مسرحية «موال حدادي»..أكدت قدسية الوطن

د.عزة القصابية –
من لجة البحر وأمواجه العاتية، انبثقت حكايات وفنون البحارة ضمن أحداث مسرحية (موال حدادي) للمؤلف إسماعيل عبدالله، وإخراج الطالب أمجد الكليبي، والتي قدمت بمهرجان آفاق الثامن بالكلية التقنية، وحصلت على المركز الأول. شحنت أحداث مسرحية «موال حدادي» بحمولات سياسية واجتماعية، امتزجت بفنون (اليامال) والخطفة والحدادي الأهازيج وغيرها من النهمات البحرية..وهي فنون طربية بحرية تستنهض همم البحارة لمواصلة الرحلة ومقارعة الأمواج والعواصف والعمل الشاق على متن السفن الشراعية قديما.

لقد شهدت مسرحية «موال حدادي» صراعا ثقافيا وفكريا واجتماعيا، تمثل في شخصيتي (جون وحميدان)، اللذين أوجدهما المؤلف في بنية النص، بهدف إبراز التضاد السياسي والثقافي بين الشرق والغرب. استطاعت شخصية (حميدان) أن تقوم بدور فاعل في تحريك الأحداث وتأجيج الصراع الثقافي والديني بين جبهتين: الوطن ومعسكر العدو. وكان حميدان يعمل كنوخذة. ولكنه طرد من عمله، فقرر البحث عن فرصة جديدة، ترد له اعتباره في المجتمع وبين أهالي (الفريج).
قرر حميدان الذهاب إلى معسكر الإنجليز والتقى هناك بجون، الضابط في المعسكر البريطاني، الذي كان هو الآخر يعاني من مشاكل اجتماعية، ويدمن الخمر اثر تعرضه لأزمات نفسية. ورغم تضاد الشخصيتين ثقافيا، وفكريا وسياسيا، إلا أنهما استطاعا التعايش معا في مكان واحد.
تمكن حميدان من أن ينال ثقة الضابط جون، وأن يكسب المال نظير عمله كساقي في الحانة التي يشرف الضابط عليها، كما أصبح صديقا له. حيث كان جون يثرثر عن حياته الشخصية، وكان حميدان يستمع إليه بإمعان. ورغم التفاوت الفكري والثقافي واختلاف البيئة بينهما، إلا أن حميدان تمكن أن يصبح شخصا مهما لدى جون، وحصل على وسامين من المعسكر البريطاني.
وبعد مرور أشهر على اختفاء حميدان، جاء أهالي (الفريج) يبحثون عن حميدان. وأخيرا وجدوه في المعسكر، ولما سألوه عن مهنته قال انه يعمل كمقهوي ! ورغم عدم منطقية الإجابة، إلا أن بساطة البحارة جعلتهم يصدقونه، وبذلك تمكن حميدان من تضليلهم! تخللت زيارة البحارة للمعسكر مجموعة من المواقف المضحكة والمفارقات الكوميدية المبنية على سوء التفاهم، وتضاد المعاني والكلمات. وخاصة بعد تغير حال حميدان وتحسن وضعه المادي، وأخبرهم أنه سيعود يوما إليهم، بعد أن يجمع المال، الذي يمكنه من شراء سفينة، ليصبح ربانا عظيما عليها.
ورغم هزلية المواقف الكوميدية بسبب الأداء الارتجالي لحميدان وأهالي الفريج، إلا أن الرسائل التي تضمنها النص، جعلته يقترب من «الكوميديا السوداء»، التي تضحك المتفرج على واقعه الأليم، والذي أصبح مكبلا بعدد من الاتفاقيات والمعاهدات التي تكفل للغريب، التمتع بخيرات بلاده، بينما (أمثال حميدان ) لا يترددون في العمل في معسكرهم.
ورغم أن نص (موال حدادي) أخرج أكثر من مرة، إلا أن التجربة الطلابية بكلية التقنية بمسقط، قدمت رؤية إخراجية جديدة، سلطت الضوء على حال الأنظمة السياسية التي تتحكم في الشعوب العربية، والتي لم تستطع استيعاب احتياجات شعوبها الحقيقية، حتى لا يكونوا مجرد تابعين لمعسكر الغريب! وبعيدا عن الرسالة الضمنية للنص المكتنزة بكم من الرسائل الموجعة، والمؤثرة، إلا أن الإخراج قدم رؤية جمالية بصرية، مستغلا حركة الممثلين في الفضاء المسرحي. والذين كانوا يؤدون أدوارهم كأفراد مثل (حميدان، وجون)، أو مجموعات مثل الأهالي، الذين قاموا بتأدية أدوارهم بأسلوب ارتجالي كوميدي. إضافة إلى الاستعراض الراقص، والأهازيج والغناء الشعبي، كما برزت في العرض المسرحي المقدم قطعتان من الأثاث، ارتكزت معظم حركة الممثلين عليهما.
سادت في العرض الموسيقى الحديثة، خاصة عندما كان جون يسرد ماضيه لحميدان. بينما سادت الموسيقى الشعبية الراقصة والأهازيج الغنائية عند وجود الأهالي.
وتصاعدت الأحداث نحو الذروة، عندما لم يستطيع الأهالي ردع حميدان وإيقاظه من غفلته، ومنعه من العمل في معسكر العدو. وصولا إلى ظهور زوجته، التي جاءت لتبحث عنه، ولكنه تخلى عنها، وجعلها تتعرض للمهانة على يد القائد جون، وفي النهاية قامت الزوجة بصفح حميدان والانسحاب من حياته.
ورغم واقعية الأحداث في القصة التي تتحدث عن أحداث وقعت في زمن المحتل الانجليزي لمنطقة الخليج العربي، إلا أن النص تضمن دلالات رمزية، جعلته ينسلخ عن دائرة الواقع الاجتماعي، ويحلق بعيدا نحو آفاق وأبعاد الواقع السياسي.
تعد شخصية «حميدان» مثال للمواطن الخائن، الذي باع وطنه، ودينه وثقافته، وعاداته…وذهب للعدو من أجل كسب مادي، وتمكن من الحصول على وسامين نظير خيانته…. وكان ظهور « الزوجة» بمثابة الرمز للوطن الذي تخلى عنه حميدان، وتعد الصفعة ضربة في وجه الخائن الذي تخلى عن وطنه، مقابل الحصول على رضى المحتل.
عزز النص أهمية «قدسية الوطن» وضرورة التمسك به، وعدم الانخراط في صفوف الغرباء، مهما كانت الإغراءات والرهانات المظللة. لذلك جاءت الصفعة بمثابة العقاب لحميدان، الذي تنكر لثقافته وعروبته، ودينه وفضل العمل في خندق الغريب، وهي بمثابة صرخة احتجاج على الذين يتآمرون ضد أوطانهم من أجل تحقيق مصالحهم الشخصية.