ما الذي تخبرنا به عملية نيوزيلندا الإرهابية؟

د. صلاح أبو نار –
إذا راجعنا ما خلفه الجاني عمدا عن نفسه من معلومات، سنجد الكثير من عناصر هذه الرؤية اليمينية، ولكن من خلال تركيز خاص على العداء للإسلام، لا يحتل هذه المكانة المركزية في التيار اليميني العام، فما يركز عليه هذا التيار هو العداء للآخر الثقافي والعرقي.

جاء حادث نيوزيلندا الإرهابي حاملا معه قدرا واسعا وعميقا من الفزغ السياسي، الأمر الذي يثير تساؤلا مهما: هل يحمل هذا الحادث بالفعل ما يبرر هذا الفزع؟
لا نتصور ذلك فلا يحمل الحادث في أعماقه ما يبرر كل هذا الفزع، وكما نتصور لا يرتبط هذا الفزع أساسا بالحادث نفسه، بل بسياقاته الخاصة والعرضية.
ما هي هذه السياقات؟
من جهة أولى هناك هذا الإخراج المسرحي الذي أحاط به الجاني الأسترالي عمله الإجرامي. كتب الجاني: برينتون تارانت بيانا مطولا وصل عدد صفحاته إلى 73، وحرص على وصفه بكلمة «مانيفستو»، ومنحه عنوانا دراميا: «الإحلال العظيم»، تحدث فيه بالتفصيل عما ينوي فعله ولماذا يفعله؟ ثم أرسله إلى 30 جهة قبل ارتكابه مذبحة المسجدين بسبع دقائق. وفور الحادث كان من الطبيعي أن يجد البيان طريقه لوسائل الإعلام، لتثير الأفكار الواردة فيه قدرا واسعا من النقاش وينخرط الناس في تحليل مضامينها. ثم اكتملت عناصر الاستعراض، بما تسرب من فيديوهات للجاني صورها بنفسه وهو يستعد لارتكاب المذبحة لكي أن يراها الجميع، ثم بما رواه شهود المذبحة الأحياء عن طريقته الباردة في تنفيذ المذبحة.
ومن جهة ثانية وقوع الحادث في بلد يقع في أقصى الأرض بالمعنى الحرفي للعبارة، ويندر أن نجد لها حضورا في السياسة والإعلام الدوليين. بلد يمتلك مع الولايات المتحدة أكثر قوانين حيازة الأسلحة النارية تساهلا في العالم. ويصل عدد سكانه إلى 5 ملايين منهم 1.2 مليون يمتلكون أسلحة نارية، بمعدل بندقية لكل ثلاثة مواطنين، بينما المعدل في استراليا المجاورة بندقية لكل 15 مواطنا. ورغم كل هذه التخمة التسليحية نراه بلدا مفرطا في المسالمة، ويرجع آخر حادث قتل جماعي فيه إلى 1990. وعندما حدث ما حدث بعد ثلاثين عاما، جاء المرتكب من استراليا والنيوزلنديين يرقبون بهلع وذهول ما فعله.
وإذا كان لنا أن نضع مذبحة نيوزيلندا في حجمها الحقيقي لنفهم دلالاتها الفعلية، علينا أن نضعها في سياقاتها الحقيقية وليس تلك السياقات المصطنعة والعشوائية.
سنجد السياق الأول في التيار السياسي العام الذي ينتمي إليه الجاني: اليمين المتطرف العنصري الأبيض. ماهي سمات هذا التيار؟ النزعة اليمينية الرأسمالية التقليدية في الاقتصاد، ومعاداة دور الدولة في الاقتصاد والتشريع المركزي المعمم والتوظيف، والميل المتطرف للصيغ الكونفيدرالية في الحكم وبالتالي العداء للسلطة المركزية ورجال إدارتها وأمنها ومقراتها وإداراتها، ومن هنا نلاحظ ان الكثير من عنف وإرهاب هذا التيار يوجه إلى رجال السلطة خلال قيامهم بأعمالهم النمطية والضرورية تماما. ويتبني هذا التيار قيم اجتماعية محافظة، فهو ضد النساء والأقليات العرقية وحقوق الإنسان الجماعية. وهو يحمل نزعه قومية متطرفة، ويؤمن بفكرة العرق الأبيض النقي والسامي ويحمل أنصاره كراهية عميقة للأجانب والمهاجرين ويرفضون فكرة الاختلاط العرقي ويؤمنون بفكرة الهويات العرقية المتمايزة، ويعتقدون في وجود ثقافة بيضاء نقية واحدة ومتجانسة. ويكمل ذلك فكرة المؤامرة التاريخية، وتعني أن هناك مؤامرة على الجنس الأبيض تستهدف إزاحته وإحلاله بالأجناس الأخرى، وتتخذ تلك المؤامرة أشكالا مختلفة، مثل التغلغل البشري المرافق للفتوح والحروب، والهجرات الحديثة والتفاعلات مع الثقافات الأخرى.
ونحن إذا راجعنا ما خلفه الجاني عمدا عن نفسه من معلومات، سنجد الكثير من عناصر هذه الرؤية اليمينية، ولكن من خلال تركيز خاص على العداء للإسلام، لا يحتل هذه المكانة المركزية في التيار اليميني العام، فما يركز عليه هذا التيار هو العداء للآخر الثقافي والعرقي.
يحمل الاسم الذي حمله بيانه دلالة المؤامرة التاريخية المستهدف ان تحل شعوب وديانات وثقافات أخرى محل ثقافة الرجل الأبيض الغربية. وفي البيان تحدث عن زياراته لتركيا ورومانيا والمجر وبلغاريا والبلقان، ليرى مواقع المعارك الكبرى بين الجيوش العثمانية والجيوش الأوروبية، وأفاد الذين التقوا به هناك بمعرفته الجيدة بهذا التاريخ. ويظهر في شريط فيديو متفحصا بنادقه المحفور عليها أسماء أبطال المقاومة الأوروبية للغزو العثماني، مستمعا للاغاني الشعبية التي تمجدهم. وفي خطابه يشير لموقف الغرب من الحرب في البوسنة، ويدين تدخله العسكري لأنه منع المسيحيين من طرد الغزاة المسلمين، ويمجد الزعيم الصربي رادوفان كازاريك الذي ارتكب أعمال إبادة جماعية ضد المسلمين، ويتحدث بإعجاب عن ترامب بوصفه «رمز الهوية البيضاء المتحدة». وما هي التدفقات الإرهابية لهذا التيار اليميني الأبيض العنصري؟ وما مدى خطورتها؟
ليس لدينا معالجات تتناول هذا الأمر علي امتداد العالم، وما يتوفر لدينا بعض المعالجات لوضعه داخل أمريكا، سنتعامل معها باعتبارها مؤشرا على الوضع الغربي عامة. قدرت دراسة رسمية لمكتب التحقيقات الفيدرالي ومعه وزارة الأمن الداخلي في عام 2015، ان القاعدة الاجتماعية لهذا التيار تصل الى 300000 أمريكي، تشكل بيئة قابلة لتوليد الإرهاب اليميني الأبيض. أما الدراسات التي تناولت الأبعاد الكمية لهذا الإرهاب فهي متفاوتة التقدير، لكنها في النهاية تجمع على علو الكعب الإرهابي لهذا التيار. حددت دراسة لعصبة مناهضة التشهيرـ انه كان مسؤولا عن 73% من العنف الداخلي الأمريكي فيما بين 2009 – 2018. وحددت دراسة مركز التقارير الاستقصائية انه فيما بين 2008 – 2016، ارتكب 73 عملا إرهابيا إسلاميا، لكن 76 % منها كانت مؤامرات فاشلة لم تصل الى مرحلة التنفيذ. وفي المقابل ارتكب التيار اليميني المتطرف 115 عملا إرهابيا. ولكن الدراسة نفسها تنوه ان الإرهاب الإسلامي رغم انخفاض عدد أعماله، عدد ضحاياه البشرية اكبر من عدد ضحايا التيار اليميني. ويمكننا أن نستنتج أن الإرهاب اليميني الأبيض رغم تصدره واجهه العمل الإرهابي داخل أمريكا، لا يشكل ظاهرة كاسحة كثيفة الضحايا. وباستثناء حادث أوكلاهوما 1995 الذي أسفر عن 168 قتيلا و500 جريحا، سنجد أغلب الأعمال الأخرى لهذا التيار منخفضة الضحايا ويتراوح قتلاها غالبا بين قتيل وثلاثة، وبالتالي اقرب ما يكون إلى إرهاب روتيني متكرر بمعدل غير كثيف، ومحدود الخسائر البشرية، وغالبا موجه ضد مؤسسات الدولة.
وسنجد السياق التفسيري الثاني في التطورات العامة لظاهرة الإرهاب علي المستوى العالمي؟ ما الذي تخبرنا به هذه التطورات؟ هل هو في حالة صعود أم العكس هو الصحيح؟
وفقا لبيانات قاعدة معلومات الإرهاب العالمي، كان عدد قتلى العمليات الإرهابية عام 1970 لا يتعدى 174 قتيلا. ولكن في عام 1980 قفز الرقم الي4400 قتيلا، وواصل الصعود على امتداد الثمانينات ليصل الى 7184 عام 1990، ثم أخذ ينخفض ليصل عام 2000 الى4403 قتيلا. ومن مطلع القرن أخذ في الارتفاع ليصل عام 2010 الي7827، وفي مدى خمس سنوات فقط وصل الى 38853 قتيلا في عام2015. ولكن خلال عامين حدث انحدار حاد فوصل الرقم عام 2017 إلى 26445. وبتحليل تلك التطورات سنلاحظ ان عدد قتلى 2000 سجل تراجعا الى مستوى قريب من قتلى 1980، ثم أخذ الرقم في الارتفاع المطرد على مدى عقد ونصف، ليبدأ بعد ذلك في التراجع. وعليه الارتفاع الشاهق الأخير سنجده في تطورات ثلاثة بلدان هي العراق وسوريا وباكستان، التي لم يتعد عدد قتلاها 3751 عام 2005، ليصل الى 19025 قتيلا عام 2015، لكنه في التاريخين كان حوالي نصف الإجمالي. ثم كان لنفس البلدان الثلاث دورها في الانخفاض الحاد من 2015 الى 2017، حيث انخفض عدد قتلاها الى 14594. ما الذي نخرج به من التحليل السابق؟
من جهة أولى ترتبط التطورات الأساسية داخل التيارات الكمية للإرهاب على المستوى العالمي، أساسا بتطورات الصراع بمناطق الأزمات في العالم الثالث، وبالتحديد الشرق الأوسط وجنوب آسيا. وتولد هذه الصراعات بالضرورة حركات إرهابية عابرة للقارات تتجه للغرب لتعمل فيه، أو ترسل بتدفقاتها الفكرية الى الغرب لتولد داخله حركات على منوالها. لكن هذا التأثير في الغرب يظل محدودا وقابلا للحصار، ويظل ثقلها الأساسي واغلب ضحاياها داخل مواطنها الجغرافية.
ومن جهة ثانية تبدو تطورات الإرهاب الغربي اليميني ذات سياق شديد الخصوصية يجعلها محدودة النطاق، وضعيفة التفاعل مع التيارات العالمية الكثيفة الحركة والضحايا.
يظل سؤال كيفيه مواجهة الإرهاب في ثقله الحقيقي والمدمر يرتبط أساسا بأزمات مناطق الجنوب المأزومة والدروس المستفادة منها. فما الذي تخبرنا به خبراتها التاريخية؟
في عام 2008 نشرت مؤسسه راند الأمريكية دراسه بعنوان: «كيف تنتهي الجماعات الإرهابية؟». تناولت الدراسة 648 جماعة إرهابية فيما بين 1986 – 2006، انتهى وجود 268 منها، وواصل العمل 244، وانقسم 136 على نفسه فانتهى وجوده كتنظيم. كيف كانت طرق نهاية ما انتهي وجوده؟
تخبرنا الدراسة ان 10% فقط انتهى وجوده لأنه انتصر، وانتهى وجود 7% فقط نتيجة للهزيمة العسكرية. وانتهى 43% عبر آليات الحوار السياسي والاندماج في العملية السياسية. وانتهى 40% عبر عمليات أمنية واستخبارية عالية الكفاءة، مثل الاختراق والتفكيك واستقطاب الأعضاء واعتقال القادة. وفي كل الأحوال كانت هناك حزمة أدوات، تمزج بين القوة والأمن والتفاوض السياسي والعقوبات الاقتصادية. وكان على صاحب القرار لكي ينجح ان يصل الى المزيج المناسب لكل حالة. ولاحظت الدراسة انه كلما كانت الجماعة دينية كلما قلت إمكانية التفاوض السياسي، وكلما كان برنامجها السياسي محدودا كلما زادت إمكانية نجاح الدمج السياسي.