هل هي «صفقة» أم خطة جديدة للسلام؟

د. عبد العاطى محمد –

أما وأن سفير إسرائيل في الأمم المتحدة دانى دانون قد تحدث لشبكة سي.إن.إن عن أن صفقة القرن حقيقة وليست خيالا، وأنه سيتم الإعلان عنها عقب الانتخابات الإسرائيلية بأسابيع قليلة، فلا مبرر لنا كعرب، مسؤولين وإعلاميين للتقليل من أهمية بل وخطورة الأمر، وإنما الإقدام على طرح رؤية وموقف يتعاملان معها كحل تاريخي محتمل للصراع العربي الإسرائيلي قد ينجح أو يفشل وفقا لقدرات التفاوض العربية الجماعية بما فيها القدرات الفلسطينية.
نعلم جيدا أن تاريخ الصراع ومسارات التسويات السلمية العديدة يرجحان كفة الرفض المسبق لأي تصور يأتي سواء من جانب إسرائيل أو الولايات المتحدة، فما أكثرها من مبادرات وجهود مضنية شهدها الماضي البعيد والقريب انتهت كلها إلى طريق مسدود وبنتائج صبت لصالح إسرائيل على صعيد الواقع منذ 1948. ومع ذلك فإن ضرورات الواقع تفرض تقبل أي طرح جديد من حيث المبدأ والتعامل معه بشجاعة وإيجابية وإصرار على الوفاء بالحقوق العربية والفلسطينية التي يقرها التاريخ والواقع ذاته قبل أن تكون من صلب القرارات الدولية الصادرة بشأن الصراع العربي الإسرائيلي.
لا يجب النظر لما يسمى بصفقة القرن على أنها مناورة أمريكية إسرائيلية أو خطاب للاستهلاك المحلي لجمهور أي منهما، أو أنها من البداية مؤامرة يتعين التصدي لها بالرفض بأي صورة من الصور، وإنما التعامل معها على أنها أمر واقع لا يمكن وصفه بأنه مر أو حلو وإنما ترجمة عملية لأفعال جرى ويجري تنفيذها عمليا وإن كان هناك من مفاوضات فيتعين أن تتم على وقع هذه الأفعال التي هي في حقيقة الأمر لا تشير إلى انتصار طرف على الآخر بل تتداخل فيها مظاهر النصر والهزيمة.
كان الرأي العام العربي قد استقبل أنباء هذه الصفقة وقت الإفصاح عنها بالتشكيك وأحيانا بسخرية سياسية، خصوصا مع تكرار الإعلان عن تأجيلها. ولكن اليوم والرئيس الأمريكي ترامب يقترب من إنهاء عهدته الأولى بالنظر إلى أن العام المقبل المتبقي له في البيت الأبيض هو عمليا عام انتخابات جديدة، أصبح الكشف عن هذه الصفقة حقيقة لا خيال لأنها جزء مهم في عملية تسويق ترامب لرئاسة ثانية بكل تأكيد. إلا أن حديث السفير الإسرائيلي لسي.إن.إن قطع الشك باليقين لأنه أكد أن الصفقة جاهزة وأن إسرائيل تناقشها مع الأمريكيين ومع أعضاء الأمم المتحدة. ولم يكذب أي من الأعضاء هذه الأنباء.
وبناء عليه فإن الأمر حقيقة وأن طرحه جد قريب للغاية. ولنا أن نتذكر أن صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين كان قد كشف الكلام عن صفقة القرن وتفاصيلها منذ ما يزيد عن عام مضى وقام بتفنيد محتواها مركزا على أنها تهدف إلى إقامة دولة واحدة لشعبين يتم التعامل فيها مع الشعب الفلسطيني كشعب من الدرجة الثانية، وشدد آنذاك على رفضها من جانب السلطة الفلسطينية. وقتها كانت الولايات المتحدة تتحدث عن أمر الإعلان عن الصفقة لم يتحدد بعد، إلى أن بادر السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة بوضع حد للشك بتأكيده أن الإعلان سيتم بعد أسابيع قليلة من الانتخابات الإسرائيلية أي بعد 9 أبريل 2019.
تصريحات السفير الإسرائيلي كاشفة لما سيحدث مستقبلا في القريب العاجل. هو لم يذكر كلمة الصفقة في حقيقة الأمر ولكن استخدم تعبيرا آخرا هو الخطة. وهناك فرق جوهري بين الكلمتين، فالصفقة عموما تعني تبادل في الخسائر والمكاسب بين طرفين هما هنا إما الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، أو العربي- الفلسطيني والإسرائيلي، وأيا كان الأمر فإن الصفقة تعني أن شيئا ما سيحصل عليه الفلسطينيون والعرب سواء كان كبيرا مرضيا أو قليلا غير مرض. ولكن تعبير الخطة يعني أسلوبا للحل وليس تقديم مكاسب ما لهذا الطرف أو ذاك، فقط يتحقق ذلك كنتيجة للخطة ولا أحد يعرف ما هو!. وكما قلنا لم يذكر كلمة صفقة ولكنه قال تحديدا «إن إسرائيل لم تطلع على الخطة بعد». لكنه توقع أن يتم الكشف عنها بعد الانتخابات الإسرائيلية مؤكدا أنها أصبحت جاهزة. إلا إن إشارته إلى أن بلاده تتشاور مع الأمريكيين ومع أعضاء الأمم المتحدة تعني أنها اطلعت على الخطة، فليس من المعقول أن يتم التشاور على شيء مجهول!. كما أن محاولة الفصل بين كلمتي خطة وصفقة لا تبدو منطقية أو مقنعة، لأن من يضع خطة لابد أن تتضمن القضايا أو التفاصيل التي تعمل من خلالها ففي النهاية هي خطة لتحقيق هذه التفاصيل التي لا يمكن فهمها إلا على أنها الأهداف. الإشارة إلى خطة تعني أسلوبا للتفاوض بغرض الوصول إلى نتائج توصف آنذاك بالصفقة. ولكن الكلمتين مرتبطتان بشدة، لأن تعبير الصفقة الذي فجره ترامب يعني الخروج تماما عن القواعد القديمة التي خاضتها المسارات العديدة في عملية السلام والاستناد فقط للأمر الواقع كما هو قائم الآن بعد هذه العقود الطويلة من الصراع العربي الإسرائيلي، أو بمعنى أصح القبول بنتائج الاحتلال الإسرائيلي والتفاوض على خلفية هذه النتائج فقط. لا حديث هنا عن الشرعية الدولية ولا كل القرارات الدولية ذات الشأن، وإنما عما لدى الطرفين الفلسطيني أو العربي الفلسطيني من ناحية، والطرف الإسرائيلي من ناحية أخرى من قدرات.
الطرح بمفهوم الخطة التي تنتهي إلى صفقة يعني الجلوس على مائدة التفاوض ليس فقط بين الجانب الفلسطيني والإسرائيلي وإنما بين الطرف العربي (متضمنا الفلسطيني) والإسرائيلي، لأن إسرائيل برغم كل ما لديها من قدرات ودعم من العالم الغربي لا تزال تشعر بالخوف ليس من الطرف الفلسطيني وحده وإنما من الطرف العربي. لقد سعت من قبل إلى الحصول على الاعتراف بها كدولة غير عربية وسط محيط عربي وحصلت فعلا على هذا الاعتراف حتى في وجود عبد الناصر ذاته عندما قبِل القرار 242 بعد حرب 67 ثم من خلال كل القرارات الدولية التي قبلها العرب كلهم بعد ذلك، ولكن ما حصلت عليه هو اعتراف شكلي أو دبلوماسي لم يحقق لها إقرارا حقيقيا بأنها جزء لا يتجزأ من المنطقة العربية! الأمر الذي وضعها دائما في موضع الجسد الغريب الذي يتعين الخلاص منه إن لم يكن اليوم فغدا. وأما الطرف الفلسطيني فإن الجناح الوطني فيه أو السلطة فقد اعترف بوجود دولة إسرائيل ولكنه لم يعترف بيهودية هذه الدولة لأن اعترافا بهذا المعنى يسقط الكثير من الحقوق التاريخية والمشروعة للشعب الفلسطيني.
إسرائيل اليوم مدعومة بصفقة قرن تعمدت الولايات المتحدة عدم الكشف عن محتواها تتحدث عن هذه الصفقة بمفهوم الخطة، أي التفاوض على كل صغيرة وكبيرة في قضايا الحل النهائي، وأن يتم التفاوض هذه المرة مع الطرف العربي؛ لأن ذلك يضمن لها الاعتراف الحقيقي أو العملي من الجانب العربي لا الشكلي من ناحية، ويصل بها إلى نتائج واقعية وفقا للأمر الواقع الذي فرضه الاحتلال على مدى السنوات السابقة، وذلك في كل ما يتفرع من تفاصيل في كل قضية من قضايا الحل النهائي، ووفقا للقدرة على التفاوض بين الجانبين يمكن الوصول إلى نتيجة ما. لا حديث هنا عن الأسقف المحددة سلفا بخصوص هذه القضايا، فهذا بالنسبة لإسرائيل اليوم ولإدارة ترامب شيء تجاوزه الواقع. وعندما سئل السفير الإسرائيلي عن المقصود بالخطة أوضح أن التفاوض متاح للجميع.. «يأتون لنا ونتحدث في التفاصيل.. نحن منفتحون لكننا سننتظر».
بحسابات ومعطيات الوضع الراهن يصعب القول إن الدول العربية تتجاوب مع كل ما يتردد من جانب إسرائيل والولايات المتحدة سواء إذا كان المعروض صفقة أم خطة جديدة للسلام، والشاهد على ذلك ليس فقط الرفض المتواصل من الجانب الفلسطيني، وإنما رد الفعل الرسمي العربي حيث لا الاجتماع الوزاري العربي ولا القمة العربية في تونس قد ترشح من أي منهما ما يفيد هذا التجاوب. ولكن بحسابات ومعطيات ما يجري على الأرض وما تقوم به الولايات المتحدة من ضغوط، فإن هناك احتمالات أو سيناريوهات مفتوحة وموضع جدل أو مناقشة من الوارد إلى حد كبير أن تتصدر المشهد الجديد المفترض لحل الصراع العربي الإسرائيلي.
أولها أن تستمر أفعال تنفيذ مقاصد الصفقة دون اللجوء إلى مفهوم الخطة بدلا منها كأن تقرر إسرائيل ضم مستوطناتها في الضفة، وما أكثرها، أسوة بضم الجولان ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، هذا مع استمرار أدوات الممانعة العربية والفلسطينية المعتادة، وهكذا يطول أمد الصراع دون حل نهائي تاريخي.
وثانيها أن تنجح الدول العربية مع أصدقائها الدوليين في عقد مؤتمر دولي جامع يفتح الطريق للتعامل بخطة جديدة للسلام تتجاوز الاعتراف الشكلي إلى الحقيقي والكامل تنتهي إلى صفقة ما تقترب أو تبتعد قليلا عما انتهى إليه جاريد كوشنر مستشار ترامب. وإن حدث ذلك تتجه إسرائيل للتفاوض مع كل طرف تعنيه قضية معينة من قضايا الحل النهائي أكثر من غيره، كأن تتفاوض مع الأردن بخصوص القدس، ومع الأردن ولبنان و«سوريا» ومصر بخصوص حدود دولة إسرائيل وترتيبات أمنها القومي، وأن تتفاوض مع السلطة الفلسطينية بخصوص دولة ما منقوصة السيادة ولكنها مرتبطة استراتيجيا معها بصيغة الاتحاد «الكونفيدرالي»، وأما مشكلة غزة فيترك مصيرها لما يقرره المؤتمر الدولي. هي كلها احتمالات وليست معلومات أو حقائق ولكنها واردة في ظل ما طرأ من مستجدات بعد هذه العقود الطويلة من الصراع.