المشكلة الحقيقية في غياب القدرة العربية على الفعل ..!

أحمد صلاح الدين –

من المفارقات الغريبة التي هيمنت على تطورات القضية الفلسطينية خلال الفترة الماضية أنه بقدر تجاهل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاريه لقدسية وأهمية مدينة القدس الشريف للفلسطينيين والعرب والمسلمين عموما، بقدر مراعاتها لأهمية وخصوصية شهر رمضان المبارك عند المسلمين إلى الحد الذي دفعها إلى الالتزام بعدم إعلان تفاصيل «صفقة القرن» قبل شهر يونيو المقبل أي بنهاية شهر رمضان المبارك، ولكن هذا الالتزام مرده كذلك إلى إمهال رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتخب بنيامين نتانياهو حتى ينتهي من تشكيل حكومته الجديدة وتأدية اليمين القانونية!
ولا شك في أن هناك ترقبا من الآن لهذا اليوم المنتظر لمعرفة تفاصيل تلك الصفقة الغامضة التي أثارت فضول العالم والأطراف المعنية بالصراع العربي – الإسرائيلي خاصة على مدار الأشهر الماضية للوقوف على رؤية ترامب وإدارته لتسوية المشكلة الفلسطينية – الإسرائيلية، إلا أن ما تسرب من معلومات عن هذه الصفقة سواء عن قصد أو كبالون اختبار أو كتمهيد لما هو قادم جعلها موضع انتقادات ورفض من جانب العرب والفلسطينيين وأطراف دولية متعددة لخروجها عن ثوابت تسوية القضية الفلسطينية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني التي عبرت عنها المئات من القرارات الدولية عبر الجمعية العامة ومجلس الأمن ومختلف الهيئات والمؤسسات التابعة للأمم المتحدة وعلى رأسها بكل تأكيد حقه في إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية وحق العودة.
وواقع الأمر أن ما تكشف من تلك الصفقة لم يكن محض تسريبات وإنما تصريحات واضحة وصريحة من جانب مسؤولين أمريكيين مثل وزير الخارجية جورج بومبيو والمبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط جيسون جرينبلات وعكست بالفعل نهج التفكير الأمريكي في التعامل المستقبلي مع القضية الفلسطينية ويمثل في مضمونه انحرافا كبيرا عن التوجهات السابقة لإدارات أمريكية عديدة بل ولا مبالغة في اعتبار أسسها وأفكارها نسفًا لكل أسس تسوية القضية الفلسطينية، وعلى رأس تلك الأفكار السلبية الإسقاط التام لحل الدولتين حيث أعلن جرينبلات صراحة أنه ما من سبب يبرر الاستمرار في اعتماد هذا الحل هذا، أضف إلى ذلك عدم اعترافها بكل القرارات الدولية السابقة التي تصون الحقوق الفلسطينية وتتحدث عن حلول شاملة ودائمة وعادلة ليس للقضية الفلسطينية فقط ولكن للصراع العربي – الإسرائيلي برمته، وبدلا من ذلك تحدثت الإدارة الأمريكية عما أسمته «الحقائق الميدانية على أرض الواقع» والبناء عليها، أي تكريس الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وشرعنة الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة وإسقاط حق العودة وتعويض اللاجئين ثم نسف فكرة الدولة الفلسطينية.
هذه مرجعية جديدة تسعى إدارة ترامب إلى إقرارها بديلا عن مرجعيات الشرعية الدولية المؤيدة للحقوق الفلسطينية، وقد مهدت بالفعل لهذه المرجعية منذ انتخاب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة بمهاجمته الشرسة لقرار مجلس الأمن الذي صدر في الأيام الأخيرة من فترة حكم الرئيس السابق باراك أوباما ورفض كل أشكال الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة ونعتها باللاشرعية، ثم توالت الخطوات بالتنكيل السياسي بكل المؤسسات الداعمة للشعب الفلسطيني مثل الأونروا واليونسكو، وأعقب ذلك القرار الخطير باعتبار القدس عاصمة أبدية لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها وأخيرا تأييد تصريح نتانياهو بعزمه ضم أجزاء من الضفة الغربية وعدم إخلاء أي مستوطنة أو ترحيل يهودي واحد منها.
كل هذه «الحقائق الميدانية» التي تحدثت عنها إدارة ترامب تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن صفقة القرن المزعومة لن تمر كونها لا تلبي أدنى المطالب الفلسطينية وتمثل خروجا صارخا على الحقوق العربية الثابتة والعادلة والمدعومة دوليا وأمميا، ليس هذا فحسب ولكن لأن الأسوأ بالنسبة للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني قد حدث بالفعل على مدى سبعة عقود وأكثر من عمر الصراع من ابتلاع أرض فلسطينيين التاريخية وتشريد الشعب الفلسطيني وهضم حقوقه ومقدساته إلى أبشع أشكال العدوان والتنكيل والتعذيب والتخريب والتدمير والسجن والإبعاد والحرمان، ثم فقد قدم الفلسطينيون تضحيات ربما لا يضاهيها ما تعرض له أي شعب آخر على وجه الكرة الأرضية منذ بدايات القرن العشرين على أقل تقدير، وبالتالي لم يعد لديه ما يقدمه من تنازلات أخرى أو تضحيات، اللهم إلا بذل مزيد من الدماء في سبيل تحرير أرضه وصولا إلى حقوقه المشروعة.
وعلى ضوء تلك الحقائق من الطبيعي أن تكون القضية الفلسطينية في طريقها نحو طريق مسدود ومزيد من التعقيدات، وبالقطع ستتجه من السيئ إلى الأسوأ على حد قول الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن أمام اجتماع المجلس الوزاري العربي في جامعة الدول العربية بالقاهرة الأحد قبل الماضي، مؤكدا أن ذلك هو حال القضية الفلسطينية منذ اتفاقات أوسلو عام 1993 حيث حصل الإسرائيليون على كل شيء بينما لم يحصل الفلسطينيون على أي شيء، ولم يشأ أبو مازن أن يترك هذه المناسبة دون كلمات مفعمة بالمرارة تعكس الواقع العربي المؤلم الذي يعد بالقطع من الأسباب الأساسية لتدهور الأوضاع الفلسطينية واستمرار العدوان الإسرائيلي بلا لاجم ولا حائل، فليس خافيا على الجميع حالة التشرذم العربي والانقسامات البينية العربية الحادة والحروب الأهلية والصراعات المسلحة والأزمات السياسية المتفاقمة داخل العديد من الدول العربية ذاتها..
وليس ببعيد عن الأذهان ما يحدث في اليمن وسوريا والعراق وليبيا وأخيرا السودان والجزائر وكلها أزمات تلقي بظلال قاتمة على الموقف العربي برمته، ما جعل عدم القدرة على مواجهة الهمجية الإسرائيلية هو السمة الطاغية خلال السنوات الأخيرة، بل هناك أيضا تحولات سياسية خطيرة حدثت في المنطقة بفعل أطراف دولية وأيضا إقليمية فرضت تحولات استراتيجية غير منتظرة وأيضا غير مرغوبة مثار اعتبار إيران – وليس إسرائيل – «العدو الأول» للدول العربية، وبغض النظر عن الممارسات والسياسات الأمريكية إلا أن تغذية هذا الاتجاه – أمريكيا على وجه الخصوص – لعب دورا خطيرا في تراجع القضية الفلسطينية كأولوية عربية مطلقة.
وإلى جانب الانقسامات الفلسطينية الداخلية المستمرة منذ سنوات عديدة وتحول دون بلورة موقف فلسطيني موحد، تظل بالفعل عدم القدرة العربية على الفعل أو المبادرة بفرض واقع قوي دفاعا عن الحقوق الفلسطينية – العربية هو العامل الأبرز في احتمالات مواجهة الأوضاع الفلسطينية مزيدا من التدهور، وقد تكون الظروف الدولية والإقليمية -خاصة الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل بكل أشكال المساندة السياسية والاقتصادية والعسكرية- مؤثرة في صياغة الموقف العربي الهزيل، ولكن لا شك في أن السياسات العربية وغياب منظومة أمن قومي عربي واضحة المعالم تلعب هي الأخرى دورا سلبيا في رسم هذا المشهد، بل وتجرد العرب من كثير من معطيات القوة المؤثرة والتي يمكن من خلالها فرض واقع مغاير لما نحن فيه على صعيد الصراع العربي – الإسرائيلي، ومن هذا المنطلق لا نظن أن صفقة القرن سوف توجد واقعا جديدا حتى ولو أدت إلى مزيد من التعقيدات، وبالعودة إلى بلوغ الفلسطينيين الأسوأ في قضيتهم منذ سنوات ليست بالقليلة فإن «الشاة لن يضيرها سلخها بعد ذبحها» وقرارات أو تصرفات على غرار إسقاط حل الدولتين وضم القدس أو الجولان أو حتى الضفة الغربية مع إسقاط حقوق اللاجئين هي بالفعل قرارات خطيرة ومؤثرة بحق، ولكن الفلسطينيين عايشوا ما هو أسوأ، ولا يحول بين تحقيق أهدافهم سوى ظروف لا تتسم بالديمومة أو الاستمرار، فموازين القوى متغيرة والظروف الدولية والإقليمية لا تتسم بالثبات، وما هو مستحيل اليوم قد يكون ممكنا غدا، وإذا كان العرب والفلسطينيون لا يمتلكون القدرة أو المبادرة في الوقت الراهن، فأغلب الظن أن تحرير الأرض الفلسطينية والعربية لن تحول دونه قرارات من هنا أو هناك أو تبديل المرجعيات إلى «الحقائق الميدانية على أرض الواقع» عند امتلاك القدرة، المؤسف في الأمر فقط أنه حتى حلول هذا اليوم سيراق المزيد من الدماء وستزهق أرواح بريئة نتيجة استمرار العدوان الإسرائيلي وتشبث الفلسطينيين بحقوقهم المشروعة.