«الحداثة» بين مطاطية المفهوم.. والرؤى الإيديولوجية المختلفة

د.عزة القصابية –
لم تترك الحداثة للحقول المعرفية والفنية والاقتصادية والتقنية خيارا في استيعابها والسير بطريق متغيراتها الحتمية؛ فاستجابت تلك الحقول متأثرة بأيديولوجيتها حتى تبنت آلياتها، وأهم تلك الحقول الحداثة في النقد والأدب التي تباينت الآراء فيها، ويمكن ملاحظة ذلك في الكثير من الدراسات الأدبية التي حدّدت بعض جوانب الحداثة، إذ ظهرت عبارات مثل الحركة الحديثة، والتراث الحديث، والعصر الحديث، والقرن الحديث. كما تتزامن الحداثة مع عصري النهضة والتنوير. ويتسم هذا المصطلح بصيرورته الزمنية، فما كان حديثا في السنة الماضية لا يكون حديثا هذه السنة.

صُنِّفت الحداثة نفسها في إطار الأدب المعاصر والنقد، وتتضمن الكثير من الدلالات والمعاني، كما أنها كانت سببا في بروز ظاهرة علم الجمال الواعي الذي أنتج أدبا غير واقعي، خاليا من الأبعاد الإنسانية.
ويركز هذا العلم على الموضوعات الشكلية والتقنية والأسلوبية بغية التوغل في مفاهيم الحياة الفلسفية، وبحسب هذا المفهوم يقول نيتشه «إنه على الفنان ألا يحاكي الواقع»؛ بمعنى أن مهمة الفن تتجاوز ما هو تقليدي، ويتفق ذلك مع فلوير رائد الحداثة الذي يقول: « كل ما أريد أن افعله هو أن أنتج كتابًا جميلا حول لا شيء، وغير مترابط إلا مع نفسه، وليس مع عوالم خارجية، يفرض نفسه بحكم قوة أسلوبه».
وهو بذلك يتطلع إلى نوع من الفن يبتعد عن الواقع الإنساني، الذي يتوافق مع رؤى الفنانين المعاصرين الذين انتهجوا الفوضى الحضارية والفكرية أسلوبا لهم نتيجة تأثرهم بالثورات والحروب العالمية. كما مهد ذلك لوضع حجر الأساس للتغيير الحاصل في عالمنا المعاصر، وظهرت الكثير من التفسيرات على نحو ما أتى به كل من ماركس و فرويد وداروين.
يشير مفهوم «الحداثة» إلى كل ما هو جوهري وشامل مع محاولة التخلص من القيود المذهبية أو القيمية أو المفهومية، ويسعى إلى تقويض فكرة الموقف الأنطولوجي بإزاء الحياة والإنسان. أما مصطلح المدرسة الحداثية فهو على الرغم من انتمائه إلى الجذر اللغوي للمصطلح السابق لنفسه، غير انه أصبح يدلُ على حركة معينة داخل الأدب الغربي ، بعد أن أملت شروطا بوضعِ تاريخي معين، وكان لحركة الحداثة دور فاعل في ربط الشعر في إسبانيا وأمريكا اللاتينية بالشعر الأوربي.
وتعني الحداثة في الشعر الجدة والإبداع، وشعر حداثي على صعيد الشكل والمضمون، وتعبر الحداثة الشعرية عن روح العصر وأحداثه وقضاياه ومدى تأثير الشاعر الحداثي بالحياة المعاصرة.
تذكر المعاجم الموسوعية أن الحداثة في الأدب الأوروبي برزت جهود ذاتية من الأدباء والمفكرين والفنانين الذين سعوا إلى الانسلاخ من الأطر الكلاسيكية، والبحث عن خصوصية عصرية مختلفة. وتطورت بعد ذلك هذه الحركة وأحدثت تغيرات جذرية على مستوى النظريات النفسية والفلسفية والسياسية، وأصبحت حركة يُعتد بها بعد الحرب العالمية الأولى.
وقد أشار عالم الاجتماع الفرنسي آلان تورين، المهتم بدراسة الحركات الاجتماعية إلى أن الحداثة انتصرت للعقل الإنساني، وهي تؤكد أن قيمة الإنسان فيما يفعله، مع ضرورة وجود توافق وثيق بين إنجازات العلم والتكنولوجيا المرتبطة بالمصالح العُليا.
ويمكن اعتبار الحداثة أنها ليست فن الحرية، بل فن الضرورة، فهي تتقارب مع ملامح الواقعية في القرن التاسع عشر. كما أكد أنصار الحداثة أن مفهوم «الواقع» ليس إلا بناءً وهميًّا فرضته الثقافة المهيمنة، بينما يرى أنصار الواقعية التقليدية أن الفن عبارة عن محاكاة صادقة للواقع. وعادة ما يكون العمل الفني الحداثي مبحرا في الخيال والسخرية اللذين يمتلكان القدرة على الإبداع والتدمير في آن واحد…إن الحديث حول «الحداثة» كمفهوم ورؤى فلسفية وفكرية … واسع يشمل كافة العلوم والآداب والفنون ويصعب حصره، لذلك فإن للحديث بقية.