روزنامـــة التاريـخ :تسجل الأحداث والوقائع الإسلامية في رجب

تحويل القبلة –
د.صالح بن سعيد الحوسني –

«من جملة الأحداث المهمة التي وقعت في شهر رجب حادثة تحويل القبلة والتي كانت في منتصف شهر رجب من السنة الثانية من الهجرة؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة مهاجرا من مكة يستقبل بيت المقدس ما يقارب ستة أو سبعة عشر شهرا؛ وكان النبي الكريم يتطلع إلى تغيير القبلة ليتجه إلى البيت الحرام والكعبة المشرفة والتي هي أول بيت وضع للناس في مكة المكرمة؛ والتي رفع قواعدها أبو الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام».

شهر رجب الحرام هو الشهر السابع من الأشهر القمرية التي قال الله فيها: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم..)، وسُمي بهذا الاسم لأنه كان يرجّب أي يعظّم؛ وهو من الأشهر الحرم التي عظمها الله تعالى ومنع فيها القتال إلا أن يبدأ العدو بذلك، ويضاف لذلك أن انتهاك المحارم فيها أشد من غيرها، كما قال عليه الصلاة والسلام: «السنة اثنا عشر شهرا ؛ منها أربعة حرم؛ ثلاثة متوالية: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان»، ولميزة هذا الشهر ومكانته في الجاهلية والإسلام فإن له أسماء كثيرة من بينها «مضر» وذلك نسبة إلى قبيلة مضر ذلك لأن هذه القبيلة تبقي وقته دون تغيير أو تبديل مع الأشهر الأخرى على خلاف بعض القبائل الأخرى من العرب الذين كانوا فيما يؤثر عنهم أنهم يغيّرون من أوقات الأشهر بما يتناسب مع الأحوال التي يمرون بها من السلم والحرب، ويسمى أيضا بالأصم لأنه لا ينادى فيه إلى القتال ولا يسمع فيه صوت القتال.
وكثرت ظنون الناس في فضائل شهر رجب وما يُجازى فيه من الأعمال كما هو الحال فيمن يصوم شهر رجب أو من يقوم أياما منه بعينها أو غير ذلك من المرويات الكثيرة المتداولة.. وقد تحدث أهل العلم في ذلك فذكروا أن أغلب تلك الروايات لا تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس معنى ذلك أن الإنسان لا يقوم بالطاعات والعبادات من صيام وصدقة وأعمال بر ومن نحو المسارعة إلى الخيرات فهي مشروعة ومرغب بها عموما وخاصة في شهر رجب الحرام.
ومن جملة الأحداث المهمة التي وقت في شهر رجب حادثة تحويل القبلة والتي كانت في منتصف شهر رجب من السنة الثانية من الهجرة؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة مهاجرا من مكة يستقبل بيت المقدس ما يقارب ستة أو سبعة عشر شهرا؛ وكان النبي الكريم يتطلع إلى تغيير القبلة ليتجه إلى البيت الحرام والكعبة المشرفة والتي هي أول بيت وضع للناس في مكة المكرمة؛ والتي رفع قواعدها أبو الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام، قال تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها..)؛ فيأتي الأمر الرباني بتحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة، وتروي لنا كتب السنة قصة ذلك عندما كان عليه الصلاة والسلام خارجا من زيارة لأم بشير بن البراء بن معرور، فما جاء وقت صلاة الظهر قام فأم الناس في مسجد بني سلمة، وقد ابتدأ الصلاة بالتوجه إلى بيت المقدس كعادته السابقة، فلما صار في الركوع الثاني أتاه الأمر بتغيير القبلة فتحول عليه الصلاة والسلام إلى الكعبة المشرفة، وتحول أصحابه معه، وقد سمي ذلك المسجد فيما بعد بمسجد القبلتين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في صلاته فيه بين القبلتين، ومما يروى كذلك أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا في قباء فلم يصلهم خبر الوحي، حتى دخل فجر اليوم التالي، وبينما هم في الصلاة حتى جاءهم من يخبرهم بذلك وهم في الصلاة بأن النبي عليه الصلاة والسلام قد أنزل عليه قرآنا وقد أمر باستقبال الكعبة؛ فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا جهة الكعبة المشرفة، وفي ذلك يقول المولى سبحانه وتعالى: (فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره..).
والناظر إلى هذه الحادثة وما تلاها من آثار وأحداث يجد لها الكثير من الصدى والأثر؛ ذلك لأن هذا الأمر كان مثار نقاش وحديث من قبل الكثير من المسلمين والمشركين، فالمسلمون امتثلوا أمر الله تعالى، لأن ذلك تشريع من عند الله تعالى ولسان حالهم يقول: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)، وهو ما يظهر من امتثالهم السريع والمباشر حتى وهم في صلاتهم، ولم يكن منهم النقاش والتردد والتلكؤ الذي قد يصيب بعض المتخاذلين المتذبذبين، ولذا قال المشركون كما رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع إلى ديننا، وما رجوعه إليها إلا أنه الحق، وأما اليهود فقالوا: خالف قبلة الأنبياء قبله، ولو كان نبيا لكان توجهه إلى قبلتهم، وكان الأمر فرصة للمنافقين الذين كانوا يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام فقد انطلقت ألسنتهم بالقول بأن محمدا لا يدري أين يتوجه؛ إن كانت الأولى حقا فقد تركها، وإن كانت الثانية هي الحق فقد كان على الباطل، وهكذا تعددت أقاويل أهل الباطل ونشطت الحرب الإعلامية ضد الإسلام وأهله، ولكن الله تعالى ناصرُ أهله؛ قال تعالى في ذلك: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها..) فيأتي الجواب حاسما على سخريتهم واعتراضهم (قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)، أي قل لهم يا محمد بأن المشرق والمغرب وما بينهما ملك لله تعالى؛ فليست جهة من الجهات خارجة عن إرادته وملكه، وذلك إشارة إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام يمتثل أمر ربه فحيثما يوجهه ربه يتوجه، ويمضي السياق لفضح تلك الجلبة التي أحدثها أولئك الجّهال وضعاف العقول ببيان أن هذه الأمة تتصف بالوسطية والاعتدال وأنها وهي شهيدة على الأمم الأخرى بإبلاغ هذه الرسالة، وأن قضية تحويل القبلة هي امتحان حاسم من عند الله تعالى لبيان المطيع المسارع إلى الخيرات من غيره من أهل الكفر والنفاق فقال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا، وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه)، ويصف أبعاد هذا الأمر على غير المسلم وضخامته فيقول: (وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله)، بل ويمضي السياق في بيان عناد الكثير من أهل الكتاب بحيث لو أحضرت لهم جميع الحجج والبراهين على صدقك ونبوتك لما تغلل في قلوبهم من العناد والكبر ما تبعوا قبلتك فقال: (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل أية ما تبعوا قبلتك، وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض..)، رغم ما تأكد في قلوبهم من صدقك ومكانة رسالتك، وحقيقة بعثتك؛ ولكنه الحقد الدفين والحسد الذي أعمى بصائرهم وقلوبهم (وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون)، بل جاء الوصف كبيرا عندما بين القرآن خبيئة أمرهم وشدة عداوتهم ببيان أن علماءهم يعرفون أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو رسول من عند الله بأوصافه المذكورة في كتبهم فقال: (الذين أتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون)، فهم يعرفون صدقه وأمانته معرفتهم بأبنائهم، وقد يتساءل بعض المسلمين عن الصلاة والعبادة التي أدوها إلى القبلة السابقة وربما أن بعضا منهم قد توفاه الله فيأتي الجواب واضحا (..وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم).
ويمكننا أن نلمس من هذه الحادثة قضية تميز المسلم عن غيره في عبادته ومعاملاته ونظام حياته، فهو له منهج متفرد لا يتبع فكرا أو ملة أخرى، وشأنه في هذه الحياة أن يكون قائدا موجها في الحياة فليس من شأنه تقليد الآخرين وإنما مقامه مقام الريادة والتوجيه، ولذا فقد جاء النهي واضحا من تقليد الآخرين في خصائصهم أو حتى في أشكالهم أو مظاهرهم؛ بل جاء النهي عن التشبه باليهود في مواضع كثيرة من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك الحال بالنسبة للأمة التي تريد العزة والكرامة عليها أن تعتمد على فكرها ومورثها وتنطلق منه، ذلك لأن الأمة التي تعيش على موائد الآخرين وتقتات بما يلقى لها من الفتات هي أمة ذليلة مستعبدة مهما ظهر من صلاح حالها وعزة أمرها.

وتعدد الأمر بالتوجه إلى البيت الحرام في أكثر من موضع ليذهب ما يكون قد علق ببعض الأذهان من التردد في هذا الأمر وأنه ليس مقصورا على أهل المدينة أو حال دون أخرى؛ فقال تعالى: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجهوكم شطره)، ودعت الآيات بعد ذلك إلى التوجه إلى الله تعالى بالخشية والتعظيم وعدم الاكتراث بما يقوله أولئك السفهاء فقال تعالى: (فلا تخشوهم واخشوني..)، بجنب أمرهم بالمسارعة إلى الخيرات والطاعات فقال تعالى: (فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا..).