السلطنة احتفلت بذكراها العطرة – الإسراء.. رسالة يقين وثبات للأمة الإسلامية للتمسك بالمبادئ

تغطية: سيف بن سالم الفضيلي –

احتفلت السلطنة ممثلة بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية صباح أمس بذكرى الإسراء والمعراج على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم وذلك بالقاعة متعددة الأغراض بكلية العلوم الشرعية بالخوير.
رعى الحفل فضيلة الشيخ الدكتور عبدالله بن راشد السيابي نائب رئيس المحكمة العليا.
استهل الاحتفال بتلاوة مباركة من الذكر الحكيم، ثم كلمة الوزارة ألقاها سلطان بن سعيد الهنائي المدير العام للوعظ والإرشاد أوضح فيها أنه إثر محن كثيرة، وآلام قاسية، ومكابرة مصطنعة، ومعاندة متكلفة، شكلت كلها مشاهد حية يسابق بعضها بعضا كي يتراجع محمد عن رسالته، ويتقاصر عن دعوته إلى خالقه، ويستسلم إلى واقع قوم يدفعون الحقائق بجهالتهم، ويردون المعجزات الظاهرةَ بشماتتهم، يفلت دعاء صادق وترتفع كف خاشعة إلى من بيده ملكوتُ كلِ شيء، ليركنَ إلى ذي القوة المتين في جلاله وعظمته، ويستعينَ بذي العزة في كبريائه وهيبته، إنه محمد رسول الله مع الله وكفى: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت ربُّ المستضعفين وأنت ربّي إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهَّمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أبالي، ولكنَّ عافَيَتَك أوسعُ لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبُك أو يَحِلَّ علىَّ سخطُك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك»، إنه دعاء ضعف في قوة، ودعوة مستضعف في ثقة، وشكاية عبد يستعفي خالقه من التقصير، ويعوذ بربه من غضبه وسخطه بعد أن مسه الضر البالغ من قومه وقرابته وعشيرته، ما أبلغ أدبه عليه الصلاة والسلام مع الله، وما أجمل استعطافه لمولاه تبارك وتعالى، حقا قولُه، « لقد أدبني ربي فأحسن تأديبي».
وقال السيابي: لئن صدق محمد ربَّه عز وجل في مناجاته فإن الله تعالى قد صدّق ظنَّ عبدِه بنصره وإجابته ليحققَ فيه إرادته الإلهيةَ بكل معانيها، ويمكِّن له في الأرض خلال سنين عددا تحقيقا لوعده الصادق« وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ»، ألا ما أبلغ هذا الوعد الرباني الخالد، إذ يمتنُّ اللهُ تعالى بحكمته وإرادته النافذة على المستضعفين ليس الضعفاء، فيمنحَهم القيادة والريادة والتمكين في الأرض، مُبتدأً ذلك بطمأنة حبيبه عليه الصلاة والسلام، لينظرَ ببصيرته أنوارَ مرضاة الله، ويشهدَ ببصره آياتِ القدرةِ العظمى تتجلى خلف الحجب، وتتكشفُ للعيان حيث لا ملك مقرب أو نبي مرسل، لتكون معجزة يخلدها كتاب الله ابتلاء واختبارا لصادقي الإيمان في كل حين وزمان، يقول تبارك وتعالى: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» إنها رحلة إسراء ليلي من أعظم مساجد الله في البلاد الحرام إلى أعظم مساجد الله في الأرض المباركة لأجل أن يُري الله محمدا شيئا من آياته، يؤكد حقيقة وقوعها في رحلة معراج سماوي لا شبيه له من قبل ولا من بعد «وهو بالأفق الأعلى، إذ دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى، أفتمارونه على ما يرى، ولقد رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، إذ يغشى السدرة ما يغشى، ما زاغ البصر وما طغى، لقد رأى من آيات ربه الكبرى».
ولئن كان تصديق خبر رحلة الإسراء والمعراج عند البعض لا يزال ضربا من الخيال وصورة من المحال في زمان العلم والمعرفة والاكتشافات الكونية المذهلة، فما القول عند من لا يتصور خبرا ينقل إليه من ميل غير أن يكون نقلا مباشرا من ثقة أو عند من لا يتخيل تنقلا من بقعة إلى أخرى سوى أن يكون بمشقة وجهد وعناء، ثم كيف بخبر من رحل في ليلة واحدة من مكة إلى الأقصى بفلسطين ثم يعرج إلى السماء، لينبأ قومه صباحها بتفاصيل حادثته، فيزداد المؤمن إيمانا ويقينا وتصديقا «ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون».
وأشار الهنائي إلى أنه لا يزال العالم يشهد تطورات متسارعة، ويعيش تقلبات أحداث متوالية، تؤكد على حيرة الإنسانية واضطراب نظرتها إلى الحياة، وخشيتها من مآلات المستقبل، وخوفها من مواجهة الحقيقة، والإقرار بالحقائق الكونية والتاريخية المستقرة، لتتكشف الأيام عن ذوي المواقف الثابتة والآراء اليقينية الراسخة التي لا تجامل في الحق الثابت، ولا تجاري في المبادئ والمسلمات، إدراكا منها بأن الثبات مقدمة لا محيص عنها لتحقيق النصر وبلوغ الأهداف والغايات، وأن الضعف لا يعني الاستسلام والاستكانة والرضا بواقع الحال، وأن من حكمة الله في عباده الصابرين إبدالهم بالعسر يسرا وبالشدة فرجا وبالضعف قوة وعزما لتسكن نفوسهم وتطمئن قلوبهم يقينا بوعد الله «هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا».
إنها رسالة يقين وثبات لهذه الأمة المسلمة، لتتمسك بمبادئ دينها، وتتعلق بسبيل وحدتها، وتعتصم بحبل أخوتها، وتتجافى عن مصادر فرقتها، وتعرضَ عن أسباب فشلها «وَأطِيْعُوا اللهَ وَرَسُوْلَهُ وَلاَ تَنَازَعُوْا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيْحُكم واصبروا إن الله مع الصابرين».
في ختام كلمته قال: تغتنم وزارة الأوقاف والشؤون الدينية ظلال هذه المناسبة المباركة لترفع أسمى تهنئة وأعطرها للمقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – داعين الله تعالى أن ينعـــــم عليه بالصحة الدائمة وأن يلبسه أثواب العافية وأن يعيد عليه هذه المناسبة بكل يمن ومسرة ونسأل الله أن يعيد هذه المناسبة على الشعب العماني المسلم ووطننا العــــــزيز عمان والأمة الإسلامية جمعاء وهي تنعم في ظلال الأمن والإيمان وتتفيأ مظلة السلم والإسلام وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ثم قُدم عرض مرئي يحاكي الذكرى العطرة وأبرز إنسانية النبي صلى الله عليه وسلم برحمته بأمته وشفقته بها رغم ما لاقاه من العنت والصلف من عتاة الشرك والكفر منهم.
ثم ختم الحفل بمقاطع إنشادية للمنشد بدر الحارثي ترنم بمناقب النبي محمد صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة.