تقرير مولر والانتخابات الرئاسية

عوض بن سعيد باقوير –
صحفي ومحلل سياسي –

بعد مرور 22 شهرا علي التحقيقات الموسعة والتي أجراها المحقق الخاص روبرت مولر حول شبهة التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016 التي فاز فيها الرئيس دونالد ترامب تم تقديم التقرير النهائي لوزارة العدل والتي بدورها أرسلت ملخصا لأهم حيثياته والتي لم تتجاوز الأربع صفحات إلى الكونجرس وتم تسريب تلك الصفحات لوسائل الإعلام الأمريكية.
ولعل أهم ما جاء في ذلك الملخص أن التحقيقات لم تتوصل إلى أدلة تثبت تورط الرئيس الأمريكي في أي اتصالات مباشرة مع الجانب الروسي وهو ما اعتبره ترامب والبيت الأبيض بمثابة براءة كاملة في حين أن التقرير لم يعط البراءة للرئيس فيما يخص موضوع عرقلة العدالة بحيث جعل التقرير الباب مفتوحا للتفسيرات والتكهنات.
وعلى ضوء ذلك احتدم الجدل مجددا بين البيت الأبيض والكونجرس خاصة مجلس النواب الذي يسيطر عليه الحزب الديمقراطي وهو الأمر الذي سوف يشعل حربا إعلامية وقانونية حتى موعد الانتخابات الرئاسية عام 2020.

المعركة الشرسة

شكلت تحقيقات مولر ورقه مهمة للديمقراطيين هدفها الأساسي الوصول إلى نتائج حاسمة تدين الرئيس ترامب وتفسح المجال لمرشح الحزب الديمقراطي للفوز بمنصب الرئاسة واستعادة البيت الأبيض مجددا ومن هنا بدأت التصريحات الملتهبة من قبل زعيمة الديمقراطيين في مجلس النواب نانسي بيلوسي وكبار قادة الحزب في الكونجرس بعدم الرضا عن تقديم تلك الصفحات الأربع من تقرير مولر ومطالبين بإرسال التقرير كاملا إلى الكونجرس وأيضا نشره للرأي العام الأمريكي، وهو الأمر الذي لا يزال محل خلاف من قبل وزير العدل الأمريكي إلا أن التطور المهم جاء من قبل المدعي العام الأمريكي وليام بار والذي أكد أن التقرير كاملا سوف يرسل إلى الكونجرس منتصف الشهر القادم وهو يتكون من 400 صفحه تقريبا وهو التطور والذي يجعل الساحة الأمريكية تشتعل مجددا في ظل تسريبات حول فقرات حساسة في التقرير.
وعلى ضوء ذلك فإن المعركة الشرسة سوف تكون في الكونجرس في ظل أخبار تتحدث عن أمكانية استدعاء الكونجرس للمحقق الخاص روبرت مولر للشهادة حول ما تضمنه التقرير كما أن وسائل الإعلام الأمريكية سوف تنشر التقرير أو على الأقل أهم بنوده في ظل الخلاف المحتدم مع ترامب ومن هنا فإن تقرير مولر سوف يشكل المواجهة المحتملة في انتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

نصف براءة

معظم التحليلات في واشنطن تتحدث عن أن التقرير يعطي الرئيس ترامب نصف براءة فيما يخص التواطؤ مع الجانب الروسي أما فيما يخص تعطيل سير العدالة فإن مولر ومن خلال التقرير ترك الباب مفتوحا للتفسيرات والتأويلات وعدم إعطاء البراءة للرئيس ترامب.
كما ان كشف كل التقرير قد يعطي تفسيرات جديده من خلال الإيحاءات التي يتحدث عنها التقرير فيما يخص تعطيل العدالة ومن هنا فإن الجميع ينتظر الموعد وهو الخامس عشر من أبريل القادم أي بعد أقل من أسبوعين لكشف النقاب عن كل الاحتمالات والتنبؤ بمصير الرئيس ترامب، وبحسب صحيفة نيويورك تايمز فإن المدعي العام قال في رسالة وجهها إلى رؤساء اللجان القضائية بالكونجرس سيتمكن الجميع قريبا من قراءة تقرير مولر وهذا يعني أن كل التفسيرات والمعلومات سوف تكشف للكونجرس وربما للرأي العام لاحقا من خلال وسائل الإعلام المتحفزة وعلى ضوء تلك التطورات فإن الرئيس ترامب وفريق البيت الأبيض القانوني سوف يستعد لمعركة قانونية معقدة في ظل تكهنات بان موضوع تعطيل العدالة به إشارات قد تضر بوضع الرئيس ترامب كما أن عددا من شهادات مستشاري حملة ترامب قد تكون أسهمت في كشف بعض الاتصالات والضغوط حول إخفاء بعض المعلومات أو ربما تعطيل سير العدالة.

حملة الانتخابات

سوف تكون الحملة الرئاسية القادمة صعبة وقاسية وسوف يكون تقرير مولر وما حدث من تحقيقات وسجن بعض مديري حملة ترامب السابقة العنوان الأكبر لمسار تلك الحملة وسوف يحاول الديمقراطيون استخدام تلك المعطيات للإضرار بحملة ترامب ومن هنا فإن تقرير مولر قد يكون الفاصل في فوز أحد الحزبين في نهاية المطاف لأن عدم وجود أدلة كافية قد يعتبره الرأي العام الأمريكي مضيعة للوقت والمال والجهد كما يروج لذلك ترامب وعلى ضوء ذلك فإن المخاطرة بالاعتماد على التقرير كاستراتيجية للحزب الديمقراطي لها مخاطره على المدى المنظور.
الانتخابات الرئاسية سوف يكون لها حسابات كبيرة في ظل دعم الرئيس ترامب غير المسبوق لإسرائيل من خلال إعلان مدينة القدس المحتلة كعاصمه لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها ومؤخرا توقيع ترامب بسيادة هضبة الجولان السورية المحتلة لإسرائيل علاوة على صفقة القرن التي سوف يتم الكشف عن تفاصيلها خلال وبعد الانتخابات الإسرائيلية في شهر أبريل الجاري، وهي صفقة اقتصادية وتبادل للأراضي تهدف في النهاية لتصفية القضية الفلسطينية.
ولا شك أن المنظمة اليهودية المعروفة بالايباك سوف تضع كل قوتها لمناصرة ترامب وسوف يكون للتبرعات الكبيرة دور لا يمكن إغفاله ورغم ذلك فإن الولايات المتحدة سوف تشهد انقساما شعبيا حادا بسبب التطورات الداخلية في عهد الرئيس ترامب التي أثارت قراراته جدلا واسعا ومن هنا فإن تلك الانتخابات الرئاسية سوف تكون الأشرس في تاريخ الانتخابات الأمريكية في ظل توفر المناخ السياسي المضطرب وتقرير مولر والتوتر بين الرئيس ترامب والصحف الكبرى الأمريكية والقنوات الإخبارية.
وفي بلد مفتوح سياسيا كالولايات المتحدة فإن تقرير مولر سوف يثير الكثير من الجدل في ظل بعض الغموض الذي يلف عدد من فقراته خاصة حول موضوع تعطيل سير العدالة، وكان المحقق الخاص مولر تركها كنهاية المسلسلات الأمريكية وهذا سوف يثير الكثير من الشكوك والريبة خاصة عندما يتم استدعاء روبرت مولر للشهادة حول سير التحقيقات بشكل عام والتقرير بشكل خاص.

إلى أين الاتجاه؟

حتى موعد تسليم التقرير كاملا للكونجرس وخاصة اللجان القضائية فإن المعركة السياسية والإعلامية سوف تدور عن كل كلمات وإيحاءات التقرير وكيف يمكن ان تفند اللجان القانونية تلك المعلومات، وهذا الأمر سوف يفتح الباب على جدل واسع النطاق علي صعيد المجتمع الأمريكي بين مدافع عن براءة الرئيس ترامب وبين مهاجم تصرفات ترامب والمشكلات القانونية وسجن عدد من مستشاري حملته الانتخابية
كما أن الرئيس ترامب يواجه عددا من التحقيقات في محاكم نيويورك حول قضايا أخرى، وبالتالي فإن متاعب الرئيس الأمريكي لن تنتهي إلا بنهاية ولايته الرئاسية الأولى مما يجعل البيت الأبيض في حالة ترقب واستعداد جديد لمواجهه قانونية في المحاكم الفيدرالية في نيويورك
وأمام هذا المشهد فإن تقرير مولر سوف يخضع لتحليلات قانونية وسياسية على صعيد اللجان القضائية في الكونجرس وهجوم متواصل على سلوك الرئيس ترامب خلال فترته الحالية في الرئاسة وسوف يكون الإعلام الأمريكي المؤثر بشكل كبير حاضرا خاصة في تحليلات القنوات الإخبارية وأيضا تحليلات صحف الواشنطن بوست ونيويورك تايمز وهما من أكبر الصحف في الولايات المتحدة والعالم نفوذا وتأثيرا.
اذن تقرير مولر وتداعياته الحالية والمستقبلية سوف يكون له دور كبير في إطار الحملات الانتخابية القادمة وقد يكون هذا التقرير احد الأسباب القوية في خسارة احد الحزبين للانتخابات الرئاسية مع عوامل أخرى داخليه كالوضع الاقتصادي علي سبيل المثال.

كما أن حدوث تطور كبير ناتج عن تقرير مولر أو ظهور شهود آخرين في التحقيقات الأخرى سوف يجعل الانتخابات الرئاسية ملتهبة إلى حد كبير، والولايات المتحدة ومن خلال اعلامها المؤثر ساحة مثيره للجدل ولعل موضوع ووترجيت والذي أطاح بالرئيس الأمريكي الاسبق ريتشارد نيكسون لا يزال في الأذهان وقد يحدث سيناريو مشابه سواء خلال ما تبقى من فترة الرئيس ترامب أو خلال الحملة الانتخابية القادمة عام 2020.