الأيقونة ودلالاتها في الموسوعة العمانية».. دراسة تناقش أيقونة الطيور ودلالات الألوان

((عمان)): صدر مؤخرا عن دار نينوى السورية كتاب « الأيقونة ودلالاتها في الموسوعة العمانية.. أيقونة الاستهلال والطيور ودلالات الألوان» الذي يعد ضمن الدراسات النقدية والسيميائية، التي اتّخذت من الصّورة أرضية خصبةً لها للبحث في منظومة النقد الأدبي الحديث مستندةً إلى شبكة من الحقول المعرفية التي تنتمي إلى علم الدلالة، واللسانيات، وعلم النفس، وعلم الاجتماع…لتصبح الأيقونة ـ تبعا لذلك ـ ركيزة من ركائز الدرس السيميائي، وأسلوبا من أساليب علم العلامات. وقد تصفّح الباحث الأستاذ الدكتور عبد المجيد بنجلالي آلاف الصفحات في الموسوعة العمانية لأخْذ صورة كلّية عن طبيعة الأيقونة بها، وتحديد مجالاتها، وأشكالها، وأنماطها، وأنواعها، ليستقرّ البحث في نهاية المطاف على اختيار أنموذج مصغّر من الأيقونات، وهو أنموذج الطيور، بعد التوقّف عند الأيقونة البؤرة التي تشترك فيها كل أجزاء الموسوعة؛ وهي أيقونة جلالة السلطان قابوس – حفظه الله ورعاه- التي تعدّ مدخلا لكل جزء، وواجهة تتصدّر كلّ الأيقونات.
وعمد الكاتب إلى اختيار أيقونة واحدة نظرا لما تفرضه تكاليف الطباعة بالصّور الملوّنة، فكلّما توسّع البحث وزاد اختيار أيقونات أخرى، كلّما كان الاستشهاد بعيّنات إضافية من الأيقونات مطلبًا ضروريا، ممّا يزيد من عدد الصّور الملوّنة التي لا تخفى تكاليفها.
كما قام المؤلف بجرد إحصائيّ عام لكلّ الأيقونات الواردة في الموسوعة جزءًا جزءًا ليأخذ القارئ صورة دقيقة عن طبيعة الأيقونات مع إبداء بعض الملاحظات التي نتجت عن الإحصاء الـمُقدَّم، وهي ملاحظات يمكن أن يتبنّاها القائمون على شؤون الموسوعة لتدارك ما فاتهم في الطبعة الأولى. وبعد تعريف الأيقونة ومفاهيمها الإجرائية، وحقولها الوظيفية، انتقل مؤلف الكتاب إلى تقديم نصوص توضّح أهمية البحث فيها، من خلال أساطين المنظرين لهذا الحقل المعرفي الذي جعل لها سلطة في التعبير، وقدرة على إنتاج الدلالة في الدرس النقدي واللساني الحديث، بعدما أصبحت الأيقونة/‏ الصورة؛ من أكثر الوسائل تعبيرًا عن الواقع وقدرة على مُماثَلته، إذ تعمل ـ في جميع المراحل العمرية للإنسان ـ على استدعاء حاسّة البصر لتُهيمن بعد ذلك على مشاعره وتفكيره حسب المعطيات الفكرية والثقافية التي يمتلكها القارئ لهذه الأيقونة، وحسب درجة تفاعله معها. وقد يعطي هذا التفاعل سلطة معرفية أقوى للأيقونة حين تعمد ذاكرةُ الإنسان إلى الاحتفاظ بنسخة منها بشكل تلقائي في اللاشعور مقرونة بقراءته وتفاعله معها؛ وهي قراءة نُحتت بشكل لا تنال عواملُ التّعرية منها، كما لا تدع هذه القراءة مجالا للشكّ أو الرّيبة، بخلاف النصّ المكتوب الذي يعتمد على قرائن لغوية قد تخفى على القارئ ممّا يجعل القراءة ناقصة لافتقادها الاهتداء إلى كل القرائن ودَوالّها.
وقد باتت الأيقونة/‏ الصورة شكلا من أشكال اللغة، ووسيلة من وسائل التعبير الذي يعتمد على الأدب، والنقد، والجمال، واللسانيات، والفكر، والتاريخ، وعلم النفس، وغير ذلك من العلوم والمعارف التي تتداخل فيما بينها لحظة التعامل مع الأيقونة من أجل استنطاق هُويتها عبر التداعيات التي تَتعاقب على ذاكرة القارئ.
وبعد هذه الرحلة الممتعة، انتقل المؤلف إلى معالجة الأيقونة في الموسوعة العمانية من زاوية إشكالية القراءة، أتبعها بوضع جداول تعدّ مسحا شاملا قدّم فيه الهيكل العام للأيقونات من خلال الموسوعة تبعا لإطاراتها، ومقاساتها، وتعقّب كل ذلك حسب الترتيب الألفبائي لأجزاء الموسوعة.
وبعد الجرد العام والشامل، تمّ الانتقال إلى تقديم أنماط القراءات لمدوّنة الموسوعات والتي تمّ اختزالها في نوعين من أنواع القراءات وهما: القراءة بصيغة المفرد، والقراءة بصيغة الجمع، ليخلص البحث بعد ذلك إلى رصد نتائج الدلائل الأيقونية المقدمة في البحث، والانتقال بعد ذلك إلى دلالات الألوان في أيقونة جلالة السلطان المعظم، ثم دلالاتها في عناصر تم انتقاؤها من المجلد الأول، والسادس، والعاشر( بداية/‏ وسط/‏ نهاية)؛ مما يمثل مدوّنة من المتواليات المتشابهة والمتقاربة ضمن الحقول المعرفية، وهو ما يوضّح أن هذا الاتجاه النَّسقي العلائقيَّ القائم ـ بعد الإحصاء ـ جاء بهدف تفجير وإبراز قُطبية الحقول الموضوعاتية، وتحليل أبعادها المحلية والوطنية.
لقد حرص واضعوا أيقونات الموسوعة العمانيةِ على أن تكون نسخةً متطابقة مع الأصل وإن قُدِّمت على شكل «كليشيهات» ومُستنسخات. ويمكن قراءة علاماتها ورموزها كنصوص مشتركة ذات قاعدة معرفية عامَّة وقراءات متعدّدة حسب المرجعية الثقافية للقارئ، وحسب قدرة القارئ على فكّ شفراتها المتعدّدة (الصّورة/‏ اللون/‏ الدلالة/‏ الشكل/‏ الحجم/‏ السياق…)، وتضطلع أيقونات الموسوعة العمانية بأبعاد كثيرة وتقدّم دلالات متعددة، وأبعادا مختلفة. أهمها: البعد المحلّي: وفيه تتحدّدُ العلاقة بين الفرد وثقافته الخاصة في إطار جِهويٍّ يتعلق بمناطق السلطنة ومحافظاتها. ومن ثمّ فأيقونات الموسوعة ليست على درجة واحدة من القُرب أو التفاعل. فأيقونةُ رمال بَديّة قد تكون مندمجة في الفرد الذي ينتمي إلى بديّة. وصورة خضرة ظفار ونضارتها بعد رذاذِ فصل الخريف بها تضطلع بالدور نفسِه لدى ساكني المنطقة ومثقفيها.
البعد الوطني والدولي: تقدّم الأيقوناتُ مجتمعةً بالنسبة للسلطنة بكاملها صورًا وعلاماتٍ تتجاوز الفردَ لتعبّر بلغة الشمول، وبالضمير الجمْعي للحفاظ على الهوية والتّعاقب التاريخي والخيال الاجتماعي. كما تُمثِّلُ جذعًا مشتركًا وحدًّا أدنى من الرّباط الثقافي والسياحيّ، وتصطبغُ بصبغة المواطنة، وتَجذُّرِ مفهوم «الأنا» التي تنغمسُ في عمق التراث، وتضربُ في أعشار التاريخ، وتتشرّبُ الحاضر، وتتطلّع إلى المستقبل في إطار مثاقفةٍ مُنفتحةٍ على الآخر حسب ما يقتضيه فقهُ الواقع المعاصر.