المنتدى الاقتصادي وأنظمة التعاون

«رسم أنظمة التعاون الجديدة» كان الشعار أو اللافتة الأوضح للمنتدى الاقتصادي العالمي حول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المنعقد في البحر الميت بالمملكة الأردنية الهاشمية، ولعل التمعن الجلي في ذلك الشعار يكشف أنه يحمل العديد من المعاني التي يمكن استنطاقها في إطار عالم جديد ومتغير بالفعل.
فالحاجة إلى التعاون هي مسألة بشرية واجتماعية قديمة، تفرضها طبيعة المجتمعات الإنسانية، غير أنها تكتسب من مرحلة لأخرى أشكالاً مختلفة استناداً على آليات العصر المعين والزمان وتكيفات الحياة في المرحلة الجديدة.
من هنا فإن البحث عن أنظمة جديدة للتعاون، أو بالمعنى الأدق رسم هذه الأنظمة، كما جاء في الشعار، يؤكد ذلك على أن العملية ليست بهذه البساطة كما أنها ليست بالمستحيلة، فالرسم عمل متقن ودقيق يعتمد على الإرادة والموهبة، أي توفير اللبنات الأساسية ومن ثم يكون الصقل عبر العمل والإبداع والحرص على أن يأتي الإنسان بالثمرة الجيدة.
كذلك فإن «رسم» التعاون الجديد المنشود لن يكون إلاّ عبر آليات ضابطة ومعينة يتم اختيارها بدقة بالاستفادة من معطيات العصر؛ وقبل ذلك البنى الأساسية والمجتمعية في البلدان.
والسلطنة بوصفها أحد المشاركين في فعاليات المنتدى، فهي تقود عملاً استراتيجياً في إطار رسم سياسات المستقبل وتسعى إلى الاستفادة من مختلف الخبرات والتجارب في الدول الأخرى بما يعضد من تجربتها ويرفدها بالجديد لتكتسب آفاقاً أرحب في المساهمة الفاعلة ببناء المنشود من الطموحات.
من هنا فإن مثل هذه الفعاليات والمنتديات تعتبر فرصة طيبة للخروج بالنتائج المرضية، على الأقل تحريك الأذهان والوعي نحو الجديد والممكن في عالم اليوم، بما يعزز الإرادة الفاعلة باتجاه الغد المثمر والتنمية الشاملة والمستدامة المأمولة.
إن الحديث عن رسم المستقبل أو فرص التعاون الجديد بين الدول يعني المرور بكثير من التحديات التي يجب أن تعالج بواقعية ووفق المعطيات على أرض الواقع، ولعل أبرزها كما جاء في مداولات المنتدى قضايا التعليم وكيفية نقله إلى آفاق جديدة تواكب العصر الحديث وما يتجه إليه العالم اليوم من تقنيات وأفكار ذكية في عصر الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي وغيرها من النماذج الجديدة والمفاهيم في هذا المجال.
كذلك من القضايا الحيوية ما يتعلق بالرعاية الصحية والاستثمار في الموارد البشرية وإدارة المخاطر الناتجة عن العصر الإلكتروني وقضايا الطاقة المتجددة وغيرها، بحيث أن كل هذه المسائل تعمل في إطار واحد يقود إلى اكتشاف المسارات الجديدة بما يمكن من تجاوز اللحظة والراهن إلى المستقبل الأفضل.
ولعل الهدف الكلي المرتجى هو السلام والاستقرار، ومن خلال النظر في كل الجوانب المذكورة وغيرها، يبقى أن المحصلة التي ينبغي أن تتحقق هي سلام العالم والأمان لسعادة الإنسان، وأن تعمل التكنولوجيا في خدمة البشر بدلًا من أن تكون خصمًا عليهم، بما يهيئ الجميع نحو الفرص الجديدة والكامنة في الحراك الإنساني القائم على العمل والإتقان والقدرة على مواجهة التحديات.