دلالة السلطان

بقلم: مكي أم السعد عبد الرحمن –
كاتبة جزائرية –
mekkioumsaad@yahoo.fr

ترك السلاطين والملوك على مر العصور لأنفسهم تارات كثيرة في المخيال الجمعي صورا لا تخرج عن دائرة:التخويف والفردانية والتعسف في ممارسة السلطة، فكان ذلك كافيا لأن ينفك عقد التآلف والمودة والرحم الذي يوصله برعيته، تتجلى تبعاتها في سيادة حالة من الاشمئزاز والهروب من الواقع بتمثل حياة غير تلك القائمة.
على صعيد آخر تجلي السجلات التاريخية عن قلة قليلة من أولئك السلاطين والملوك ممن استطاعوا خلق قيمة مضافة في قلوب الناس، وتمكنوا من تشييد جسور من حجر صلد عصية عن التآكل والتزحزح من مكانها، وجبال راسيات من القناعة بصدق النية لدى المسؤول، وهم يرون بأم أعينهم مسعاه في غدو الحياة ورواحها لأجل توفير لقمة حلم بات الناس يأملون تحقيقه.
في بلاد تطل نافذتها على المحيط، تصطدم بإمبراطورية التاريخ وقد نسجت على مهل منذ آلاف السنين، تتوسع مرات وتتراجع جغرافيتها دون أن يطال ذلك حدود المنى ولا سيادة الأجيال التي تدل حصونها الشامخة وأسوارها العتيقة المتينة على أنها في مأمن من كل شر، وكيف لا والمآذن تحيط بها من كل اتجاه، والدعوات لا تكف عن التعالي باتجاه نهايات السماء.تظل مع كل متغيرات الحياة المحيطة الإمبراطورية «صامدة» و«صامتة» للنأي بنفسها عن ما تنطوي عليه العلاقات من مد وجزر، و التي تظهر في صور التآمر، أو في باقات التودد القادمة في شكل رسائل تطلب الإبقاء على روابط الأخوة والحب قائمة، وتبقى يدها مبسوطة محافظة على أمنية أطلقها حارس الإمبراطورية خلال العقد السبعيني بأن «كل شبر يضع أصبعه عليه من خارطة العالم يكون صديقا لا عدو»، دلالة عن مطامح للسلام ورفض كل معاني التناطح والتناحر، لذلك فمد المحيط هو الآخر تخلى عن هيجانه، لحد أن ظلت النوارس محلقة على أديم الماء لليوم ولا تهابه.
المثول أمام «قصر العلم»، الذي أراد مشيّده ألّا يكون «شاهق» البنيان في تواضع كبير وهو يستقبل جموع الزوار الوافدين، فجعلوا منه «محجة» لا تهدأ رحلات الهبوب صوبها، يبعث في النفس شعورا بالهدوء والسعادة وفرح غامر تتوق في خلاله للتمدد عند عتبة بساط البلاط الذي يغطي المكان المفرط في النظافة، وأن تحتوي كل تلك الباقات المصطفة في تناسق وتناغم عظيمين كلها دفعة واحدة.
ولعل تلك التشكيلة من الأشجار المتراصة بانتظام طافر كأنها حرس يتماهون في أداء واجب الخدمة والضيافة، تحاول جاهدة أن تثير أسئلة عجيبة عن المكان الذي يلجه الناس من أبواب «متفرقة»، كما لو أن يعقوبا آخر حكيما يكون قد أوصى أبناؤه بذلك خشية جلل ما، يتدعم كل ذلك بشريط من سلسلة أقواس تتعدد وتتآكل في خلالها درجات الإنارة لتصنع «بانوراما» نورانية مذهلة.
إن دخول عالم « قصر العلم» يثير الرهبة والدهشة، يتمنى الزائر أن يلتحم بمعجزة المكان الذي يبدو مساحة لا تمت بصلة لأرض البشر، أو أن يستحيل جزيئا بسيطا من عقد الجبال المفرط في التماسك وهي لم تكف منذ أزل التاريخ عن البقاء وفية للقيام بمهمة تأمين المكان، وإكراما لها لم تجر عليها الطبيعة تغيرات تذكر.
«دلالة السلطان» لم تكن أبدا رديفة للقسوة والرهبة والبطش والغلظة، بقدر ما تتجلى في هذا المكنون من الراحة المجتمعية، في تلاحم المشاعر، في تواتر الابتسامات المفعمة بالرضا البادية كلما جاء ذكر السلطنة وحارسها الأمين، وفي تواتر الاسم واعتباره كل «الهوية»، وعدم الجهر بحدود سلطانه، والنظر إليه على أنه لم يكن جبارا شقيا.
«دلالة السلطان» في جعل «المحافظات » و«الولايات» رموزا لانخفاض وارتفاعها وتناثرها بين أطراف جغرافية ممتدة يسترسل في خلالها الماء بلا جلبة ولا فوضى، ولا تعبر مطلقا عن حالة من «اللامساواة» أو «اللاتوازن» ـ لا قدر الله ـ في توزيع ريع المحبة والثروة.
وتبدو كذلك في زرع ثقافة الإمبراطورية وترويجها كرافد حضاري في قلب عواصم المحافظات و«البلدان»، وفي جعلها تتحرر من أسوار الحصون الشاهقة، ومن سجونها بما تحتويه من سلاسل وأغلال أضحت اليوم مفتوحة ومحل زيارات مجاملة، واستحالت ظلمتها نورا وهي تروي للزوار حكايتها الخالدة وعن آلة غدر قديمة طوت السلطنة صفحتها، لكنها تشرعها بين حين وآخر طلبا لـ « العبرة».
تنعكس «دلالة السلطان» في صباغ «النيلة» ، وهي تحكي رحلة نسج الرجال حدود مدينتهم « الفاضلة»، وفي الحلوى التي يتناوب النساء على صناعتها، وفي قطاع الفخار التي لم تتوقف عجلة الرحى لليوم عن ضمان تكاثرها، ومطمرة التمر، والمرابط التي شدت حضور متسلقي النخيل ولسان حالهم يقول في سبيل بلوغ المعالي لا بأس في أن تدمي أقدامها، والمدافع المتأهبة منذ فجر التاريخ عند فتحات الحصون، والمباني القديمة «ارم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد»، تؤكد بأن «دلالة السلطان» تكمن في سواعد أبناء ينحتون من الجبال بروجا لتخليد اسم «السلطنة».