9 آلاف ريال فاتورة كهرباء مـنزل !

أخطاء»الفواتير التقديرية» متى تنتهي ؟
رئيس التشغيل بشركة مسقط لتوزيع الكهرباء :2000 شكوى فقط من بين 3 ملايين و971 الف فاتورة –
تحقيق: عبدالله بن سيف الخايفي –

«9124» ريالا عمانيا هي فاتورة كهرباء منزل .. هل الرقم صادم وغير منطقي ؟ نعم انه صادم ووهمي وغير منطقي.هل هو استهلاك حقيقي؟ اطلاقا ، ليس استهلاكا حقيقيا، لكن هذا هو واقع فواتير الكهرباء اليوم. هي نموذج لمئات وربما آلاف اخرى من الفواتير التقديرية التي تتضخم بينما لا تراها شركات الكهرباء معضلة أو ظاهرة . التحقيق التالي يسلط الضوء على واقع الفواتير التقديرية ..
تتفاقم اشكالية الفواتير لتدخل منعطفا مقلقا بأرقامها الخيالية حين باتت تؤثر على المستهلكين وخاصة بعض الشرائح من المعسرين وفئات الضمان الاجتماعي والدخل المحدود والمسنين ومرضى مرتبطين بأجهزة كهربائية. تأثيرات في عدم المقدرة على سداد مبالغ لا علاقة لها بالاستهلاك الفعلي وتراكمهاومعاناة في التحقق المضني من مصداقيتها بل وفي قطع الخدمة ورجاءات إرجاعها.

قبل عامين نشرت عمان تحقيقا في حلقتين حول غياب قارىء عدادات الكهرباء وانتشار القراءات التقديرية التي فتحت جدلا لم ينتهي بين النفي والإثبات لتلك الارقام ومطالب بنظام فوترة دقيق وشفاف.. وقد أجاب نائب الرئيس التنفيذي لمجموعة «نماء» القابضة التي تضم شركات إنتاج وتوليد الطاقة ونقلها وتوزيعها بأنهم يبذلون «أعلى درجات الدقة» للفواتير فيما قال رئيس التشغيل والتزويد بشركة مسقط لتوزيع الكهرباء احدى الشركات المعنية ان الشركة أوجدت حلولا ستنعكس تغييرا ايجابيا،لكن بعد عامين لا أثر لـ«أعلى درجات الدقة» ولم تظهر نتائج التغيير الايجابي.
واستمرت الاسئلة بدون اجابات مقنعة.. من أين تأتي الارقام الخيالية التي لا علاقة لها بالاستهلاك الفعلي؟ من المسؤول عن احتسابها؟ لماذا اللجوء الى طريقة مربكة لميزانيات المشتركين؟ كيف تتم حسبة الوحدات المنخفضة والانتقال الى وحدات الاستهلاك الأعلى عند حساب الفواتير المتراكمة ؟هل تسجيل القراءات واحضارها شهريا من اختصاص المشترك؟ ماذا عن المسنين والحالات المرضية وغير المتعلمين او غير الملمين بتقنية الاتصالات؟ وهل تقطع خدمة ضرورية كالكهرباء بانتظار انهاء خلافات قد تقصر او تطول ؟
يبدو أن هناك معايير لا يتم الأخذ بها ومنها ما قد يطرأ على العقار من تغيرات تتعلق بملكيته او تأجيره ، سكني او تجاري وتغير عدد ونوعية سكانه ونمط استهلاكهم ووجود او مغادرة أصحابه واغلاقه وغيرها من المتغيرات التي تؤثر في تقدير الاستهلاك.
«9124»تسعة الاف ومائة واربعة وعشرين ريالا عمانيا مبلغ فاتورة كهرباء تقديرية لاستهلاك منزل في مطرح لشهر واحد قد تلخص القضية برمتها .. تقول مطلوبة بنت محمد الزدجالية: كان الرقم صادما فمن غير المعقول ان يكون استهلاك منزل واحد؟ وتحكي معاناتها فتقول» لا يوجد تواصل مباشر مع الموظفين بشركة مسقط لتوزيع الكهرباء للتفاهم ولا مجال سوى التبليغ عن طريق مركز الاتصالات الذي يطلب تصوير القراءة وارسال رسالة نصية ثم انتظار الرد في عملية معقدة ومضيعة للوقت والجهد لا طائل منها».وتضيف :بعد مراجعات عادوا لحساب الاستهلاك لعشر سنوات سابقة ليقفز الرقم الى 13 الف ريال وبعد سلسلة من المناقشات والأخذ والرد تم احتساب مبلغ 200 ريال وبشكل «تقديري» ايضا.
وأبدت مطلوبة استيائها من معاناة المشترك عند توريطه بفاتورة تقديرية بدءا من القلق من قطع الخدمة مرورا بمراجعات الجهات المختصة وضياع الوقت والجهد وكذلك في حالة قطع التيار وعملية الدفع دون مراعاة -على حد قولها -ظروف المشترك ،كما طالبت بخفض نسبة الحد الأدنى من الفاتورة عند الدفع لاعادة الخدمة بحيث لا تتجاوز 50 % «حاليا 75%».

3700 ريال

«3704» ريالات مبلغ آخر لفاتورة تقديرية خاطئة يعاني صاحبها ويبحث قراءة حقيقية. مشترك اخر مطالب ب 412 ريالا تفاديا لقطع الخدمة ، وقام بدفع 300 ريال ولكن تفاجأ بالشركة المعنية تحضر لقطع التيارفقدم لهم ايصال الدفع لكنهم طالبوا بأن يتم ذلك عبر مركز الاتصالات رغم أن المشترك يجهل التعامل مع نظام الاتصالات واضطر لدفع 112 ريالا اخرى لتستنزف ميزانيته 412 ريالا دفعة واحدة.

5 سنوات بدون فاتورة

فوزية البلوشية تحدثت عن خمس سنوات من عدم تلقيها فاتورة رغم زيارة قارىء العداد لمنزلها فتضطر شهريا الذهاب لشركة التحصيل للدفع تفاديا لقطع الخدمة ،وتساءلت كيف يحضر القارىء ولا تصلني الفاتورة؟ وقالت : هذه معاناة شهرية وغير منطقية وقد تواصلت مع شركة التحصيل ولكن دون فائدة.
قل عدد افراد الاسرة فزادت الفاتورةّ!
جميل البلوشي سجل ملاحظات بشأن الارقام المبالغ فيها وقال انها لا تعكس الاستهلاك الفعلي لعدد افراد أسرته «عندما كان عدد سكان المنزل أكبر كان المبلغ اقل ولا يتجاوز 30 ريالا شهريا في حين عندما قل عدد افراد الاسرة بعد مغادرة 6 اشخاص الى منازل جديدة أصبحت الفاتورة تأتي بمبالغ أعلى تصل 85 ريالا شهريا في مفارقة غريبة وغير منطقية».
سعيد المعشري قال انها مبالغ عجيبة وغير مقبولة وتكشف عن خلل في نظام الفوترة وتعكس عجزالشركات المعنية عن القيام بدورها في توفير قارئين للعدادات مطالبا بتوظيف المواطنين الباحثين عن عمل.فيما قال احمد الميمني : هذه معاناة يدفع ثمنها المستهلك دون ذنب ومبررات الشركات غير مقبولة فكيف تعجز عن توفير قاريء العدادات بينما جاهزة من خلال تعاقداتها مع شركات التحصيل لتوصيل الانذارات وقطع الخدمة.
واعتبر عبدالله ثاني عبر مقطع فيديو متداول بوسائل التواصل الاجتماعي الفواتير التقديرية اسلوبا استفزازيا لبث القلق في نفوس المشتركين ودفعهم لمتابعة حساباتهم شهريا وتسديد المبالغ دون مراعاة لظروف الناس وطالب بتدخل الجهات المنظمة من هيئة تنظيم الكهرباء والمشرعين لضبط هذه الممارسات في الخدمات العامة.
نماذج أخرى لمعاناة الفواتير التقديرية تتحدث عنها هذه الأرقام:
■ 777 ريالا مستحقات فاتورة لمنزل في مسقط تسكن به أسرة عائلها متقاعد براتب محدود وتقدم بشكوى لاستبدال العداد ولم يتم الرد عليه.
■ 118 ريالا فاتورة بانذار لقطع الخدمة عن منزل به طفل مريض بالسرطان ولا يعمل ابويه.
■ فاتورة تقديرية بمبلغ 266 ريالا متراكمة وإنذار بقطع الخدمة عن أسرة أيتام ومن فئة الضمان الاجتماعي عاجزين عن السداد.
■ 166 ريالا فاتورة تقديرية وانذار بالقطع عن منزل بدون مراعاة حالة ترقد على سرير المرض معتمدة على جهاز تنفس كهربائي.
■ 133 ريالا فاتورة منزل لمسنة بدون معيل وانذار بقطع الخدمة.
■ 140 ريالا فاتورة أسرة من الضمان الاجتماعي وانذار بقطع الخدمة.
■ 396 ريالا فاتورة ايتام من الضمان الاجتماعي وانذار بقطع الخدمة.
■ 253 ريالا فاتورة أيتام من الضمان اجتماعي لسكن مستأجر.

رد شركة مسقط

تلك بعض من مشاهد فواتير الكهرباء التقديرية وقد حملت «عمان» الملاحظات ونماذج من الفواتير الى شركة مسقط لتوزيع الكهرباء حيث اوضح المهندس سلمان بن علي الهطالي رئيس التشغيل والتزويد بالشركة ان قراءات العدادات تخضع الى العديد من اجراءات التدقيق والمراجعة وذلك لضمان الجودة والدقة قبل ارسالها الى نظام الفوترة لإصدار الفواتير.
وقال الهطالي: ان الشركة تلجأ الى تقدير الاستهلاك في حالة عدم توفر قراءة العداد في ذلك الشهر سواء كان نتيجة وقوع الحساب خارج برنامج القراءة لذلك الشهر أو الى وجود العدادات داخل العقارات وعدم تمكين قارئ العداد من الوصول الى موقع العداد وأخذ القراءة او توقف العداد نتيجة عطل فني.
وأرجعت شركة مسقط لتوزيع الكهرباء صدور فواتير بمبالغ مرتفعة لأسباب عديدة فقال رئيس التشغيل والتزويد ان من ضمنها تراكم مبالغ غير مدفوعة او نتيجة تراكم استهلاك يعود الى اشهر سابقة أو إضافة استهلاك بدل المفقود في حال وجود عطل فني في العدادات.

مراجعة وتدقيق .. ولكن؟؟

وقال ان الإستهلاك بدل المفقود يحتسب وفقاً لآليات الإحتساب المعتمدة من قبل هيئة تنظيم الكهرباء وانها تخضع أيضا للتدقيق لضمان التقيد بالأليات المعتمدة. لافتا الى اختلاف طريقة التعامل مع كل حالة حيث تضع الشركة فريق متخصص لمراجعة فواتير المشتركين قبل صدورها وفريق متخصص لإستلام شكاوي وملاحظات المشتركين من خلال مركز الإتصالات والتعامل معها بإسرع وقت ممكن.
لكن كيف تمر الارقام المبالغ فيها طالما تخضع للعديد من اجراءات التدقيق والمراجعة قبل ارسالها لنظام الفوترة؟!
وقال ان الاخطاء واردة في كال مجال ولكنها تبقى ضئيلة مقارنة بمعدلات الجودة مؤكدا حرص الشركة الدائم لتيسير قنوات التواصل للمشتركين لتمكينهم من رفع الملاحظات والشكوى بكل سهولة ويسر.

2000 شكوى و462 خطأ

واوضح ان عدد الفواتير التي صدرت خلال عام 2018 م بلغ تقريبا ثلاثة ملايين وتسعمائة وواحد وسبعين الف فاتورة (3,971,000) وقد سجل الفي (2000) شكوى تقريبا عن هذه الفواتير ونتج عنها تعديل عدد 462 فاتورة نتيجة للاسباب المشار اليها اعلاه..
وأكد الهطالي ان التوقف عن التزويد بالخدمة هو آخر إجراء من إجراءات متابعة المستحقات المتراكمة التي تنشأ عن عدم قيام بعض المشتركين بسداد الفواتير بصورة منتظمة مشيرا الى ان الشركة تلجأ إلى هذا الإجراء فقط في حال عدم تجاوب المشترك لرسائل التذكير والإخطارات والإتصالات التي تسبق القطع.

قطع الخدمة آخر الاجراءات

كما أكد ان الشركة لا تعمد الى إجراءات القطع في حالة ما اذا تقدم المشترك بشكوى على فاتورة لحين النظر في الشكوى والبت فيها وذلك حسب إجراءات النظر في شكاوي المشتركين المعتمدة.

صعوبات في السداد

الى ذلك قالت شركة مسقط لتوزيع الكهرباء انها طورت مجموعة قواعد عمل لخدمة المشتركين الذين يواجهون صعوبات في سداد فواتير الكهرباء وأوضح رئيس التشغيل ان هذه القواعد تؤكد إلتزام الشركة بمساعدة هذه الفئة والخطوات التي ستتخذها لمساعدة المشترك وكذلك ما يتعين على المشترك إتخاذه لمنع قطع تزويد المشترك بالكهرباء داعيا المشتركين الراغبين في الاستفادة من هذه الخدمة الاتصال بمركز الاتصالات على الرقم 80070008.

الاحتياجات الخاصة

من جهة اخرى اشار المهندس سلمان الهطالي إلى وجود سجل لدى الشركة للمشتركين من ذوي الاحتياجات الخاصة حيث تتعامل الشركة مع هذه الفئة من المشتركين حسب القواعد المعمول بها في خدمة المشتركين من ذوي الإحتياجات الخاصة والمعتمدة من قبل هيئة تنظيم الكهرباء والتي يراعى من خلالها استمرارية تزويد المشترك بالتيار الكهربائي داعيا جميع مشتركي الى ضرورة إبلاغها في حالة وجود مشترك من ذوى الإحتياجات الخاصة في العقار من خلال التواصل مع مركز الاتصالات.

قراءات غير مبررة

إلى ذلك قال الخبير الاقتصادي احمد كشوب ان القراءات التقديرية غير مبررة اطلاقا ولا تقبل في ظل التقنيات الحديثة الا في حالات عدم تمكن القارىء من الوصول الى العداد وتعذر تسجيل القراءة ورجح كشوب ان يكون مصدر المشكلة اما خطأ من نظام الشركة او خللا في العداد.
واوضح كشوب ان هذه الارقام قد لا تكون تقديرية من الموظف المختص وانما من نظام الشركة المستخدم ، وكما يسجل النظام هذه الأرقام بشكل آلي فيفترض ان يظهر الارقام غير الطبيعية وهنا يجب التوقف عندها فهذه اشارة تدفع المختصين للتدقيق قبل تحويل الأرقام الى فاتورة مطبوعة تذهب للمستهلك ..

ضرر مادي ونفسي .. ومقاضاة

وقال ان الأرقام المبالغ فيها غير منطقية وغير قانونية أيضا ومن حق المستهلك مقاضاة الشركة ومطالبتها بالتعويض اذا وقع ضررعليه ماديا أو نفسيا طالما انها طبعت الفاتورة وخضعت للتدقيق فمرور مثل هذه الأرقام المبالغ فيها يحملها المسؤولية.
وأرجع الخبير الاقتصادي وجود هذه الاشكاليات الى عدم وجود المنافسة لكون موفر الخدمة طرف واحد ما يجعله الخيار الوحيد امام المشترك شاء ام ابى فضلا عن عدم توفر جمعيات مجتمع مدني تدافع عن حقوق المستهلك وتوعيتهم ايضا.
من جهة اخرى اعتبر كشوب ان جزءا من القضية مرتبط بالمستهلك فبعض الارقام قد تكون صحيحة وينبغي عليه متابعة المتغيرات التي تحدث في فاتورته ويقارنها باستهلاكه فمن المهم ان تكون لديه الثقافة والمعرفة مؤكدا في الوقت نفسه ان التوعية والتثقيف من مهام شركات توفير الخدمة وعليها تقع مسؤولية ممارسة هذا الدور.
واستبعد ان تكون الفاتورة التقديرية متعمدة لاستفزاز المستهلكين وانما تمثل نظام الشركات بالاضافة الى عدم وجود وسائل مساندة للمستهلك .
وتسائل كشوب: لماذا لا تكون هناك شركة تتولى قراءة العدادات وتوفير فرص عمل للمواطنين كما هو الحال في الشركات التي تتولى التحصيل وتوصيل وقطع الخدمة؟واكد على ضرورة عدم ربط توصيل او قطع خدمة عامة بمشاكل الفوترة وقال : يفترض من الشركة المعنية ان تبادر وتتصل بالمشترك وتعتذر عن الخطأ رسميا عوضا عن وضعه في ضغط نفسي ومالي فيجب ان تتعامل مع المشتركين بأقصى درجات المهنية والاحترافية.