترات حياتي المختلفة، ويظهر أثرها خلال السنين المتعددة وليس من السهل اصطفاء القليل منها في هذا اللقاء، إلا أنه يمكنني الإشارة في سياق التدبر القرآني وإلى بعض التفاسير التي أظن أنها يمكن أن تكون مفتتحاً لتدبر القرآن لكل مسلم أحدها تفسير الشعراوي الذي وفقه الله إلى تبسيط ونقل معاني الآيات العظام بسهولة إلى العامة دون أن تفقد عمقها والاطلاع على تفسير القرطبي (شيخ القراء) وتفسير ابن كثير ومن علماء الاباضية قرأت للجبل العظيم الشيخ العلامة نور الدين السالمي وللربيع بن حبيب اضافة الى مؤلفات الشيخ احمد بن حمد الخليلي التي تصلني أولا بأول.

نصيحة للشباب

إذا ثمة ما يمكن أن أقوله فهو دعوة مفتوحة للشباب المسلم عامة وللشباب العماني خاصة إلى التمسك بالمتون الفقهية والاعتداد بها وأخذها بجدية من أئمتها وعلمائها الذين اجتهدوا فيها فأمهات الكتب الدينية لا بد أن تكون أساسية في حياة كل مسلم.. بالقدر الذي أدعوهم إلى الاجتهاد في دينهم بعد العِلْمِ فيه ونبذ كل ما يدعو إلى التفرقة والتعصب والانقسام وينبغي أن نحافظ على مكتسبات ديننا ومجتمعنا العُماني ونعظم ما من شأنه أن يلم شملنا ويقربنا من بعضنا البعض.