أصوات عربية تصرخ وسط إعصار إيداي المدمر في موزمبيق

غياب العون الدولي.. والاستعداد ضعيف منذ البدايات –
بيرا – موزمييق – مريم السايح –

ربما تكون جالسا على أريكة مريحة وفاخرة وسط غرفة مكيفة حين ترى في الأخبار مشهدا يصور من هليكوبتر تبعد آلاف المترات عن أرض تغطيها مياه الأمطار، تعتدل في جلستك لتجد أن هناك بمربع صغير تتجمع بعض المجموعات من البشر المنكوبين في أعلى قطعة أرض لم تغمرها المياه بعد منتظرين الغوث.
هكذا تُذاع الأخبار عن إعصار موزمبيق المدمر من مسافة آلاف الكيلومترات، فالاقتراب مرعب ومحمل بالأخطار، فمع ازدياد معدلات المياه الراكدة التي خلفها المطر ازدادت معدلات احتمالات الإصابة بالملاريا ومع تلوث مصادر المياه صارت الكوليرا في حالة استعداد لمهاجمة البشر، فليس الإعصار وحده من دمر الموزمبيق ولكن الأمراض تقف متربصة تقتنص الضعيف فيها.

ما بين إعصارين

رغم أن إعصار موزمبيق إيدي كانت سرعة الرياح فيه لم تتجاوز ١٧٢ كيلومترا بالساعة مقارنة بإعصار أيوا المدمر بولاية كارولينا الأمريكية الذي بلغت فيه سرعة الرياح ١٩٣ كيلومترا بالساعة؛ ورغم ذلك فقد تجاوزت الوفيات إثر إعصار أيدي موزمبيق الـ ١٠٠٠ وفاة مقابل ٢٣ شخصا في إعصار أمريكا الذي يزيده قوة، والسر هنا يعود إلى خُطة الإجلاء التي نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية لكل السكان المُحتمل تعرضهم للخطر وذلك عن طريق إبلاغهم وإجلائهم بشتى الوسائل والطرق قبل الإعصار بأيام وفور معرفتهم بموعد الإعصار عن طريق الأرصاد الجوية والأقمار الصناعية.
ولكن هل ترصد الأقمار الصناعية في موزمبيق حيث مناجم الذهب، ولا ترصد إعصارا بهذا الحجم يضرب مدينة بأكملها في غرقها، أم أن أرواح الأفارقة لا تستدعي تحذيرا لائقا أو إغاثة عاجلة!
بعام ٢٠١٨ وطبقا لموقع pixalytics.com المتخصص في الأقمار الصناعية تم إعلان أن حول الأرض ٤٨٥٧ قمرا صناعيا لمهام مختلفة منها التنبؤ بالطقس، ٤٨٥٧ قمرا صناعيا لم يتنبأ أي منها بكارثة محققة وبإعصار بهذا الحجم في الوقت ذاته عندما يضرب إعصار بهذا الحجم الولايات المتحدة يتم التنبؤ به والعمل على تفاديه قبلها بأيام، لكن مازالت القارة السوداء تعاني مهما تنادت الشعارات بالمساواة.

الجالية العربية

عشرة أيام في محاولة مستمرة للوصول إلى شهود عيان للاطمئنان على الأوضاع الإنسانية بموزمبيق.
بعد خمس أيام متواصلة من قطع الكهرباء والاتصالات بالكلية استطعت التواصل مع أبناء الجالية العربية بموزمبيق لأطمئن على أحوالهم ولكنني اكتشفت أن مدينة بيرا الأكثر تضررا وهي ما زالت تعاني من انقطاعات متكررة بشبكة الاتصالات، حيث عشرات الأسر العربية من مصر ولبنان وسوريا والمغرب وتونس وموريتانيا انتقلوا للعيش والإقامة بموزمبيق؛ ربما اتخذوا الموزمبيق وطنا ثانيا تتراوح مدة إقامتهم هناك من خمس إلى عشر سنوات على الأقل.
رغم إشادة الجميع بجهود الجالية اللبنانية التي تقع على كاهلها عملية إعادة الإعمار الخاصة بالجالية العربية، حيث إنهم الأكثر خبرة ومعظمهم واجه إعادة الإعمار جراء الحروب من قبل ورغم الاختلاف بين دمار الحروب والكوارث الطبيعية إلا أنهم بشهادة معظم من حاورتهم لهم الدور الأبرز سواء على صعيد الأعمال التجارية قبل الإعصار أو على الجانب الإغاثي، حيث تكفل أصحاب الشركات اللبنانية بخسائر موظفيهم المنكوبين إثر الإعصار.
وفي غياب تام من السفارة اللبنانية ولو بمكالمة هاتفية وعد بها أحد العاملين بالسفارة بأنها قد تحدث قريبا وذلك عقب ١٠ أيام من الكارثة الإنسانية لم يتم السؤال عن الرعايا اللبنانيين الذين افترقوا عن أسرهم.
ومع تردي الوضع الإنساني فقد قام اللبنانيون بإجلاء أبنائهم وزوجاتهم من بيرا فور عودة العمل بالملاحة الجوية وبعد أربعة أيام من التوقف وذلك عبر مطار بيرا إلى العاصمة ومنها إلى بيروت، رغم تضاعف أسعار التذاكر التي تجاوزت المائتي دولار للتذكرة في الذهاب فقط بالطيران الداخلي؛ وذلك خوفا عليهم من سوء الأوضاع وتفشي الكوليرا والملاريا بالإضافة إلى صعوبة التكهن بموعد محدد لعودة الحياة الطبيعية إلي بيرا.

الجهود الذاتية

عقد كامل قضاه محمد سعد من لبنان في موزمبيق ولكنه صدمني عندما علمت منه أنه خسر ١٧ عاما من عمره في الإعصار، لقد قضى هذه المدة مغتربا يستثمر شبابه في التجارة والأعمال حتى جاء إعصار إيدي ليقضي على الأخضر واليابس ويخسر تجارته التي هي عمره، وقد آلمني كثيرا وأنا أسأله هل تواصل أحد معك من السفارة اللبنانية؟ وكانت الإجابة صادمة: «لم تتواصل السفارة اللبنانية مع مواطنيها المنكوبين حتى اللحظة».
حاولت التواصل معهم ولكنني وجدت أن أقرب سفارة لبنانية موجودة بجنوب إفريقيا أي تبعد أكثر من ١٣٠٠ ميل عن موزمبيق ولا يوجد تمثيل دبلوماسي للبنان بموزمبيق، لكن ما الذي منع السفارة اللبنانية بجنوب إفريقيا من الاطمئنان على رعاياها بعد تلك الكارثة الإنسانية حتى ولو بمكالمة هاتفية ؟!.
لم يكن الحال مماثلا مع محمد سلام من مصر الذي انتقل لموزمبيق منذ عام ٢٠١١ فقد تواصلت معه السفارة المصرية عبر الهاتف من اليوم الخامس، في ذلك اليوم الذي عادت فيه شبكات الاتصال للعمل حيث وجد العديد من الرسائل من السفارة في الأيام المنصرمة، وتتواصل معه السفارة المصرية حتى اللحظة حيث صرح سلام: «أن ذلك يرجع إلى فقدان السفارة التواصل مع بقية المصريين الذين لم يسجلوا إقامتهم بالسفارة المصرية بموزمبيق لأسباب عديدة من بينهم من لا يعرف أهمية التسجيل ومنهم من يجهل أن هناك تسجيلا من الأساس».
كما صرح سلام «بضرورة تسجيل باقي الجالية المصرية لتلقي دعم ومساندة من السفارة التي لم تكن على علم بوجود هذه الأعداد من المصريين ببيرا بسبب عدم تسجيلهم».
سلام معه خط مفتوح مع الملحق المالي والإداري للسفارة المصرية حيث سجل معهم بياناته من قبل الإعصار ويحاولون التواصل معه من أجل المساندة ، وعن ليلة الإعصار أكد سلام: «كانت ليلة لا توصف إلا بالعصيبة، لم أكف عن نطق الشهادتين، ولكنه حاول النوم بعد انقضاء الليل وأصوات الرياح المرعبة، ثم حاول الخروج لكنه ما إن خرج من منزله حتى رأى ما وصفه بأنه «دمار شامل للبيوت قد اقتلعت أسقفها وتهدمت محطات البنزين، كان دمارا على مرمى البصر».

ليلة حرب

بالسؤال توجهت لأحمد المالكي من المغرب الذي بدا في البداية أكثر تماسكا ولكن ما إن بدأ الحديث قال: «خمسة أيام لم استطع إخبارهم بإني بخير، بسبب انقطاع الاتصالات حتى اليوم الخامس، حيث تحدثت إلى صديق بالعاصمة ليطمئن أهلي إني بخير».
أمر صعب جدا أن تغترب وتحدث كارثة مثل تلك معك، وتنقطع أخبارك بالكلية عن عائلتك ولا يبقى لهم إلا أرقام مرعبة على شرائط الأخبار، صرح المالكي بذلك مضيفا: «أمضيت الليلة مع زملائي بالسكن من سوريا ولبنان».
ثم أكمل المالكي: «كنت أسمع البيوت وهي تتهدم وصوت الزجاج ينكسر، وحاولت الخروج مع زملائي لتفقد الوضع لكن لم نستطع الخروج من شدة الرياح ومكثنا ليلتها بالمنزل نستمع لأصوات الدمار حتى صباح الجمعة، وقتها استطعنا الخروج وانصدمنا بما رأينا، كان دمارا مهولا كأننا قضينا ليلة حرب».
ويوم الأحد الموافق ٢٤ مارس الماضي فقد قام السفير المغربي بموزمبيق بزيارة مدينة بيرا وكذلك بزيارة المالكي بمقر عمله والاطمئنان على أوضاعه وأوضاع باقي أبناء الجالية المغربية، وكان ذلك هو أول تواصل مع السفارة منذ الإعصار طبقا لتصريحات المالكي، حيث فشلت محاولة الاتصال الهاتفية بسبب مشاكل بالشبكة، فانتقل السفير لموقع النكبة وتفقد رعايا المغرب ببيرا رغم انهما شخصان فقط، كما أخبرني المالكي.
وعن زيارته صرح المالكي: «أتوقع إن حدث لنا مكروه كان سيكون هناك دعما ماديا أكبر، لكن ما نحتاجه هو الدعم المعنوي الآن وقد حصلنا عليه وقد سألونا ما إذا كنا نحتاج شيئا ووعدونا بمزيد من التواصل».
جدير بالذكر أنه تم إرسال معونات من المغرب لموزمبيق للمساعدة بإعادة الإعمار.

غياب دولي

وجود العون الخارجي في موقع الدمار لا يناسب حجم الأزمة وسط ضعف شديد في فرق الإنقاذ وإعادة الإعمار الدولية والمحلية طبقا لشهود عيان، فما يُسمع في الإعلام لم يلمسه أحد على أرض الواقع باستثناء وجود بعض المتطوعين الأجانب الذين يعملون الآن على إجلاء العائلات التي تعيش وسط غمر للمياه في قرى غارقة بالكامل عقب الأمطار وذلك بسبب طبيعة البيوت المحلية التي تبنى من عشش وليس كمنازل، كما هو الحال في بيوت الأجانب وذلك لما تعانيه تلك المجتمعات من فقر شديد.