التراجيديا الفلسطينية من اتفاق أوسلو إلى صفقة القرن

ماجد كيالي –

يبدو أن التراجيديا الفلسطينية، الطويلة والمريرة والصعبة، لا نهاية واضحة لها، فعندما تخلصت البلدان العربية من السيطرة العثمانية إذا بالفلسطينيين يجدون أنفسهم إزاء الانتداب البريطاني مع وعد بلفور (1917)، الذي وعد الحركة الصهيونية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، بتهجير يهود أوروبا إليها، وعندما حاولوا التخلص من الانتداب البريطاني، وحصلت الدول العربية على استقلالها، آنذاك، وجدوا أنفسهم مستثنين من هذا الحدث التاريخي، أي من دون وطن ودولة، بل وفوق ذلك وجدوا أنفسهم إزاء إقامة دولة إسرائيل (1948)، على حساب تشريد معظمهم. أيضا، عندما أشهر الفلسطينيون حركتهم الوطنية لتحرير أراضيهم (في منتصف الستينات)، إذا بالدولة الإسرائيلية تحتل باقي فلسطين، في الضفة والقطاع (في حرب يونيو/‏‏حزيران 1967).
هكذا توالت الخيبات، فيما بعد، إذ وجدت الحركة الوطنية للفلسطينيين نفسها، بدل أن تطالب بتحرير فلسطين، تتراجع، في منتصف السبعينات، وتطالب بمجرد إنهاء الاحتلال الحاصل في 1967، وحصر الأهداف بإقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، بل إنها بعد عقدين اضطرت إلى القبول بما هو أقل من ذلك في اتفاق أوسلو (1993)، حيث رضخت وقتها لطلب إسرائيل التفاوض على القضايا الفلسطينية الأساسية (القدس، واللاجئين، والحدود، والمستوطنات)، من دون توضيح ماهية الحل النهائي، وباعتبار كأن القضية بدأت في 1967، وليس في 1948، مع النكبة وتشريد الجزء الأكبر من شعب فلسطين.
المهم أنه في حينه، ولدى توقيع اتفاق أوسلو، لم يكن لدى القيادة الفلسطينية أية أوراق تفاوض عليها، فهي خسرت في رهان الكفاح المسلح، بعد اجتياح إسرائيل لبنان (1982)، وباتت مقراتها بعيدة كثيرا عن فلسطين، والأهم من ذلك أن الوضع الدولي والعربي لم يكن لصالحها تماما، في مطلع التسعينات، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي (السابق)، وحرب الخليج الثانية، وهيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي.
بيد أن المفارقة هنا أن القيادة الفلسطينية وقعت على اتفاق أوسلو وفق أوهام محددة، أو وفق مراهنات خاطئة، ضمنها، أولاً، ثقتها بأن الولايات المتحدة الأمريكية باتت حليفا موثوقا، أو وسيطا محايدا، أو راعيا نزيها، في المفاوضات، وهو ما تبين عن خطأ فادح يدفع ثمنه الفلسطينيون الآن في ظل إدارة ترامب.
ثانيا، ثقتها بأن التطورات في إسرائيل تسير لصالح حزب العمل، في حين أن هذا الحزب كان تسلم زمام الحكم، آنذاك، بفضل أصوات العرب في الكنيست الإسرائيلي، والمهم هنا أنه حتى هذا الحزب لم يثبت على وعوده في اتفاق أوسلو، ولم يف بتعهداته، ونحن نعرف الآن كيف عمل ايهود باراك على تصفية اتفاق أوسلو في تملصه من استحقاقات المرحلة النهائية، وفي الأطروحات التي قدمها في مفاوضات كامب ديفيد2 (2000)، التي أودت بالانتفاضة الثانية؛ وها هو هذا الحزب ينهار نهائيا في الانتخابات التي جرت مؤخرا بحصوله على ستة مقاعد فقط، نتيجة انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين واليمين القومي والديني المتطرف. ثالثا، لقد راهنت القيادة الفلسطينية على عامل الزمن، لكن تلك مراهنة خاطئة أخرى، لأن الزمن يعمل باتجاهين، سلبي وإيجابي، ويعمل لصالح من يمتلك أوراق قوة أكبر وأقوى، ولصالح الإدارة الأفضل، وفي كل حال فإن الوضع الفلسطيني إزاء إسرائيل بالغ الانكشاف والضعف والقصور.
الآن يجد الفلسطينيون أنفسهم مرة أخرى، إزاء خطة جديدة، تستهدف، لا تقدم لهم الحد الأدنى من طموحاتهم الوطنية، ولو حتى على مستوى إقامة دولة مستقلة في 22 بالمائة من أرضهم التاريخية.
وعلى العموم فإن هذه الخطة تستهدف الحفاظ على الوضع القائم، حتى لو تحت اسم دولة، طالما هي بمرتبة حكم ذاتي، وتحت السيادة الإسرائيلية، في الأمن والاقتصاد والمعابر والعملة والسيادة.
كما تستهدف تلك الخطة فك الارتباط العربي بقضية فلسطين، وفصل قضية التطبيع عن قضية السلام، وخلق علاقات تعاون اقتصادي باعتبار إسرائيل فاعل بل وشريك في المنطقة.
في الخطة الجديدة، الفلسطينيون مجرد سكان، في مناطق حكم ذاتي، وقضية فلسطين، ستبدو خالية من معناها ومبناها، لا منظمة تحرير، وإنما سلطة حكم ذاتي، لا حق للفلسطينيين في القدس، ولا في العودة، إذ الفلسطينيون هم سكان منطقتي الضفة وغزة.
عموما الفكرة لا تتوقف عند توصيف هذه الخطة، أو رفضها، وإنما الفكرة تتعلق بالسؤال عن لماذا وصلنا إلى هنا؟
أو ما الذي ينبغي عمله للحفاظ على حقوق الفلسطينيين، أو على الأقل للتخفيف من مخاطر هذه الخطة؟