الانتخابات الإسرائيلية والحسابات السياسية

عوض بن سعيد باقوير  –
صحفي ومحلل سياسي  –

تبدأ في إسرائيل اليوم انتخابات الكنيست رقم 21 وهي تعد انتخابات مبكرة قبل سبعة اشهر من عقدها في موعدها الطبيعي ويتنافس في هذه الانتخابات 48 قائمة سياسية، وسوف تحدد نتائج انتخابات اليوم شكل الحكومة القادمة ويعد النظام الانتخابي الإسرائيلي معتمدا على عدد الأصوات في الكنيست حيث تبلغ عدد المقاعد 120 مقعدا من خلال التمثيل النسبي ويعد الصراع على مقعد رئاسة الوزراء بين بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الحالي ومنافسه رئيس الأركان السابق بيني غانتس الذي يقود حزب الأزرق والأبيض على أشده في ظل ما يواجه نتانياهو من شبهات فساد لا تزال محل جدل في القضاء الإسرائيلي.

لمن الغلبة؟

هناك تطورات سياسية غيرت من المشهد الانتخابي في إسرائيل منها قضايا داخلية وأيضا متغيرات خارجية ولعل المساندة الأهم جاءت من واشنطن خلال الأيام الماضية عندما وقع الرئيس الأمريكي ترامب مرسوما جمهوريا ينص على اعتبار الجولان السوري المحتل جزءا من الأراضي الإسرائيلية، وبصرف النظر عن رمزية القرار وعدم اعتباره قانونيا من قبل المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلا أن ذلك القرار يعد خطوة داعمة لنتانياهو لتدعيم موقفه المهزوز داخل إسرائيل.
المتغير الثاني هي الزيارة الأخيرة لنتانياهو إلى موسكو والدفعة المعنوية التي تلقاها من الكرملين لدعمه في انتخابات اليوم، أما على الصعيد الداخلي فإن التفاهمات حول قطاع غزة بين حركة حماس وإسرائيل من خلال الوساطة المصرية أضافت لنتانياهو عنصرا إيجابيا خلال حملته الانتخابية علاوة على أن المتغير الآخر وهو انفتاح الكيان الإسرائيلي على عدد من الدول العربية والحديث عن صفقة السلام أضاف بعدا جديدا لمواقف نتانياهو تجاه الرأي العام في إسرائيل، ومن هنا فإن هذه العوامل السياسية غيرت من وضع نتانياهو والذي كان يمر بأزمة داخلية معقدة كان من نتائجها الأولى هو التعجيل بإجراء انتخابات مبكرة وهو ما يحدث اليوم.
علي الجانب الآخر فإن رئيس الأركان السابق بيني غانتس يعتمد في المقام الأول على تبني سياسة الانفصال عن الفلسطينيين في الأراضي المحتلة ويشير حزب الأزرق والأبيض أنه بمجرد فوزه في انتخابات اليوم فإنه سيجري محادثات مع دول عربية ويكثف عملية الانفصال عن الفلسطينيين مع ضمان الالتزام التام بأمن إسرائيل.
ولا تشير مسألة الانفصال عن الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى موضوع الدولة الفلسطينية وهنا الغموض في برنامج رئيس الأركان السابق وهنا تكمن المشكلة الأساسية لحزب الأزرق والأبيض.

استطلاعات الرأي

هناك حسابات معقدة لمسألة الفوز والخسارة لكلا الحزبين وهما حزب الليكود المتطرف بقيادة نتانياهو وحزب الأزرق والأبيض المتشدد بقيادة بيني غنتس وهناك قراءات ترى بأن النتائج سوف تكون متقاربة رغم أن رئيس الأركان يكسب نقاطا في أوساط الأحزاب الدينية والصغيرة كما أن الكتلة العربية لا أحد يعرف وجهتها الانتخابية.
قبل قرار الرئيس ترامب كانت معظم استطلاعات الرأي في إسرائيل تميل إلى إمكانية فوز حزب رئيس الأركان حتى ولو بفارق ضئيل، ومع تسارع التطورات السياسية داخليا وخارجيا هناك آراء تتحدث على أن حزب نتانياهو ومسانديه من الأحزاب الأخرى سوف يحصل على 35 مقعدا بينما منافسه حزب الأزرق والأبيض سوف يحصل على 30 مقعدا وهنا قد يقود نتانياهو مجددا حكومة ائتلافية بمساندة حزبية من خارج الليكود وعلى ضوء ذلك فإن موقف نتانياهو سيظل معقدا من خلال كتلة سياسية معارضة في الكنيست ليست سهلة، كما أن متغير موضوع التحقيقات مع نتانياهو مجددا سوف يضعه في موقف صعب مجددا وهنا سوف يواجه معضلة سياسية قد تنهي مستقبله السياسي وهناك أمثلة عديدة في هذا الإطار.
ويستند نتانياهو واتباعه اليمينيون بأنهم حائط صد دون تسليم أراض فلسطينية مشيرا إلى أن أي دولة فلسطينية سوف تعرض إسرائيل لخطر وجودي وأن منافسه غانتس يعتزم عمل عكس ذلك، ورغم أن ذلك يدخل في إطار اللعبة الانتخابية فإن كلا الحزبين لهما نفس فلسفة الاحتلال فرئيس الأركان يأتي من خلفية دفاعية ورغم ذلك فهو لم يتحدث عن دولة فلسطينية وإن كان موضوع الانفصال الذي تحدث عنه فسر بأن ذلك إشارة إلى وجود دولة فلسطينية بجانب الدولة الإسرائيلية.
ويبدو لي أن نتانياهو قد يحسم السباق الانتخابي اليوم لتلك العوامل التي تمت الإشارة لها كما أن عددا من الأحزاب الدينية لا تميل إلى حزب الأزرق والأبيض وإشارات الانفصال عن الفلسطينيين كما أن دعم واشنطن وموسكو لنتانياهو قد يجعله في موقف أقوى. والانتخابات الإسرائيلية عادة لا تحسم بنسب فارقة فالتعددية ووجود القوائم السياسية المتعددة تجعل المقاعد في الكنيست أكثر انقساما، ومن هنا فإن النتيجة سوف تكون متقاربة إلى حد كبير ومع ذلك فإن فوز رئيس الأركان يبدو مستبعدا إلى حد كبير في ظل اللعبة الانتخابية التي شهدتها إسرائيل خلال الأسابيع الأخيرة.

المسار الإسرائيلي

الانتخابات الإسرائيلية وبصرف عن الفائز فيها فهي تركز على الداخل بمعنى أن فوز نتانياهو أو غانتس لن تغير المشهد في الشرق الأوسط وبالتالي يمكن القول بأن هذه الانتخابات هي انتخابات سوف يكون انعكاسها على الداخل أما الأجندة الخاصة بالرؤية السياسية فلن تحدث اختراقات كبيرة خاصة وأن الوصول إلى السلطة في إسرائيل سوف يفرض مقاربات سياسية كما حدث مع رؤساء وزراء سابقين مع استثناء اسحق رابين والذي كان لديه الاستعداد لعمل اتفاقية سلام مع العرب ولكن تم اغتياله من قبل متطرفين إسرائيليين ومن هنا فإن الخط الاستراتيجي سوف يظل قائما في نظري سواء فاز نتانياهو أو غانتس.
وفي ظل النتائج الحاسمة للانتخابات الإسرائيلية فإن وضع الرجلين سوف يكون على المحك ومع ذلك فإن ظاهرة حزب الأزرق والأبيض هي ظاهرة تستحق التأمل وكيف استطاعات أن تكسب شعبية غير مسبوقة في إسرائيل ومع ذلك فإن مستقبل الحركة في المستقبل المنظور قد يشكل استراتيجية مختلفة إلى حد ما، وهو الأمر الذي حذر منه نتانياهو الناخبين الإسرائيليين خاصة فيما يخص الانفصال وبالتالي التفاوض على وجود دولة فلسطينية في إطار أي توافق سياسي دولي.
إن الساحة الإسرائيلية تعج بالمتناقضات السياسية وهي ساحة تمتزج فيها التطرف الديني والقومي ومن هنا فإن نجاح نتانياهو المحتمل اليوم أو عندما تعلن النتائج لا تعني أن طرقه ميسرة بل ستكون هناك مشكلات وربما عودة لتحقيقات تتعلق بشبهات الفساد، ومن هنا فإن إسرائيل ومجتمعها يعيش في قلق دائم لأسباب أمنية ومن هنا فإن العودة إلى المنطق السياسي وإيجاد السلام الشامل والعادل مع العرب هو أقرب إلى إيجاد كيان إسرائيلي مستقر خاصة وإن العالم قد يشهد متغيرات إقليمية ودولية وأن ترامب لن يستمر في السلطة مدى الحياة.
نتائج الانتخابات الإسرائيلية سوف تزيد الانقسام خاصة إذا نجح نتانياهو وهو الأمر المرجح كما أن حزب الأزرق والأبيض سوف يواصل نشاطه السياسي وليس ببعيد أن يسيطر على الساحة السياسية خلال السنوات القليلة القادمة خاصة إذا ظهرت مسألة التحقيقات مع نتانياهو مجددا.