المشهد الحالي .. معركة من أجل البقاء

مروى محمد إبراهيم –

على مدار العقود الماضية، تصاعدت أجواء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين. واشتعلت المنافسة بينهما على كافة الأصعدة، خاصة فيما يتعلق بالتجارة والاقتصاد الدوليين، بل والسياسات العالمية إلى حد التلاعب والتأثير على القانون الدولي. ولكن طوال هذه الفترة، كانت للولايات المتحدة اليد العليا في المنافسة. فهي القوة العالمية الكبرى، التي تجمع العالم كله تحت مظلتها السياسية والاقتصادية. وحملت عن جدارة لقب «شرطي العالم»، فأصدرت أوامرها هنا وهناك، وعدلت وغيرت العالم بما يتوافق مع مصالحها ومصالح إسرائيل حليفتها المقربة، حتى بلغت مرحلة «الديكتاتورية» العالمية، بالرغم من أنها تتباهى بكونها أكبر ديمقراطية في العالم.
وفي خضم هذا المجد، نجحت الصين خلال منتدى «الحزام والطريق» في جمع أكثر من 60 دولة تحت مظلتها، لتؤكد أن مشروعها العالمي سيفتح أفقا جديدا وأملا جديدا أمام الاقتصاد العالمي، فالأمر لا يقتصر على المصلحة الصينية ولكن الفائدة ستعم، كما روجت بكين. وبذلك، نجحت بكين في توجيه صفعة قوية للولايات المتحدة، التي أخذت موقف المتفرج من المنتدى العالمي الذي اجتذب أنظار العالم وقاده الرئيس الصيني تشي جين بينج، داعيا العالم إلى التخلي عن الأفكار التي تروجها أمريكا وتضر بالاقتصاد العالمي.
فمنذ صعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السلطة، وضع أمام عينيه هدفا مهما، وهو القضاء على التنين الصيني الذي يتمدد واصبح يشكل خطرا على أمريكا نفسها. فالصين كانت الدولة الأقل تضررا من الأزمة المالية العالمية التي فجرتها الفقاعة العقارية الأمريكية عام 2008. وبالتالي كانت أمريكا هي الدولة الأكثر تضررا، والتي لجأت على الفور إلى بيع سنداتها الحكومية إلى الصين، كمحاولة لرأب الصدع الذي هاجم الاقتصاد الأمريكي وهدد بتدميره.
وعلى الرغم من أن أمريكا تجاوزت الأزمة، إلا أنها دفعت الثمن غاليا. ومن ثم، وجد ترامب أن السبيل الأمثل لاستعادة المجد والقوة السابقة، والحفاظ على مكانة بلاده الاقتصادية، من خلال استعادة مجد المنتج الأمريكي، وإعلان الحمائية التجارية. ليعلن الحرب التجارية على الصين وعلى أقرب حلفائه، ألا وهم أوروبا وكندا، سعيا لتحقيق أقصى مكاسب تجارية ممكنة.
وعلى الرغم من الاجتماعات الصينية – الأمريكية المستمرة، وادعاءات ترامب المستمرة بأنه على وشك التوصل إلى اتفاق مع الصين حول اتفاق تجاري تاريخي يخضع التنين الصيني، ويجعله فريسة سهلة لأمريكا. إلا أن المعارك المشتعلة بينهما واتهامات التجسس الصناعي التي توجهها أمريكا وكندا لرجال الأعمال والشركات الصينية، والتي ترد عليها بكين بالمثل، تؤكد أن الطرفين أبعد ما يكون عن الاتفاق أو التوصل إلى توافق من أي نوع.
وهنا يأتي نجاح الصين في استقطاب الدول الحليفة والمعادية لأمريكا، على حد السواء، تحت مظلتها في إطار مبادرة «طريق الحرير» القديمة أو «الطريق والحزام» لتوجه ضربة لأمريكا، حيث أكدت بكين أنها لم تعد تشكل مجرد تهديد اقتصادي لأمريكا، ولكنها تهدد مكانتها العالمية كقوة عظمى، بل ونفوذها كقوة محركة للعالم. والغريب، أن الصين انتهجت أساليب خاصة بها، وبدأت في استقطاب الدول الأخرى من خلال سياسات تؤكد احترامها لدول العالم ولفردية كل دولة وتمتعها بحكم ذاتي. وإن كانت سياساتها تختلف فيما يتعلق بالتعامل مع دول الجوار.
إن استجابة الولايات المتحدة للخطة المترامية الأطراف لإعادة بناء طريق الحرير القديم من خلال ربط الصين بالشرق الأوسط وأوروبا وإفريقيا وخارجها بمشروعات البنية التحتية الضخمة قد تحولت الآن إلى موقف متشدد، حتى إن أمريكا تسعى لإقناع حلفائها للترويج لبديل لبرنامج التنمية الذي تطرحه بكين.
فابتداء من وزارة الخارجية الأمريكية إلى أكبر المتعاقدين الأمريكيين، فإن مشاركة الولايات المتحدة في إنشاء البنية التحتية العالمية بدأ يتخذ اتجاهات مختلفة.
في واقع الأمر، ظهرت نقطة التحول بعد أول منتدى للحزام والطريق عقدته الصين قبل عامين، عندما أوفد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفداً برئاسة ماثيو بوتينجر مسؤول الشؤون الآسيوية بالبيت الأبيض. واحتل بوتينجر عناوين الصحف الرئيسية فيما يتعلق بهذا الحدث إثر إعلانه أن الشركات الأمريكية «مستعدة للمشاركة في المشاريع المرتبطة بالحزام والطريق» ولديها «الكثير لتقدمه»، مستشهدا بـ «سجلها الطويل والناجح في تطوير البنية التحتية العالمية».
لكن هذه النبرة التعاونية، سرعان ما تجاوزتها موجة من التصريحات النقدية، بل والعدائية، التي أدلى بها كبار المسؤولين الأمريكيين.
وفي أكتوبر 2017، أطلق جيمس ماتيس وزير الدفاع الأمريكي آنذاك أول توبيخ مبطن للمبادرة، حيث أكد في جلسة استماع بمجلس الشيوخ أنه «في عالم تسوده العولمة، هناك العديد من الأحزمة والطرق». وقال: «لا ينبغي لأي دولة أن تضع نفسها في موقف يملي» حزام واحد، طريق واحد، مستخدماً الاسم السابق للخطة.
وبعد أسبوعين من شهادة ماتيس، بحث ريكس تيلرسون وزير الخارجية الأمريكي آنذاك قائمة للأزمات والمشاكل التي زعم حينها أن مشاريع البنية التحتية الصينية قد جلبتها على الدول المتعاونة معها، من الفشل في الترويج للوظائف المحلية إلى تصاعد معدلات الفقر في الدول التي تعاني من «مستويات هائلة من الديون».
ولم يقف ترامب عند هذا الحد، بل عبر عن استنكاره للمشروع لدى مشاركته في وقت لاحق في قمة لزعماء المحيط الهادئ في فيتنام، وانتقد ضمنيا مشاريع الحزام والطرق باعتبارها «مبادرات موجهة من الدولة تصاحبها العديد من القيود».
وفي محاولة لاستقطاب الدول التي قررت التعاون مع الصين، سارعت إدارة ترامب إلى التصدي لمشروع بكين من خلال تقديم بديل أمريكي للاقتصاديات النامية، حيث أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في يوليو الماضي عن برنامج لتطوير البنية التحتية بقيمة 113 مليون دولار أمريكي لمنطقة الهند والمحيط الهادئ، في محاولة لتعزيز التواجد الأمريكي في مواجهة تمدد التنين الصيني.

هذا المنعطف الحاد من التحول الكبير في موقف الولايات المتحدة تجاه الصين، والذي يكلل الصراع الاقتصادي والمنافسات العسكرية والسياسية بين القوتين العالميتين، أجمع الخبراء أنه لا مفر منه. المسؤولون والخبراء الأمريكيون يرون أن اتخاذ موقف متشدد من الصين أمر لا مفر منه، بل إنه الحل الأمثل للتصدي للصين التي أصبح من الصعب السيطرة على طموحها، فلم تعد مجرد قوة اقتصادية، بل إنها تحولت إلى تهديد خطير للتواجد الأمريكي على الساحة الدولية.
ولكن هذه ليست وجهة النظر الوحيدة المطروحة على الساحة، بل إن هناك رؤية أكثر شمولا وذات أبعاد مستقبلية، تطالب الولايات المتحدة باغتنام الفرصة التي تتيحها مبادرة الصين، التي تشمل إنشاء طرق برية وبحرية تمتد عبر ثلاث قارات وتربط أكثر من 60 دولة، وهذه الرؤية طرحها خبراء شاركوا في مؤتمر دولي في أكتوبر الماضي.، حيث أكد جال لوفت المدير المشارك لمعهد أبحاث الأمن العالمي: «إن مبادرة الحزام والطريق هي مشروع مستقبلي عابر للأجيال وسيستغرق وقتًا طويلاً ظهر على أرض الواقع وينعكس تأثيره على الاقتصاد العالمي، ولكن «الولايات المتحدة بحاجة إلى الانخراط به الآن» على حد تعبيره. وأضاف «لا يتعين علينا الموافقة على كل مكون من الحزام والطريق، فلا يتعين علينا شراء الحزمة بأكملها».

أما سي. بويدن جراي نائب رئيس مجلس إدارة المجلس الأطلسي فأكد أن الولايات المتحدة ستفوت فرصة ذهبية إذا لم تشارك في هذه المبادرة الآن «فالصين وأوروبا ستتاح لهما فرصة للمشاركة في وضع المعايير والسياسات التي ستحكم المشروع».
إن الوضع يتطلب أن تكون الولايات المتحدة أكثر ذكاء في التعامل مع الغريم الصيني، فالأمر تعدى مجرد منافسة، بل إنها تحولت إلى معركة للبقاء والاستمرار. وإهدار أمريكا لفرصة التعاون مع الصين في هذا المشروع الآن وضمان توجيه سياساته ستدفع ثمنه غاليا في المستقبل.