«الديمومة».. عندما تتجاوز الإطار المنهجي

أحمد بن سالم الفلاحي –
كاتب صحفي  –

وفق ما تمت مناقشته أعلاه، يبدو أن الحديث عن «الديمومة» معناه الحديث عن تعطيل الطاقات، وعن قتل روح الإبداع، وعن تأصيل مفاهيم الخمول، وعن صيرورة الصور النمطية، فمجريات الأحداث ومستحدثاتها تتصادم مع الديمومة، أو الحتمية.
تأتي بعض المفاهيم لتوقظ فينا مجموعة من التساؤلات الجوهرية، على الرغم من أنها مفاهيم عامة، ويتعامل الناس معها وفق هذه العمومية، ولذلك لا يعيرونها أية اهتمامات تذكر، وغالبا ما تنساق الاهتمامات إلى المفاهيم المتداولة والتي لا تخرج عن إطار الوعي الكامل بها وبحيثياتها، وتكمن خطورة تجاوز الاهتمام بمجمل المفاهيم هو تكريس التغريب عن الواقع، وعدم ربط الأسباب بالمسببات، ولعل ذلك ناتج من استحضار الخوف من نبش بعض المفاهيم خلال الحور القائم، قبل وقوع المكروه؛ كما يعتقد البعض؛ ومن هنا يأتي الإيمان بأهمية بقاء المسلمات، وعدم المساس بمجموعاتها المختلفة، وهذا ما يفضي؛ وللأسف الشديد؛ إلى كثير من المشاكل، وإلى بقاء كثير من القضايا عالقة في أذهان الناس، دون البحث عن حلول جذرية لما عليه الحال، للوصول إلى حالة الوعي الذي يفيد بأن كل المشاكل الإنسانية لها حلول، وأن هذه الحلول هي بيد هذا الإنسان الذي يغالي كثيرا في إبداء الأسباب على تحفظه لطرح الحلول للقضايا العالقة.
وعندما نذهب أكثر إلى العمق في هذه المناقشة، يمكن أن نطرح سؤالا استهلاليا؛ وهو: هل الإيمان بضرورة بقاء «الديمومات» أو «الحتميات» يعود إلى ثقافة البيئات الاجتماعية؟ لأن الوجود بكل ما فيه لا يخضع إلا إلى ديمومة «الزمن» المتكررة (ليلا/‏ نهارا) أما بخلاف ذلك فكل ما يدور في فلك الكون ما بين «ديمومة» الزمن – الليل والنهار؛ اليوم؛ والشهر؛ والسنة – هو متغير، ولا يقبل الثبات أبدا، وخاصة الأفعال والسلوكيات التي تبديها كل الكائنات الحية التي تعيش في هذا الوجود، والأمثلة أكثر أن تعد وأن تحصى في هذا الشأن.
تؤكد آليات العمل في كل المشاريع الإنسانية في المجالات: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والبيئية، تظل أكبر مقوض لبقاء «الديمومات» لأنها مشاريع تعيش حراكا دائما متوهجا، بفعل حركة الإنسان وبحثه الدائم عن أرضيات أكثر تلبية لمتطلبات حياته اليومية، ولذلك تنتفض الشعوب، وتتصادم مع حكوماتها، وحتى على مستوى الأسرة الصغيرة في المجتمع، يحدث مثل هذا الحراك، أو الصدام بين فكرتين: أحدهما تذهب إلى ضرورة أن تبقى الحالة خاملة، معللة بذلك إلى ضرورة دوام الاستقرار، والمحافظة على مكونات الأسرة، ومنجزاتها، بينما تذهب الأخرى إلى ضرورة وجود حالة تغييرية تحرك الساكن، أو الراكد لإيجاد نوع من التغيير؛ المفضي إلى تحقيق منافع أكثر، والى مواكبة الواقع الذي يستلزم مثل هذا التغيير، للبحث عن حلول لمشاكل تستلزم مثل هذا التغيير، وحلحلة الثوابت، وفي كثير من الأحيان تظل الحالة تراوح مكانها بين الفكرتين المتصادمين على طول الخط، كما يقال.
هناك من يذهب إلى ضرورة وضع أطر منهجية حتى في حالة الإيمان بضرورة بقاء «الديمومات» بحيث يبقى الإطار العام كما هو، ولكن يشهد حراكا ميكانيكيا في داخله، يحوله من حالته الخاملة، إلى حالته الديناميكية المتحركة، وهذه إحدى الحلول التي تطرح في حالة وجود مطالبات بضروريات التغيير، وهو ما يعبر من زاوية ضيقة إلى أن هناك شيئا من المصالح المتبادلة بين أطراف البيئة التي تسعى إلى تحقيق هذا المنهج التوافقي، وهذا بخلاف ما يذهب إليه فريق آخر، يحمل توجه ضرورة التغيير الشامل في ذات البيئة، معللين في ذلك على أن هناك طاقات خلاقة قادرة أكثر على خلق حلول للقضايا العالقة؛ عادة؛ في كل مشروع إنساني، ووجود الأطر المنهجية لأي عمل إنساني هو نوع من الحراك المستمر لحالات التغيير، وعدم الإيمان بالحتميات أو الديمومات المعطلة للحركة والنشاط في الوسط الإنساني، المشار إليه بالحياة، ولنا العبرة الأكثر في حالة النمو المتدرج التي يعيشها الكائن الحي، كالإنسان مثلا، الذي تبدأ حركته من المهد؛ حيث الحركة الموضعية، ومن ثم الزحف على البطن، بمساعدة أطرافه الأربعة، ثم الاتكاء على الأجسام الصلبة للوقوف والمشي، حتى يستعيد كامل قواه البدنية، ويدب على امتداد مساحة الأرض إلى أن يعود في آخر العمر، كما كان طفلا.
ففي إطاره العام بقي كائنا حيا، ولكن منهجياته شهدت تغييرات كثيرة، بناء على متطلبات حياته اليومية، فالديمومة هنا؛ في حالة هذا المثال؛ حافظت على مشروعه العريض «إنسان» لكن آليات حياته اليومية لم تقف عند هذا الحد، وإلا لمات جوعا، وانتهى ككائن حي مطلوب منه إعمار الأرض، وإصلاح الكون.
لذلك عندما يطرح سؤال بهذا المعنى: هل تعيق «الديمومة» خطط التنمية وبرامجها؟
طبعا؛ ليس من اليسير الإجابة المباشرة على هذا السؤال، ولكن يمكن القول: أن أي مشروع تنموي في بيئة معينة يواجه النقيضين أو الفكرتين، كما جاء أعلاه سابقا، وهذا التناقض كثيرا ما يقع في فخ المصالح الذاتية، في كثير من الأحيان، لكلا الطرفين غير المتفقين على استمرارية المشروع، ويصعب طبعا تنقية أحدهما على الآخر، في مسألة تشابك المصالح، إلا أنه يمكن القول أن الفئة المتشبثة بجعل الحالة على ما هي عليه، أقرب إلى تلبس الاتهام بأن لها مشروعا خاصا استثنائيا، وأن التغيير سوف يقوض عليها المصلحة المتوقعة من التغيير، والتغيير؛ وإن كان يصعب تنقيته من المصالح الذاتية؛ إلا أنه يبقى الأفضل في حفز الأفراد إليه، وذلك يأتي تلبية لضرورات يحتمها الواقع الإنساني الذي لا يقبل الجمود أبدا، مهما وصل الاستقرار مبتغاه في ظرف زمني معين، ولذلك تواجه مشاريع التنمية في كل البلدان، هذه الإشكالية التي يتنازع عليها طرفان متناقضان في توجهاتهما، إما لمصالح شخصية بحتة، وإما للدفع بالمشاريع لتحقيق مصالح الجمهور، وغياب هذه الصورة عن فهم الطرف المعارض، أو عدم اكتراثه بذلك.
ووفق ما تم مناقشته أعلاه، يبدو أن الحديث عن «الديمومة» معناه الحديث عن تعطيل الطاقات، وعن قتل روح الإبداع، وعن تأصيل مفاهيم الخمول، وعن صيرورة الصور النمطية، فمجريات الأحداث ومستحدثاتها تتصادم مع الديمومة، أو الحتمية، ولا تتوافق معها أبدا، وترى فيها تعطيلا لمصالح الناس، وتقييدا لحركتهم في تطوير واقعهم الذي يعيشونه، وهو الواقع الذي يحتاج إلى كثير من العمل، وكثير من الجهد، وكثير من الإبداع والابتكار، والشعوب؛ كما هو ملاحظ؛ في عموميتها تسعى إلى التغيير، وفي المقابل هناك «أعداء التغيير» أو «مقاومة التغيير» ولكن في الغالب، أن الساعين إلى التغيير، وعدم الاستسلام للديمومات هم الأكثر، وهم الحريصون على استثمار الجهود والطاقات في بناءات المشاريع الوطنية العائدة خيراتها إلى جميع سكان الوطن، وهذا مطلب كوني تعيشه كل البشرية بلا استثناء، ولذلك فكل الحروب الكونية القائمة اليوم، ومن ذلك الزمن البعيد، على امتداد الكرة الأرضية لا تخرج عن وجود هذا التضاد في توظيف مفهوم «الديمومة» كل يراه من زاويته الخاصة جدا، وتظل الفئة الساعية إلى العمل على المصالح العامة تواجه جدلا مستمرا في سبيل الخروج من مأزق الفهم الجامد لـ «ديمومات». طبعا؛ هناك من يراهن على عدة محاور للخروج من مأزق الديمومات، ومن ذلك:
توالي الأشخاص، أي وجود عمليات تدوير للمهام والمسؤوليات.
العمل على استحداث البرامج، والخطط، والاستراتيجيات تلبية لمتطلبات الواقع، وعدم البقاء على آليات وبرامج عفى عليها الدهر.
تفعيل جدلية الحوار القائم، الذي يمثل أسس التغيير.
تعزيز الآفاق المعرفية المعززة بالتجربة والبحث.
عدم الإيمان بترسيخ المفاهيم المطلقة، وتأصيل الصور النمطية.
ضرورة تطبيق مبدأ الثابت والمتغير فالوجود لم يبن على حتميات.
أختم هنا بخلاصة مفادها، أن ما يسمى اليوم بـ «صراع الأجيال» هو نتيجة لهذا الحراك الإنساني الذاهب إلى الديناميكية، وعدم الجمود، وأن التجارب الإنسانية التي يشار إلى نجاحها اليوم هي تأصيل حي ومباشر للخروج من مأزق مجموع الديمومات التي يراد لها الجمود، وليس الاستمرارية، وأن التوفيق بين البقاء على روح «الديمومة» في استمراريتها الحية، مع تغير الخطط والبرامج، واستحداث آليات جديدة، ليس الأمر صعبا تحقيقه متى توفرت النوايا الصادقة للعمل والإنتاج، يتطلب فقط شرطا واحدا وهو التحرر المطلق من المظان الخاصة.