خطبة الجمعة: تقديس المشاعر من تقوى القلوب والأمة التي تتنازل عن مقدساتها لا كرامة لها

الإسراء والمعراج.. أريج بـشرى ومدرسة ثـبات –

تتناول خطبة الجمعة لهذا اليوم ذكرى حادثة الإسراء والمعراج التي تمر على الأمة هذه الأيام وجراح تشتتها مثخنة، وقبضة أزماتها خانقة، وحراب أعدائها بجسدها غائرة، مبينة أن من هذه الحادثة عليها أن تتعلم أن مع العسر يسرا، وأن بعد الضـيق سعة، وأن المنحة تولد من رحم المحـنة، ولكن الآمال لا تتحقق بالتمني، والتمـكين لا يطلب إلا من بابه، والنصر لا يكون إلا بتحـقيق أسبابه، فيجب على كل مسلم أن يأخذ بمفاتيح النصر والرفعة والرقي، وأن يحسن طرق أبواب الفرج والتمـكين.
وتؤكد أن في الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى إشارة واضحة إلى عظيم منزلة المساجد والمقدسات في الإسلام عموما، وإلى المكانة الرفيعة لهذين المسجدين خصوصا. فهو أولى القبـلتين، وثالث الحرمين، أعـلى الله مكانته، وأثبت بركته، ونال هذا المسجد الشرف والرفعة اسـتحـقاقا، وهفت إليه أفئدة المؤمنين في كل مكان اشتياقا. فتقديس المشاعر وتعـظيم الشعائر من تقوى القلوب، والأمة التي تتنازل عن مقدساتها لا كرامة لها، والتي لا تصون حماها يتكالب عليها أعداؤها.. وهنا نص الخطبة التي جاءت تحت عنوان: «الإسراء والمعراج.. أريج بـشرى ومدرسة ثـبات».

 

الحمد لله ذي العزة والرفعة، والعظمة والمنعة، آيات عظمته تلوح في كل ذرة من هذا الوجود، وله خضع من في السماوات والأرض في تسبيح وسجود. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريـك له، أسبغ النعم على خلقه وأعطى، وأحاط بكل شيء علما وأحصى، وأسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، كان في كل أحواله صادقا، وعلى المبادئ ثابتا، وللحق داعيا ومرشدا، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحـبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فيا عباد الله:

أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ فإنه لا سعادة ترجى في الدنيا إلا بالتقوى، ولا نجاة في الآخرة إلا بالتقوى، (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا). واعـلموا -معاشر المؤمنين- أن الحديث عن الإسراء والمعراج هو حديث عن القدرة الإلهية، التي تكمن فيها خصائص العظمة والجلال، وتسـتدعي مظاهرها التعـظيم والإجلال، قدرة لا تقف في وجهها السنن الماضية، ولا توقفها النواميس الجارية، فسبحان من له القدرة المطلقة، التي ليس لها من قيود مانعة، ولا سدود دافعة، (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). إن حادثة الإسراء والمعـراج
– أيها الأحبة – مدرسة مليئة بالدروس والعبر، دروس يعيها العاقلون، ويفقهها العارفون، وينتفع بها المؤمنون الصادقون، كلما حلت ذكراها، أتت معها بشرى الرفعة والتمـكين، وكان ضمن دروسها درس التمسك بالمبادئ، والثبات على الدين.

عباد الله:

من حادثة الإسراء والمعراج نتعلم أن مع العسر يسرا، وأن بعد الضـيق سعة، وأن المنحة تولد من رحم المحـنة، وقد وقعت حادثة الإسراء بعد أن ضاقت بالأمة حلقات المحن، واشـتد عليها وقع الخطوب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضـيق عليه أهـل مكة رحابها، وأغـلقوا دونه أبوابها، حتى إذا جاء أهـل الطائف هاديا، ونزل بأرضهم داعيا، اسـتقبلوه بقلوب غلاظ شداد، وبألسنة آثمة حداد، فكان هذا الصد والجحود لرسول الله مؤلما وموجعا، وقد بلغ منه الحزن مبـلغا، ذاق صلى الله عليه وسلم طعم العسر والضـيق، وأصابته سياط الكرب والمحن، وما في الخلق من أحد منه أكرم، ولا في الوجود من الله به أرحم. ومع حلكة الواقع، واكفهرار الأفق، جاءت هذه الحادثة، التي عطلت لرسول الله فيها السنن المألوفة، ورفعت فيها عنه الحجب، ورأى فيها من آيات ربه الكبرى، فكانت لنفسه مسلية، ولعزيمته مقوية، وكانت إيذانا بنصر من الله قريب، وفتح منه مبين، فما زاد المسـلمون بعدها إلا قوة، وكان لهم بعدها النصر والتمـكين، (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ، لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).

أيها المؤمنون:

إن ذكرى حادثة الإسراء والمعراج تمر على أمتنا الإسلامية هذه الأيام وجراح تشتتها مثخنة، وقبضة أزماتها خانقة، وحراب أعدائها بجسدها غائرة، غير أن أملنا ما زال بالله قويا، أن يكشف كربتها، ويحـيي وحدتها، ويجـلو غشاوتها، ويعيد لها كرامتها، ولكن الآمال لا تتحقق – أيها الكرام – بالتمني، والتمـكين لا يطلب إلا من بابه، والنصر لا يكون إلا بتحـقيق أسبابه، يقول ذو الجلال والإكرام: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)، فيجب على كل مسلم أن يأخذ بمفاتيح النصر والرفعة والرقي، وأن يحسن طرق أبواب الفرج والتمـكين. ونحن لو أتيـنا إلى مدرسة الإسراء والمعراج لوجدنا فيها دواء لأدوائنا، ومرهما لجراحنا، فمع ضيق حلق الشدة بالمسلمين يومها، وتتالي المحن عليهم وقتها، كانوا يمـلكون طوق النجاة، ويأخذون بأسباب النصر، ويسـلكون سبل الفرج، فما تلك الأسباب والسبل؟ وكيف نصر أولئك الكرام ربهم ليسـتحقوا نصره؟

إخوة الإيمان والهدى:

إن من أهم أسباب النصر والفرج والرفعة التي تتجلى في حادثة الإسراء والمعراج الإيمان المطلق بالله ورسوله، الذي يقتضي أن يؤمن المؤمن بصدق رسوله الكريم فيما يخبر، وبحكمة الله فيما يقضي ويأمر، فما زادت هذه الحادثة المؤمنين وهم يسمعونها من رسولهم إلا إيمانا، يقطعون بصدقه والحادثة تتناقض مع قوانين الطبيعة المألوفة، ويجزمون بوقوعها ولا تسـتوعب كنهها عقولهم المحدودة، لكنه الإيمان، (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ). ومطلق التصديق يقود المسلم إلى مطلق الانقياد لله ورسوله، فلا تشكيك في صدق خبر، ولا تلكؤ في تنفيذ أمر، يقول الله عز وجل: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا). ومن أسباب النصر والتمـكين المستخلصة من معجزة الإسراء والمعراج، الثبات على منهج الدعوة والإصلاح، رغم الصعاب والعقبات، فهذا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ما ترك الدعوة إلى ربه، وما تقاعس عن تبيين الحق وتوضيح سبيله، يقوده إخلاصه لخالقه، وتحدوه الشفقة على خلقه، وقد لاقى في سبيل ذلك الإيذاء والتكذيب، لكنه كان الصابر الثابت. إن القيام بالدعوة والإصلاح – عباد الله – ليس خاصا بفئة من الناس دون غيرهم – كما يظن البعض -، فكل مسـلم لا بد أن يكون داعية مصـلحا، في حدود مقدرته، فربكم جل وعلا يقول مخاطبا نبيه الكريم: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، ويقول سبحانه واصفا هذه الأمة: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، ويقول رسولكم المصطفى صلى الله عليه وسلم: «بلغوا عني ولو آية». إن رسالة الإصلاح هي الرسالة التي يجب أن يحملها ويثبت في سبيل أدائها رب الأسرة في أسرته، والمعلم في مدرسته، والموظف في ميدان وظيفته، وذو الاختصاص في مجال اختصاصه، وكل عضو في المجـتمع لأجـل مجـتمعه، فكلنا ذو مسؤولية، وكل منا واقع عليه واجب الإصلاح بقدر اسـتطاعته. فإذا تمكن الإيمان وقامت الدعوة، وثبتت دعائم الإصلاح، صار سبيل الرفعة والعزة والتمـكين ممهدا مهيأ.
فاتقوا الله – عباد الله -، وكونوا من الراسخين في إيمانكم، الساعين إلى مرضاة ربكم، الثابتين على قيمكم ومبادئكم، يكـتب الله لكم العزة والتمـكين والرفعة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.
*** *** ***
الحمد لله، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا رسول الله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحـبه ومن والاه.
أما بعد، فاعـلموا – عباد الله – أن في الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى إشارة واضحة إلى عظيم منزلة المساجد والمقدسات في الإسلام عموما، وإلى المكانة الرفيعة لهذين المسجدين خصوصا. وذكرى الحادثة تحل عليـنا والمسجد الأقصى في الحالة التي تعرفون، وهو المسجد الذي عمره الأنبياء، وتعلق به الأولياء، هو أولى القبـلتين، وثالث الحرمين، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى))، أعـلى الله – عز وجل – مكانته، وأثبت سبحانه بركته، فقال عنه: ()، لقد نال هذا المسجد الشرف والرفعة اسـتحـقاقا، وهفت إليه أفئدة المؤمنين في كل مكان اشتياقا. فحري بنا – عباد الله – ونحن في ذكرى الإسراء إليه والمعراج منه أن نذكر أبناءنا بمكانته، وعظيم منزلته، جميل أن نعلمهم أن تقديس المشاعر وتعـظيم الشعائر من تقوى القلوب، جميل أن نعلمهم ألا يعطوا الدنية في دينهم، والخنوع في كرامتهم، نعلمهم أن الأمة التي تتنازل عن مقدساتها لا كرامة لها، والتي لا تصون حماها يتكالب عليها أعداؤها.
فاتقوا الله – عباد الله -، واجعلوا من ذكرى الإسراء والمعراج بشرى لكم بالعزة والرفعة، وتعزيزا للمكانة والمنعة، وتثبيتا لكم على القيم والمبادئ، ومعراجا لكم نحو المعالي.
هذا وصلوا وسلموا على إمام المرسلين، وقائد الغر المحجلين، فقد أمركم الله تعالى بالصلاة والسلام عليه في محكم كتابه حيث قال عز قائلا عليما: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن المؤمنين والمؤمنات إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ووحد اللهم صفوفهم، وأجمع كلمتهم على الحق، واكسر شوكة الظالمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين.
اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت سبحانك بك نستجير، وبرحمتك نستغيث ألا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر، وأصلح لنا شأننا كله يا مصلح شأن الصالحين.
اللهم ربنا احفظ أوطاننا وأعز سلطاننا وأيده بالحق وأيد به الحق يا رب العالمين، اللهم أسبغ عليه نعمتك، وأيده بنور حكمتك، وسدده بتوفيقك، واحفظه بعين رعايتك.
اللهم أنزل علينا من بركات السماء وأخرج لنا من خيرات الأرض، وبارك لنا في ثمارنا وزروعنا وكل أرزاقنا يا ذا الجلال والإكرام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.
عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).