البعد الاجتماعي.. علاقة وجودية بالوطن

أحمد بن سالم الفلاحي –

إن الحديث عن البعد الاجتماعي في الذاكرة الجمعية، هو نوع من النبش في الذاكرة في كل مرة، وهذا النبش؛ يبدو أنه محمود إلى حد ما؛ ذلك أنه يعيدنا في كل مرة إلى شيء نفتقده ونحتاجه، لنعبر به عن هوياتنا ومرجعياتنا، ولو على صورة مشابهة «تشبيه» حتى لا تفقد الأجيال ذاكرتها التاريخية والتراثية ببعديها المادي والمعنوي على حد سواء.
استفتح هنا؛ قبل بدء مناقشة هذا الموضوع؛ بمجموعة من الأسئلة الاستهلالية أو المفتاحية، ومنها: هل البعد الاجتماعي يشكل عبئا على الذاكرة الجمعية؟
وإلى أي حد يستطيع أحدنا أن يفرغ ذاكرته من بعدها الاجتماعي؟
وما هي المحفزات التي تغني هذه الذاكرة عن التموضع على مكونها الاجتماعي؟
وهل هذا البعد، يلقى مناخه الآمن للاستمرار في ذاكرة الأجيال؟
وما هو الدور الذي تلعبه الأوطان البديلة- في حالة وجودها- للتقليل من تكاليف هذا العبء؟
تستفزني هذه الأسئلة كلما غادرت وطني الحبيب إلى بقاع الأرض الواسعة، وذلك من أثر ما أراه من سلوكيات رشيدة وواعية لأناس كثيرين يعيشون في أوطان بديلة، ومع ذلك يحملون عناوين أوطانهم؛ العريضة؛ في مختلف سلوكياتهم في الحياة، في الملبس؛ على سبيل المثال؛ في توظيف القيم، في هيئاتهم الشخصية، في اللغة، في مدى تقبلهم لواقعهم الجديد، في مختلف حواراتهم مع الآخر، في الحنين الدائم إلى ذلك الوطن البعيد، الذي يختزن ذكرياتهم، وطفولتهم، ومرتع صباهم الجميل، ولذلك لا يستغرب أبدا عندما تجد عند أحدهم قارورة زجاجية موضوعة في مكان مميز في صدر المجلس بها تراب، وعندما يغالبك الفضول للسؤال عن ماهية هذا التراب، يقال لك: «هذا تراب الوطن» فأي سمو هذا في هذه العلاقة؟
والسؤال المحوري هنا؛ أكثر؛ هو: ما الذي يجعل فردا ما من دولة ما، وهو في دولة أخرى مختلفة ثقافة، وتاريخا، لأن يظل على هويته الثقافية ولأجيال متتالية، ما هذا الفاعل المعنوي الشديد الحضور الذي يتغلب على كل العوامل الضاغطة في الوطن البديل: العائد المجزي، الحياة الآمنة المستقرة، الأسرة المتكاملة من الزوجة والولد، ولربما بعض الأقرباء والأصدقاء، ومع ذلك تتسامى النظرة بعيدا بعيدا، مستحضرة وطنا يفصلك عنه آلاف الكيلو مترات، وتفصلك عنه المحيطات، والبحار، والأنهار، والجبال، والغابات، ومن فوقهن السموات، ولم يبق ليوصلك إلى ذلك الوطن البعيد سوى صورته المتخيلة التي لا تزال تخيم على الذاكرة التي تحتويها وتحنو عليها «حنو المرضعات على الفطيم».
كنت أقارن، وأنا في خضم مناقشة هذا الموضوع، بين الحراك الاجتماعي «المادي» الذي هو يشكل ظاهرة اجتماعية تعيشها الشعوب في كل عصر، حيث تنتقل أفرادا وجماعات، من مكان إلى آخر، سواء على مستوى المكون الجغرافي الواحد «الوطن الواحد» أو عبر جغرافيات متعددة تفصل بينها قارات، وليس حدودا جغرافية فقط، ومع ذلك لم تعش هذه الشعوب؛ على اختلافاتها؛ وكثرة تنقلاتها، واختلاف مآربها في هذه التنقلات، ذلك الحراك المعنوي المعبر على تغيرات جذرية تؤثر في القيم، وفي العادات، وفي السلوكيات، ما ينبئ عنه تأثيرا مباشرا للسكنى الجديدة، مع ملاحظات أن هناك حرصا غير عادي من قبل الآباء والأمهات على تلقين أطفالهم كل ما هو متعلق بالوطن الأم، وكأن هذا الوطن الأم عمد لجملة المهاجرين عنه التوقيع على عهود ومواثيق بألا يغيروا أو يتغيروا، أو يحدثوا، أو يستحدثوا، شيئا ما ليس له علاقة به، وهذا ما يدفع لمزيد من الأسئلة عن هذا السر، وهذه الصورة ليست مقتصرة فقط على الأوطان البديلة البعيدة جغرافية وانتماء، وإنما يحدث هذا حتى في إطار الوطن الواحد، عندما ينتقل فرد من منطقة الى أخرى، يظل رهين بقاء لكل ما هو موجود في مكانه الأصل، إنها حكمة الله في خلقه « لله في خلقه شؤون».
يقول المثل العماني: «بين رزقت، ولا بين ولدت» يحمل معنى المثل هنا غير الصورة التي نتحدث عنها، مع أنه يحمل إشارة ضمنية الى ضرورة البحث الدائم عن بيئات آمنة ومستقرة للعيش والبقاء، ومع ذلك لم تستطع هذه البيئات الجديدة أن تؤثر تأثيرا مباشرا على قناعات الناس، حتى لو جلبت لهم الخير العميم، وهذا ما يشير إلى أن البعد المادي مهما كان زخمه، وعائده، ومساحة الرخاء التي يضفيها على النفس، بعد سنوات الضياع التي عاشتها في بلدها الأم، إلا أن البعد الاجتماعي يبقى لاعبا محوريا مهما بكافة أوراقه الرابحة الى آخر لحظة في حياة الأنفس المكتوية ببعدها الاجتماعي المتسيّد على كافة المشاعر المكونة لأنفسنا، والتي نتعاطى بها مع الآخرين من حولنا.
يذكر أحدهم أنه عاش في بلد المهجر ما يزيد عن (23) عاما، كون نفسه، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، من حيث تكوين الأسرة، وإنجاب الأطفال، وأوجد له مساحة اجتماعية آمنة، في الحي الذي يعيش فيه، وحقق منجزات نوعية في مسيرته الوظيفية، حتى أصبح أستاذا أكاديميا في إحدى الجامعات، ومع ذلك وبعد هذه المدة كلها قرر العودة بأسرته الى بلده الأم، مع أن الوضع الاقتصادي والأمني في بلده الأم لا يقارن مطلقا بواقع الوطن البديل، وكانت عبارته «أرهقتنا الغربة، ولم يغرنا الوطن البديل بكل ما يحتويه» وهو اليوم أيضا في نفس مهنته، أستاذ جامعي في أرقى جامعات بلده الأم، وكأن لسان حاله يقول: «وللأوطان في دم كل حر… يد سلفت ودين مستحق» وهناك أمثلة كثيرة تغلّب فيها الحنين الى الأوطان وبكل ما تحتويه، على المحفزات المادية الأخرى، والتي من شأنها أن تغري وتنسي، وتربك بعض الاستحكامات المعنوية المدخرة لذلك الوطن الذي أصبح بعيدا.
ومن خلال هذه الأمثلة وغيرها يبدو أن المكون الحضاري لبلد المهجر، مهما علا سقفه المادي لن يفلح؛ الى حد كبير؛ في تغريب المهاجرين إليه، وسلخ هوياتهم الأصيلة، ومهما تراكمت قدرته على تغيير القناعات، والقيم المحلية الخاصة، واستبدالها بما هو موجود، لن يكون له ذلك الحضور اللافت، وحتى لا يكون الحكم مطلقا في هذه الصورة، يمكن أن تحدث بعض الحلحلة على الأجيال اللاحقة، ربما الجيل الثاني، أو الثالث، إن ظل ملازمة جغرافيته لسنوات طويلة دون اتصال وتواصل مع الجغرافيا الأم، ومع ذلك؛ إن تحقق في أمثلة معينة؛ يبقى هناك من يعود ليقف على مشهد الأصل بنفسه ولو بعد حين، حيث سيذكر أن لأجداده موطنا آخر يود زيارته، ولو من باب الفضول على أقل تقدير، لأن من ميزة القيم، والثقافة، والعادات، وبما تحمله من حمولة اجتماعية خصبة، تظل تتحاور فيما بينها، مشكلة بتحاورها هذا مناخا محفزا للعودة من جديد إليها مهما كان البديل قويا وحاضرا ومؤثرا، وحوارها هذا هو ما يضفي على المشهد الاجتماعي مكانته، وتألقه، وفرض هيمنته على الذاكرة، التي ما فتئت تركن إلى هذا الخيال الجميل، والذي تحمله زادا لا يمكن الاستغناء عنه، ولو تناءت الأماكن والجغرافيات والمشاعر أيضا.
هناك من يسدي جزءا من الفضل في هذه العلاقة الوجودية في تثمين الحاضر الوطني في هذه الذاكرة، وذلك من خلال جهود المجتمع المدني المتواجد في بلد المهجر، وذلك من خلال إقامة المعارض والمهرجانات والمسرحيات والندوات، والمشاركة في احتفالات الوطن المستضيف، وغيرها من الفعاليات الأخرى التي يجد فيها المهتمون من حاضنة المجتمع المدني الفرصة لإبراز مختلف الصور الوطنية للوطن الأم، حيث تعمل هذه المساهمات كلها على تأصيل الغرس، وتقوية عود نضارته وتواصله في ذاكرة الناشئة التي تعيش بعيدا عن أوطانها الأم، فتفضي هذه الجهود كلها إلى تحفيز معانقة مؤثرات البعد الاجتماعي في هذه العقول التي للتو تبحث لها عن هوية في وسط هذا الكم الهائل من الهويات والقيم والتقاليد التي تعيش تفاصيلها في الوطن البديل، ولذلك فالمجتمع المدني يلعب أدوارا مهمة لإيصال الحاضر بالماضي، وتعزيز صورة الانتماء للأمة المهاجرة حتى لا تطويه أردية النسيان.
أختم هنا؛ بالقول: إن الحديث عن البعد الاجتماعي في الذاكرة الجمعية، هو نوع من النبش في الذاكرة في كل مرة، وهذا النبش؛ يبدو أنه محمود إلى حد ما؛ ذلك أنه يعيدنا في كل مرة إلى شيء نفتقده ونحتاجه، لنعبر به عن هوياتنا ومرجعياتنا، ولو على صورة مشابهة «تشبيه» حتى لا تفقد الأجيال ذاكرتها التاريخية والتراثية ببعديها المادي والمعنوي على حد سواء، ففي المقابل إن عوامل التغريب من شأنها أن تربك المنظومات القيمية عند الشعوب المهاجرة، وتتعرض في المقابل إلى عوامل التعرية المجتمعية في الوطن البديل.