المصداقية الغائبة عن الإعلام الأمريكي

د. عبدالعاطى محمد –

اعتاد الإعلام الأمريكي أن يكيل بمكيالين عندما يتعلق الأمر بمنطقتنا العربية وتحديدا إذا كان هذا الأمر يخص إسرائيل، حيث لا يخفي انحيازه لها في كل ما هو باطل دون أن تهتز شعرة في رأس معظم القائمين عليه وكأن هذا الانحياز أصبح جزءا من عقيدة سياسية تصل إلى حد التقديس!. وكم هي الأحداث والمواقف التي تؤكد هذا الانحياز الفج والمخجل معا.
ومع ذلك كان هناك حدثان في الفترة الأخيرة ربما شكلا مناسبة يمكن للإعلام الأمريكي أن يستغلهما لتصحيح هذا الخطأ لاستعادة جزء ولو قليل من مصداقيته الغائبة في أوساط الرأي العام العربي، ولكنه لم يفعل ليؤكد المؤكد مجددا!.
منذ أن وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في مفاجئة من العيار الثقيل لم يكن يتوقعها خصومه من الحزب الديمقراطي، والحملات الإعلامية الأمريكية ضده لم تتوقف أي استمرت لنحو عامين أو أكثر.
وباستثناء قناة فوكس التي انحازت إلى صفه اجتمعت كل وسائل الإعلام مقروءة أو مرئية وخصوصا كبرياتها على محاربة الرجل بهدف إسقاطه. وفي ظل هذه الحرب الإعلامية الشرسة وغير المسبوقة كان من المتوقع ألا يكمل الرجل المائة يوم الأولى من حكمه، ولكنه استمر وواصل مهامه متحديا كل الإعلام المضاد وخاصمه ووصفه بأسوأ الأوصاف!
واخترع من جانبه طريقا مختلفا لمخاطبة الرأي العام داخليا وخارجيا هو الكتابة على تويتر.
ولأن القضية الرئيسية التي شكلت موضوع الخلاف بينه وبين خصومه ومن ورائهم وسائل الإعلام الأمريكية، كانت علاقته بالروس وأنهم ساعدوه من طرف خفي لكسب الانتخابات الرئاسية. واتهام كهذا كفيل بإسقاط الرئيس من خلال الكونجرس. وبعد انتخابه بقليل بدأت عملية التحقيق في الأمر وبشكل مكثف ومرت بتطورات درامية كثيرة أثارت غبارا كثيفا على الرجل وتداخلت فيها العوامل السياسية مع القضائية، إلى أن استقر الملف عند محقق مستقل هو مولر الذي واصل العمل لنحو عام ونصف أو أكثر. وخلال هذه المدة ركز الإعلام الأمريكي على أن التقرير الذي سينتهى إليه مولر سيدين ترامب بكل تأكيد ومعه بعض من فريقه وأسرته أيضا. وساد الانطباع بالفعل بأن هذا هو ما سيحدث بالفعل نتيجة التعبئة الإعلامية الشديدة الداعمة لهذا التوقع. وكاد العالم الخارجي يصدق ذلك أيضا.
وبعد جهد جهيد استمر هذه المدة الطويلة قدم مولر تقريره الذي شكل صدمة قوية للجميع وخصوصا للديمقراطيين الذين كانوا ينتظرون أن يفتح التقرير الطريق لهم للإطاحة بترامب بعد أن دانت الأغلبية لهم في الكونجرس إثر تفوقهم على الجمهوريين في مجلس النواب. ولكن التقرير لم يدن ولم يبرئ ترامب، إلا أنه لم يثبت أن هناك تواطئا قد حدث من جانب ترامب وحملته الانتخابية مع الروس.
ولأن التواطؤ هو الذي كان ينتظره الديمقراطيون ثم فاجأهم التقرير بأنه لم يحدث، أصيبوا بخيبة أمل، وبات أن ترامب قد انتصر في المعركة وأنه مستمر في البيت الأبيض حتى 2020. هنا أصيب الخصوم بالخرس سواء داخل مجلس النواب أو في أوساط وسائل الإعلام الأمريكية التي بذلت جهدا غير عادي للفوز في معركة مهدوا للرأي العام داخليا وخارجيا بأنه مضمون مائة في المائة. وللقارئ الفطن أن يعود بالذاكرة قليلا ليتأكد من هذا وذلك بمراجعة المداخلات الفضائية وتحليلات الخبراء وآراء السياسيين من الديمقراطيين بل ومن بعض خصوم ترامب من الجمهوريين أيضا، فكلها كانت تؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن تقرير مولر سوف يثبت تواطؤ ترامب وحملته مع الروس.
فما علاقة هذه القضية بموضوعنا عن سيطرة إسرائيل على العقل الجمعي والتصرف السياسي في الساحة الأمريكية صاحبة التقاليد الديمقراطية والتي يتفاخر سياسيوها بأنها جنة الديمقراطية في الأرض؟
قبل الإجابة على هذا السؤال المشروع بالطبع لابد من التأكيد على أن أحدا لا يجب أن يشكك في عمل قضائي سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها، فلمثل هذه الأعمال تقاليدها وقواعدها وقيمها ومصداقيتها أيضا ومن ثم يجب احترامها من الجميع. وهناك أمثلة عديدة داخل الولايات المتحدة ذاتها أكدت احترام حكم القانون مهما كانت النتائج. وليس من المستبعد أن يلجأ الديمقراطيون إلى طرق أخرى للعكننة على ترامب أو تعكير حكمه، فالتقرير لا يعنى أنهم ألقوا «الفوطة» البيضاء، ولكن مسألة العزل السياسي أصبحت عسيرة المنال لأن التواطؤ لم يحدث وفقا لتقرير مولر.
أما حقيقة القضية فهي الصراع بين الحزبين الكبيرين على البيت الأبيض والكونجرس، وهو صراع سياسي تماما تتداخل فيه كل عوامل القوة من الجانبين. وإذا كان ترامب قد نجح في خداع الديمقراطيين سياسيا ولعب بأوراق لم تكن في حسبان منافسته هيلاري كلينتون، فلن يكون غريبا أن يلجأ الديمقراطيون إلى وسائل وأوراق جديدة لكسب معركة الرئاسة المقبلة والعمل على أن يستمر تقدمهم في الكونجرس، وسيفعل الجمهوريون نفس الشيء.
ما أقلق الديمقراطيين مدعومين من كبريات الصحف والفضائيات الأمريكية هو أنهم لا يستطيعون التنكيل بمولر أو اتهامه بالانحياز لترامب لأنه أصلا كان على خصومة معه ولا يعد بالطبع من أنصاره، ولو فعلوا ذلك فإنهم سيخسرون جزءا مهما من قواعدهم التي هي في العموم من اليهود الأمريكيين شديدي الولاء لإسرائيل. هؤلاء لهم تأثير قوي في أية انتخابات أمريكية. وبعد صدور التقرير بهذه النتيجة لن يدعموا أي اتجاه للحزب الديمقراطي للتلاعب مجددا بمسألة التدخل الروسي في الشأن الداخلي الأمريكي أو تواطؤ ترامب في ذلك. لقد أصبحت ورقة محروقة وإن أراد الديمقراطيون النجاح في الانتخابات القادمة فعليهم البحث عن أوراق أخرى في المقدمة منها تقديم المزيد من أوجه الدعم لإسرائيل.
ما يدعم هذا التحليل أيضا أن ترامب فاق الديمقراطيين في دعمه لإسرائيل. فقبل صدور التقرير كان الرجل قد قدم هدية وصفها نتانياهو رئيس وزراء إسرائيل بأنها تاريخية، هي كما هو معروف نقل السفارة الأمريكية إلى القدس أي الاعتراف بأن المدينة هي عاصمة إسرائيل. وقد نظرت إسرائيل حولها فلم تجد من يتصدى لترامب ويلغي قراره.
والملفت أن أحدا من الديمقراطيين أو من وسائل الإعلام الأمريكية التي ناصبت ترامب العداء لم يحرك ساكنا لاعتراض على قرار ترامب، مع أنه لو كان لدى أحد منهم قدر من المصداقية والاتساق مع مبادئه كما ادعوا لشنوا هجوما شرسا ضده على الأقل لتدعيم الحملة المناهضة له. ولكنهم – خصوصا وسائل الإعلام الأمريكية الممولة أساسا من المال اليهودي – صمتوا وكأن شيئا لم يحدث
نعم أشار بعضهم إلى أن القرار من شأنه أن يعكر صفو العلاقات الأمريكية العربية ويضر بمصالح الولايات المتحدة مع أصدقائها في المنطقة، ولكن لا أحد قال إن التصرف بنقل السفارة غير شرعي ولا يحترم الاتفاقات وقرارات مجلس الأمن، لأنهم لو قالوا ذلك لفتحت عليهم إسرائيل أبواب الجحيم السياسي!.
ولم يمض وقت طويل على صدور تقرير مولر حتى سارع ترامب بتقديم هدية أخرى من النوع الذي يعتبره نتانياهو تاريخيا، عندما اعترف بسيادة إسرائيل على الجولان السورية في خطوة لم يفعلها أي رئيس أمريكي سابق، لأن عينه على الانتخابات القادمة والتي يبدأ الاستعداد لها عمليا من بداية العام المقبل تقريبا (ترشيح الحزبين لمن يدخل ممثلا لهم في الانتخابات المقبلة)، وهو يعلم جيدا أن اللوبي اليهودي يعد أقوى الآليات التي يلجأ لها أي سياسي أمريكي يريد الوصول إلى البيت الأبيض أو إلى الكونجرس (الانتخابات النصفية التي تزامن انتخابات الرئاسة).
ومرة أخرى لو أن هناك قدرا من المصداقية عند الإعلام الأمريكي لكان قد تصدى بشدة للقرار الذي تفاخر ترامب بتوقيعه على الهواء مباشرة وبجانبه نتانياهو الذي نال شرف الحصول على القلم الذي وقع به ترامب القرار الفج والغريب.
ولكننا لم نلحظ رفضا أو تحفظا للقرار لا من النواب الديمقراطيين الذين يناصبون ترامب العداء في مجلس النواب، ولا من الإعلام الأمريكي المشارك في هذا العداء، لأن الأمر هنا يتعلق بإسرائيل والمنافسة من السياسيين والإعلاميين الأمريكيين على شرف الحصول على الرضا الإسرائيلي، كل هذا مع أن القرار باطل بكل لغات العالم .
جميعهم يريدون الوصول إلى البيت الأبيض والكونجرس واستمرار الهيمنة الإعلامية على مجريات الأحداث في العالم، على أجساد الحقوق العربية حتى لو كالوا بمكيالين وفقدوا المصداقية، فالتضحية بهذه المصداقية ليس مدعاة للخجل والكيل بمكيالين في الأداء الإعلامي ليس فضيحة مهنية طالما أن الهدف هو إرضاء إسرائيل.